في ظل الخروقات المتواصلة.. هل تحولت واشنطن من وسيط إلى طرف في حرب غزة؟

الساعة 11:10 ص|10 مايو 2026

فلسطين اليوم

تتواصل حالة التوتر في قطاع غزة في ظل استمرار الخروقات "الإسرائيلية" لاتفاق وقف إطلاق النار، حيث لم تتوقف الاعتداءات العسكرية بشكل كامل منذ الإعلان عن وقف اطلاق النار،  رغم المساعي الدولية الرامية إلى تثبيت التهدئة واحتواء التصعيد.

ومنذ ابرام اتفاق التهدئة، في العاشر من أكتوبر من 2025م، تواصل "إسرائيل" انتهاك الاتفاق، الانتهاك المستمر تقابله المقاومة الفلسطينية بالالتزام التام في كافة بنود الاتفاق، وتتعامل مع المرحلة الحالية بضبط نفس واضح، رغم استمرار الخروقات، الأمر الذي يضع الاتفاق القائم أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على الصمود أمام التطورات على الأرض.

هذا الواقع المتشابك بين استمرار الانتهاكات من جهة، والالتزام المقابل من جهة أخرى، يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول طبيعة الدور الدولي، وفي مقدمتها الدور الأمريكي، وهل تحول من وسيط إلى طرف في الحرب، وما هي حدود تأثيره في ضبط مسار الأحداث ومنع انزلاقها نحو التصعيد؟

الكاتب والمختص في الشأن "الإسرائيلي"، عادل ياسين، رأي أن الحديث عن تراجع الدور الأمريكي في مراقبة وقف إطلاق النار لا يعكس الواقع الحقيقي، بل إن العلاقة بين إدارة الرئيس دونالد ترامب وحكومة بنيامين نتنياهو تقوم على مستوى عالٍ من التنسيق المستمر، بما يجعل أي تحرك "إسرائيلي" ميداني مرتبطًا بشكل مباشر بالغطاء السياسي الأمريكي.

وأوضح ياسين خلال حديث لـ"مراسل وكالة فلسطين اليوم الإخبارية"، أن ما يجري على الأرض لا يمكن فصله عن هذا التنسيق، إذ يبدو أن واشنطن منحت حكومة الاحتلال مساحة واسعة من المناورة في المرحلة الحالية، تسمح لها بمواصلة الخروقات وتكثيف الضغط العسكري بشكل تدريجي، دون الوصول إلى حرب شاملة جديدة، وذلك بهدف دفع حركة حماس إلى تقديم تنازلات، خصوصًا في ملف "نزع السلاح".

خرق لا حرب

وأشار إلى أن هذا الواقع يمكن وصفه بـ"إدارة التصعيد" بدلًا من منعه، حيث تُبقي الولايات المتحدة على مستوى معين من التوتر العسكري، يسمح لـ"إسرائيل" بمواصلة الضغط دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة شاملة قد تكون مكلفة سياسيًا وعسكريًا على الأطراف كافة، مبيناً أن هذا الدعم لا يقتصر على الجانب السياسي فقط، بل يمتد إلى الغطاء العسكري والدبلوماسي، ما يمنح إسرائيل مساحة حركة واسعة في الميدان، ويعزز من قدرتها على الاستمرار في العمليات دون ضغوط دولية فعالة توقفها.

كما بين المختص ياسين أن هذا النهج يعكس تحولًا في طبيعة الدور الأمريكي، من وسيط يسعى إلى خفض التصعيد، إلى طرف يدير التوازنات الميدانية والسياسية بما يخدم مصالحه الاستراتيجية في المنطقة.

وتواصل "إسرائيل" خرق اتفاق وقف اطلاق النار، فقد ارتكب الاحتلال خلال شهر أبريل 377 خرقاً أسفرت عن 111 شهيداً و376 مصاباً، وسط إخلال جسيم ببنود الاتفاق واستمرار تعطيل إدخال المساعدات الإنسانية، بحسب المكتب الإعلامي الحكومي بغزة.

وحول المصلحة "الإسرائيلية" العامة وراء الوضع الراهن في غزة؟ والمصلحة الخاصة لـ"نتنياهو"؟، أكد المختص ياسين، وجود تناقض بين مصلحة "إسرائيل" الاستراتيجية وبين مصلحة نتنياهو، فهناك شبه إجماع لدى المحللين السياسيين والعسكريين حول فشل الاعتماد على القوة العسكرية وحدها لتحقيق الأهداف، وأن هناك حاجة ملحة لخطوات وتسويات سياسية لمنح "إسرائيل" فرصة لترميم علاقاتها الدولية، في ظل استطلاعات الرأي التي تشير إلى تحول جوهري في نظرة الشارع الأوروبي والأمريكي تجاه "إسرائيل"، وما يترتب عليه من مخاطر بعيدة المدى ستؤثر سلبًا، وتشكل خطرًا على قطاعات واسعة في "إسرائيل" اقتصاديًا وسياسيًا، عدا عن حاجة الجيش إلى أخذ قسط من الراحة في ضوء حالة الإنهاك والاستنزاف التي تعرض لها على مدار الحرب، التي تُعتبر أطول حرب في تاريخ "إسرائيل".

وأضاف:" أن مصلحة نتنياهو تقتضي الاستمرار في الخروقات والتهرب من دفع استحقاقات تطبيق بنود الاتفاق، خصوصًا فيما يتعلق بالانسحاب من غزة، فهو على قناعة تامة بأن تطبيق المرحلة الأولى من الاتفاق، بالتزامن مع قرب الانتخابات العامة، يمثل انتحارًا سياسيًا بكل ما تعنيه الكلمة، لأنه يتعارض مع رغبة ورؤية جمهور اليمين المتطرف، ويكشف عن الفجوة بين تصريحاته وشعاراته وبين قدرته على تحقيقها وتطبيقها على أرض الواقع، سواء كان ذلك أمام إيران أو في ظل تورطه في وحل لبنان".

وبشأن المصلحة الامريكية في الإبقاء على هذا الوضع في غزة والسلوك "الإسرائيلي"، أكد ياسين أن مصلحة الولايات المتحدة تقتضي إظهار قوة "إسرائيل" وتعزيز صورتها كقوة عظمى إقليميًا، لكي تتمكن من لعب دور شرطي المنطقة، وهو ما يساعدها على لعب دور شرطي العالم، بناءً على المصالح المشتركة، حتى لو كان ذلك على حساب الفلسطينيين واستمرار معاناتهم، أو حتى على حساب مكانة الولايات المتحدة ومصداقيتها وسمعتها أمام العالم، وانتقالها من دور الوسيط إلى دور المشارك فعليًا في الجرائم التي يرتكبها الاحتلال، لما تقدمه من دعم عسكري وغطاء سياسي.

وأضاف:"  أن ما يعزز المصلحة الامريكية هو استغلال الصمت الدولي وضعف الموقف العربي، واكتفائه بإصدار بيانات الشجب والاستنكار والتعبير عن القلق، رغم امتلاكه القدرة على القيام بخطوات عملية فعالة تُجبر الاحتلال على الإيفاء بالتزاماته ووقف انتهاكاته للاتفاقيات الدولية".

وفي ظل استمرار الخروقات "الإسرائيلية"، يبقى المشهد في غزة  يتحرك ضمن دائرة معقدة من التفاهمات غير المعلنة، حيث تتداخل المصالح الأمريكية مع الحسابات "الإسرائيلية"، في ظل غياب ضغط دولي فاعل لوقف الانتهاكات، في اصرار واشنطن على أنها تعمل ضمن إطار الوساطة،  في حين تشير الوقائع الميدانية والسياسية إلى أنها أقرب إلى إدارة الصراع بدلًا من إنهائه، ما يفتح الباب أمام استمرار حالة عدم الاستقرار في القطاع.

ومنذ وقف إطلاق النار (11 أكتوبر)، بلغ إجمالي عدد الشهداء: 850 ، فيما بلغ إجمالي عدد الإصابات: 2,433، نتيجة الخروقات "الإسرائيلية" المتواصلة على قطاع غزة منذ دخول الاتفاق وقف اطلاق النار حيز التنفيذ برعاية أمريكية وقطرية ومصرية، فيما بلغت الإحصائية التراكمية منذ بداية العدوان في 7 أكتوبر 2023، بلغت للشهداء: 72,736، والعدد التراكمي للإصابات: 172,535، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية.

كلمات دلالية