بين أنقاض المنازل في بلدة جباليا المدمرة كاملةً في شمال قطاع غزة، يمشي المواطنون المنهمكين من صعوبة الحياة جراء حرب الإبادة الجماعية لمئات الأمتار، بحثاً عن مياه الشرب والاستخدام المنزلي، ومع توقف محطة "الحسن" للتحلية الوحيدة بالبلدة عن العمل، مؤخرًا، يجد هؤلاء أنفسهم أمام أزمة عطش حادة.
وفي رحلة وصفوها بـ"المأساوية" و"الشاقة"، يحمل النازحون وأصحاب المنازل المهدمة جالوناتهم في الصباح والمساء لتعبئتها بالمياه بواسطة الأنابيب الممتدة في الشوارع أو من صهاريج الشاحنات، ويضطروا أحيانًا للعودة إلى خيامهم بدون مياه، لانقطاعهم إلى الوصول إلى مصادر مياه آمنة في المنطقة ومحيطها.
المواطن أبو خالد النجار، أب لسبعة أفراد، يجلس أمام خيمته القريبة من بيته المدمر، يترقب عودة المياه في الأنابيب أو وصول صهاريح المياه إلى المنطقة التي توفرها وتدعمها المؤسسات الدولية، لتعبئة برميله الذي أًفرغ منذ أيام، ويقول: "لم استطع تعبئته لفترة طويلة بسبب انقطاعها وصعوبة الوصول إليها في المناطق الأخرى".
ويضيف وبجانبه أولاده الصغار: "ابحث عن المياه مع ابنائي الذين يحملون الجالونات والزجاجات لمسافة تبعد نحو 400 متر وما يزيد، وفي بعض الأيام انجح في تعبئتها بعشرات اللترات ونجرها عبر عربة، وأحياناً أعود بلا مياه"، ويوضح: أن "هذا الأمر مرهق جدًا له ولعائلته، لا سيما مع توقف عمل المحطة التي كانت تغذيهم بالمياه".
"انقطاع المياه عن المنطقة وضع جميع الأسر في أزمات أكثر تعقيدًا، والتهديد بأزمة عطش قادمة بشكل أكبر"، كما يقول أبو خالد الذي نزح خلال الحرب مرات عدة، الذي يشير إلى أن "قلة المياه أجبرتنا على قلة الاستحمام وترك الملابس واواني الطعام بلا غسيل".
عائلة هذا المواطن التي تعيش في وضع إنساني ومعيشي صعب للغاية إلى حد الفقر الشديد إثر تداعيات الحرب الإسرائيلية المستمرة، تطالب من المؤسسات الدولية في مقدمتها "أطباء بلا حدود" و"اليونسيف" بضرورة إيجاد حل سريع لهذه الأزمة قبل أن تتفاقم مع مرور الأيام.
وفقاً لبيانات دائرة شؤون المغتربين وموسوعة القرى الفلسطينية، فإن مساحة بلدة جباليا تبلغ نحو (11.5) كيلومتر مربع تقريبًا، وتشمل البلدة مناطق النزلة والقرية الأصلية، بينما يغطي مخيم جباليا المجاور لها بمساحة إضافية تبلغ حوالي (1.4)- (1.5) كيلومتر مربع.
وعلى بعد 20 مترًا من عائلة أبو خالد، ينتظر أبو السعيد علوش في خيمته المتواضعة، سماعه نبأ من الجيران يفيد بعودة المياه على أحر من الجمر، ويقول: "جميع الجرادل والجالونات والزجاجات لدي فارغة من المياه"، ويبدي عن قلقه الشديد إزاء توقف عمل محطة التحلية.
علوش صاحب الوجه النحيف، ويعيل أسرة صغيرة، يضيف: "نحن قادمون على أجواء حارة، ونستهلك فيها كميات كبيرة من المياه منها مياه الشرب، وانقطاع المياه وصعوبة الحصول عليها يفاقم من سوء أوضاعنا، بحيث تجعل حياتنا المنكوبة أصلاً لا تطاق في منطقتنا".
وعلى كرسي متحرك يضع أبو السعيد عليه عددا من جالوناته منها مهترئة ويقوده مشيًا مع أحد ابناءه في الشوارع الوعرة وتحت أشعة الشمس الحارقة نحو منطقة بعيدة عنه بنحو نصف كيلو وما يزيد ويقوم بتعبئتهم بالمياه، وتستغرق هذه العملية أكثر من ساعة ونصف، في محاولة منه للتغلب على الأزمة، مؤقتًا.
ويقول: "أكرر هذا الأمر من مرتين إلى ثلاث مرات فقط في الأسبوع الواحد".
ودمر الاحتلال خلال الحرب 400 ألف متر طولي من شبكات المياه في القطاع الساحلي الصغير، إضافة إلى أكثر تدمير 700 بئر، وفق معطيات المكتب الإعلامي الحكومي بغزة.
ووفق تقارير أممية، فإن حصة العائلة في غزة انخفضت من مياه الشرب إلى ما لا يتجاوز 7 لترات يومياً في بعض المناطق، مما يهدد بانتشار الأمراض والعطش الشديد.
حرمان الآلاف من المياه
وأعلن جمال قرموط، أحد القائمين على محطة التحلية، عن توقف عملها بشكل كامل منذ الأسبوع الماضي، جراء عدم توفر قطع غيار الصيانة في غزة والقدرة على إصلاح العطل، بسبب قيود الاحتلال الإسرائيلي على المعابر والمنافذ الحدودية ومنع تلك القطع اللازمة إلى القطاع.
وفي ابريل/ نيسان 2024، انطلق مشروع المحطة بجهود ذاتية ومجموعات فلسطينية، وكانت تنتج ثلاثة أكواب في الساعة، كما يضيف قرموط، الذي أكد أن توقف عمل المحطة حرم نحو 15 ألف فلسطيني من الحصول على المياه المفلترة الصالحة للشرب.
وتعد المحطة التي تعمل بمعدات وأدوات قديمة إلى حد ما تم تجميعها وتركيبها بداخل منزل مدمر في بلدة جباليا، مصدر أساسي لسكان المنطقة للمياه الشرب، وهو ما فاقم من أزمة المياه في شمال القطاع.
ويطالب قرموط، المؤسسات الدولية المعنية بضرورة التدخل العاجل لإعادة تشغيل المحطة أو توفير الدعم اللازم لإنشاء محطة جديدة بقدرة إنتاجية تصل إلى 4 أو 5 أمتار مكعبة في الساعة لتلبية احتياجات السكان المتزايدة من المياه.
ارقام واحصائيات
شبكات المياه في القطاع تواجه تدميراً شبه كامل وشللاً شبه تام جراء الحرب التي بدأت في السابع من أكتوبر/تشرين 2023، مما تسبب في أزمة عطش حادة.
وتعرضت البنية التحتية، التي كانت تضم حوالي 2,250 كم من الشبكات و79 محطة ضخ، للقصف، فيما لا يزال الاحتلال يمنع دخول الوقود لتشغيل الآبار ومحطات التحلية، مما قلص حصة الفرد إلى مستويات خطيرة جداً.
وبلغ حجم الدمار في شبكات المياه، وفق تقارير صادرة عن مؤسسات دولية، حوالي 40% من شبكات المياه والمرافق الرئيسية، بما في ذلك محطات الضخ والتحلية، وانخفض إجمالي المياه المتوفرة إلى ما بين 10-20% من الكميات المتاحة قبل أكتوبر 2023.
ويلجأ السكان في غزة، بعد تدمير شبكات المياه ومحطات التحلية إلى شبكات بدائية ووصلات عشوائية، أو خزانات مياه صغيرة (توزعها جهات مثل اليونيسيف).