في تطور لافت يعكس حجم تعقيدات المشهد الميداني في قطاع غزة المحاصر، يصعد جيش الاحتلال الإسرائيلي من هجماته داخل القطاع، باستهداف نقاط شرطية ومركبات مدنية وخيام نازحين تسفر عن وقوع شهداء وجرحى، ويوسع مساحة "الخط الأصفر" وصولاً إلى تهديدات أطلقها مؤخرًا نحو الاستعداد للقتال مجددًا وعلى نطاق واسع.
حكومة الاحتلال تتلكأ من التزامتها لما جاء في اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في مدينة شرم الشيخ المصرية في 10 اكتوبر/تشرين 2025، وتفرض قيودًا صارمة على حركة المسافرين والمساعدات الإنسانية والصحية، ما يفاقم من سوء الأوضاع المعيشية للنازحين والأهالي المنكوبين داخل القطاع، وهذا يُعد خرقًا واضحًا لنص الاتفاق.
مناقشات ترتيبات مراحل اتفاق وقف الحرب، تشهد حاليًا تعثرًا في التقدم بسبب التعنت الإسرائيلي، كما تقول "حماس"، التي حذرت من خروقات الاحتلال المتواصلة ضد سكان القطاع.
قتل يومي
وفي أحدث إحصائية صادرة من وزارة الصحة بغزة، فقد قتل جيش الاحتلال منذ دخول اتفاق وقف الحرب الأخير حيز التنفيذ، 846 مواطناً، وأصاب 2418 أخرين، وسط انهيار المنظومة الصحية داخل المستشفيات التي تعمل بكامل قصوتها.
وقصف طيران الاحتلال، أمس، خيمة نازحين ومركبة مدنية إضافة إلى اطلاق النار على المواطنين والنازحين القريبين من الخط الأصفر، في جنوب وشمال القطاع، نجم عن ذلك استشهاد تسعة افراد و39 إصابة بجروح متفاوتة، بحسب ما أفادت به وزارة الصحة.
طواقم الطبية والمواطنون، نقلوا جثامين الشهداء والمصابين إلى مجمع ناصر الطبي والكويتي والشفاء في خانيونس وغزة، بواسطة سيارات الإسعاف والمدنية، في حين، تشهد هذه المستشفيات نقص حاد في الادوية والمستلزمات الطبية بسبب الحصار الاسرائيلي المشدد على المعابر.
وبلغ رصيد الأدوية الأساسية صفرا بنحو 47 بالمئة، ومن المستهلكات الطبية 59 بالمئة، ومن مواد الفحص المخبري 87 بالمئة، وفق ما أكدته وزارة الصحة بغزة، وهذا الأمر يؤكد مدى انهيار القطاع الصحي الذي يهدد حياة الجرحى والمرضى العالقين.
47 % من الأدوية الأساسية رصيدها صفر ، و59 % من المستهلكات الطبية رصيدها صفر، و 87 % من مواد الفحص المخبري رصيدها صفر .
عودة شبح الحرب
وعلى صعيد تعثر المفاوضات ولا سيما في ملف نزع السلاح، تتصاعد لهجة المسؤولين في حكومة الاحتلال التي يرأسها بنيامين نتنياهو، بتجديد عودة القتال في غزة.
مسؤول أمني إسرائيلي، يقول لوسائل إعلام عبرية: إن "عودة القتال في قطاع غزة أمر لا مفر منه"، مدعيًا: ان "حركة حماس تتعاظم مجدداً".
ونقل موقع والا العبري، عن المراسل العسكري امير بحبوط، قوله إن "الجيش الإسرائيلي يستعد لمناورة عسكرية في غزة"، ويزعم بأن "حماس تستغل الاهتمام بإيران ولبنان، لإعادة بناء صفوفها".
وتشير تقديرات مصادر عسكرية في جيش الاحتلال، وفق الموقع، إلى أن المبعوث الأمريكي نيكولاي ملادينوف سيفشل في تفكيك حماس عسكريا وحكومة، وفي ظل هذا المأزق، أمر مسؤول القيادة الجنوبية بالجيش بتحديث خطط الهجوم البري.
ويزعم الاحتلال، بأن "حماس" تواصل رفض أي مقترح يتضمن تسليم أسلحتها وفق ما جاء في خطة ترامب العشرين بندا.
ماذا تقول حماس
واتهمت حركة حماس، كيان الاحتلال أنه "يتعمد خرق اتفاق وقف إطلاق النار ويفشل كل مساعي الوصول إلى اتفاق نهائي"، مضيفة ان "الخروقات الإسرائيلية لم تتوقف منذ بدء وقف إطلاق النار"، مشددة على أن جيش الاحتلال يتمرد على القرارات والاتفاقيات الموقعة، خصوصًا المتعلقة بوقف إطلاق النار.
وأكدت الحركة على لسان قائدتها خليل الحية، أن المفاوضات لا تزال تراوح مكانها نتيجة التعنت الإسرائيلي وعدم الالتزام باتفاق شرم الشيخ. موضحة أن الاحتلال يقف عند موقف محدد ويرفض تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى، الأمر الذي يعرقل الانتقال إلى المرحلة الثانية من المفاوضات.
واشترطت "حماس" الانتقال إلى الدخول في نقاشات المرحلة الثانية، بعد التزام الاحتلال بتنفيذ جميع بنود المرحلة الأولى من الاتفاق"، كما يقول الحية.
وأضافت أن الاحتلال "يضرب بعرض الحائط كل شيء"، ما يضع الوسطاء والضامنين أمام مسؤولياتهم، ودعت "حماس" الوسطاء إلى الضغط على الاحتلال لوقف عدوانه وتنفيذ ما جاء في نص الاتفاق.
مصدر في فصائل المقاومة بغزة، قال في تصريح صحفي: إن "مندوب مجلس السلام ملادينوف يتصرف بما لا ينسجم مع دوره"، موضحًا أن ملادينوف يحاول فرض إملاءات تمهد لمزيد من التصعيد العسكري.
وتنص المرحلة الأولى من الاتفاق، إفراج الاحتلال عن اسرى فلسطينيين، يقابله افراج المقاومة عن اسرى الاحتلال منهم 20 اسيرا على قيد الحياة، وإدخال المساعدات الإنسانية بواقع 600 شاحنة يوميا، وعودة النازحين من الجنوب إلى الشمال، وانسحاب الاحتلال من قلب المدن باتجاه المناطق الشرقية داخل القطاع.
اما بنود المرحلة الثانية كما جاءت في نص الاتفاق، على النحو التالي:
جهد استخباراتي
وعلى مدار الوقت، تحلق الطائرات الحربية والمسيرة بأنواعها المختلفة وعلى ارتفاعات متوسطة ومنخفضة في عموم أرجاء مدن القطاع، وسط ضجيج كبير يصدر عنها ترهق المواطنين المنهمكين من ويلات الحرب الإسرائيلية التي بدأت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وخلفت 72,628 شهيدا، إذ لا يستطيعون النوم باريحية في الليل إضافة إلى تسلل الرعب والخوف بينهم.
وتحلق هذه الطائرات، ضمن جهود استخباراتية يجرها جيش الاحتلال لتجميع معلومات جديدة ورصد تحركات الأشخاص وعناصر الشرطة، وتغير بصواريخها على أهداف، تشمل قصف مركبات مدنية ومارة في الشوارع ومخيمات مكتظة بالنازحين.
توسيع الخط الأصفر
ووسع جيش الاحتلال مساحة "الخط الأصفر" في شمال وجنوب القطاع عبر تحريك المكعبات الصفراء لعشرات الأمتار نحو الغرب، حيث بات يسيطر على 60 بالمئة من مساحة القطاع، ويحظر على المواطنين الحركة كليًا في نطاق الخط.
ويطلق الجنود والآليات العسكرية المتركزة خلف الخط، الرصاص الحي باتجاه المواطنين ومنازلهم على مقربة من الخط، ما يسفر عن وقوع شهداء واصابات.
وينسف الجيش يومياً ما تبقى من المنازل الواقعة خلف الخط ويسويها بالأرض، كما وتجرف الجرافات الشوارع وتدمر البنى التحتية الأرضية، حيث جعل هذه المناطق لا تصلح للسكن فيها لاحقاً.
معارك مع المليشيات
وتخوض "حماس" معارك شبه يومية ضد عناصر مسلحة متعاونة مع الاحتلال في المناطق القريبة من الخط الأصفر، وتسفر عن سقوط قتلى بين صفوف هذه الجماعات المدعومة بغطاء جوي ومدفعي.
وتحذر الحركة، المواطنين من إغراءات هذه المليشيات – كما توصفهم - عند وصولهم إلى نقاط التماس عند الخط الأصفر، بتوزيع المساعدات عليهم.
وأوقع أمن المقاومة، عصر أمس، عناصر من هذه العصابات في كمين محكم في جنوب مدنية خانيونس، ما أسفر عن قتلى وجرحى بين صفوفهم، وحرق "مركبة" كانوا يستخدمونها.
تقييد المساعدات
ومع تفاقم الأوضاع الإنسانية والمعيشية الصعبة للسكان، يفرض جيش الاحتلال قيودًا مشددة على حركة شاحنات المساعدات الإنسانية والتجارية عبر المعابر، ويسمح بدخول أقل من نصف الشاحنات المتفق عليها في اتفاق وقف اطلاق النار.
منظمة أطباء بلا حدود، أكدت من جهتها، أن "قطاع غزة يواجه أزمة سوء تغذية حادة نتيجة القيود على الإمدادات الغذائية والمياه".
وأوضحت المنظمة الدولية، أن "المساعدات الحالية لا تلبي الاحتياجات الإنسانية المتزايدة".
ودعت إلى السماح للفرق الإنسانية بالعمل دون قيود داخل القطاع.
حركة المسافرين
كما ويفرض الاحتلال قيودا على حركة المسافرين المرضى والجرحى عبر معبر رفح البري مع الجانب المصري، ويسمح بسفر العشرات في اليوم، ما يضع هؤلاء في دائرة خطر الموت، في ظل نقص الادوية والعلاج اللازم.
ماذا ينتظر غزة
ولم يكشف جيش الاحتلال عن خططته العسكرية القادمة عند عودة القتال في غزة، في حين يرى مراقبون، أن سياسة الاغتيالات في غزة ستستمر بالقصف الجوي مع قتل وإصابة المزيد من المواطنين والنازحين القريبيين من "الخط الأصفر"، تحت حجج واهية.
ولم يستبعد المراقبون قدوم الاحتلال على اجتياح بري محدود داخل القطاع للمناطق القريبة من شارع صلاح الدين الشرقي، بالتزامن مع تشديد الحصار.