من 7 أطراف، يمسك صيادون حبال شبكة صيد استعداداً لنصبها في عرض بحر مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، على أمل اصطياد بعض الأسماك المتنوعة، يبيعون بعضها ليجنوا أموالاً تمكنهم من شراء مستلزماتهم، ويطهون شيئاً منها.
شبكة مساحتها نحو 100 متر مربع، تعد طوق نجاة لعدد كبير من الصيادين في غزة، إذ يحاولون جاهدين صيد كميات ولو قليلة من الأسماك وعرضها في الأسواق، يواجهون كل أشكال الخوف والرعب التي تُطلقها الزوارق الحربية لجيش الاحتلال الإسرائيلي، من أجل كسب لقمة عيشهم، وإطعام أطفالهم.
يبحر الصيادون بحذر شديد، أمتاراً معدودة خشية من رصاص وقنابل الزوارق الحربية، ينصبون شبكتهم في الأماكن التي يعتقدون أن الأسماك تستوطنها، ثم يثبتون شبكتهم في الرمال، مستخدمين أوتاد من الحديد، ويضعون فقوها أضواء خفيفة السطوع، لتحديد أماكنها في أوقات الليل.
تغوص الشبكة في البحر لمدة لا تقل عن 12 ساعة على التوالي، وأحياناً تزيد، إلى أن يأتي الموعد ويتجمع الصيادون مجدداً لسحبها إلى الشاطئ وتفكيك ما اصطادته من أسماك في فتحاتها البيضاوية الضيقة.
طريقة بدائية
يقول الصياد أبو مالك الهسي: إنه بعد تدمير الاحتلال الإسرائيلي لمركبه بعد قصفه وهو راسٍ في ميناء غزة، حاول بكل الطرق العودة إلى ممارسة مهنة الصيد، كونها الوحيدة المتاحة حالياً، ولا يمتهن غيرها، ليصيد ما تيسر من الأسماك وبيعها في الأسواق، لشراء احتياجات أسرته.
في هذه الأوقات، لم يجد الصياد الهسي، طريقة لعودته إلى الصيد سوى حياكة شبكة مساحتها نحو 100 متر، واستئناف مهنته مجدداً، بعد توقف دام أشهر عديدة بسبب الحرب على غزة، مشيرة إلى أنها طريقة بدائية، لكنها المتاحة حالياً.
ويشير الصياد إلى أنه قبل الحرب كان يصيد عشرات الكيلوات من الأسماك المتنوعة ذات الوزن ذات الأحجام الكبيرة والمتوسطة، بعد أن كان الاحتلال يسمح للصيادين بعبور البحر لنحو 6 أميال عبر مركبة ذات محرك.
ويضيف: "هذه الأيام الأسماك غير وفيرة في البحر، كوننا نصيد على بعد أمتار معدودة عن الشاطئ، ولا تستوطن هذه المناطق سوى أسماك صغيرة الحجم (سردينة- بزرة) وأنواع قليلة ذات حجم صغير ومتوسط؛ بسبب تمركز زوارق الاحتلال على بعد أميال قليلة في عرض بحر غزة".
ويوضح، أن ما يصطاده من أسماك يتم توزيعها على العاملين، ويقومون بطهي بعضها وبيع البقية في الأسواق، لافتاً إلى أن الأسعار أعلى من سابقتها قبل الحرب؛ لندرتها في الأسواق.
ويُشير إلى أن أسعار الأسماك متفاوتة، يصل سعر الكيلو منها مثل "السردينة" إلى 30 شيكلاً، والـ "بوري" 80 شيكلاً، وهناك أنواع أخرى تتراوح أسعارها بين الـ 40- 60 شيكلاً، منوها إلى أنه ما يتم صيده بالكاد يُغطي التكاليف.
في العدوان الإسرائيلي على غزة، الذي بدأ في السابع من أكتوبر 2023، مارست قوات الاحتلال الإسرائيلي عمليات قصف ممنهجة على مراسي ومراكب الصيادين من خلال الزوارق والطائرات الحربية، ما أدى إلى تدمير نحو 95% من ممتلكات الصيادين.
2% فقط من الكمية
كشف رئيس اتحاد لجان الصيادين زكريا بكر، عن حجم التدهور الكارثي الذي أصاب قطاع الصيد في قطاع غزة، نتيجة العدوان الإسرائيلي المتواصل، مؤكدًا أن هذا القطاع كان من أوائل القطاعات التي تعرضت لتدمير واسع وممنهج منذ بداية الحرب.
وأوضح بكر، أن الاحتلال لم يكتفِ باستهداف الموانئ وتدمير مراكب الصيادين ومعداتهم ومخازنهم، بل فرض أيضًا حصارًا بحريًا شاملًا لا يزال قائمًا حتى اللحظة، فيما تواصل الزوارق الحربية إطلاق النار وملاحقة الصيادين على امتداد الساحل، ما حول البحر إلى منطقة خطرة تخضع لرقابة واستهداف دائمين.
وأشار إلى أن نحو 500 صياد فقط ما زالوا يحاولون ممارسة عملهم في ظروف بالغة القسوة، مستخدمين وسائل بدائية مثل قوارب المجداف وألواح الفلين وحتى أبواب الثلاجات القديمة كبدائل عن مراكبهم التي دُمرت.
ويضطر هؤلاء للإبحار لمسافات قصيرة لا تتجاوز كيلومترًا واحدًا من الشاطئ، وسط مخاطر إطلاق النار المباشر حتى في المناطق القريبة جدًا من الساحل.
وأضاف أن الصيادين يستخدمون شباكًا جرى انتشالها من تحت الأنقاض، لصيد كميات محدودة من الأسماك الصغيرة، لم تكن تُعد ذات قيمة اقتصادية في السابق، لكنها باتت اليوم مصدرًا أساسيًا للبقاء، في ظل شحّ اللحوم وتقييد دخولها عبر المعابر.
وفيما يتعلق بالإنتاج، أوضح بكر أن إجمالي ما يتم اصطياده حاليًا لا يتجاوز 10 أطنان شهريًا، أي أقل من 2% من حجم الإنتاج الطبيعي للقطاع قبل الحرب، معتبرًا ذلك مؤشرًا خطيرًا على الانهيار الكامل الذي يعيشه قطاع الصيد.