قصص من الميدان: لحظات صعبة ومواقف لا تُنسى

الساعة 04:38 م|03 مايو 2026

فلسطين اليوم

لم يكن يوم الصحافة العالمي بالنسبة للإعلاميين الفلسطينيين، مجرد يوم يتم الاحتفاء به، للتأكيد على مطالبهم وحقوقهم، لكنه يوم للتذكير أن الصحفي الفلسطيني يُقتل على مرأى ومسمع العالم، وأن هناك أكثر من 260 صحفياً ارتقوا في سبيل الكلمة والصورة، دفاعاً عن قضيتهم العادلة، فعملوا على مدار الساعة لنقل الحقيقة التي لم ترق للاحتلال، فعمد على قتلهم.

فإسرائيل وخلال حربها البشعة على قطاع غزة، لم يرق لها مشاهدة التضامن العربي والدولي مع الشعب الفلسطيني، فتعمدت قتل الحقيقة، وحاولت إسكات صوت المراسلين والصحفيين، الذين قاتلوا حتى آخر نفس لنقلها.

كانت المشاهد صعبة وقاسية، بالكاد حاول عقل الصحفي الفلسطيني، أن يستوعبها، لكن من نجا منهم حاول الوصول للحقيقة، التي تثبت بشاعة ما يجري فكانوا شهود على الجريمة، حاولت "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية" أن تتحدث عنهم وتنقل تجربتهم المريرة في يومهم العالمي.

فراق الأصدقاء مؤلم

الصحفية دعاء الحرازين، تعتبر أن يوم الصحافة العالمي ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو تذكير مستمر برسالة ومسؤولية يحملها الصحفي، فهو يوم يعكس حجكم التحديات التي تعيشها وتواجهها يومياً، ويجدد الإيمان لديها بدور الكلمة الحرة في كشف الحقيقة ونقل صوت الناس.

وتقول الحرازين وهي صحفية عاملة في الميدان منذ سنوات طويلة: منذ اليوم الأول للحرب،  بدأتُ تغطية الحرب بكل ما تحمله من ألم وقسوة، ورأيت عن قرب حجم المعاناة الإنسانية التي لا يمكن وصفها  في كلمات.

تمنت دعاء، أن ينتهي شلال الدم، وأن تتوقف آلة القتل، خصوصاً تلك التي تستهدف الصحفيين في كل مكان، وفي فلسطين وغزة بشكل خاص.

وتؤكد الحرازين، أن الصحفي ليس طرفاً في النزاع، بل شاهد على الحقيقة، وصوته يجب أن يُحمى لا أن يُستهدف، لذا فهي تأمل أن يأتي اليوم الذي تمارس فيه مهنتها بأمان، دون خوف، وأن تبقى الكلمة الحرة أقوى من الرصاص.

وعن أصعب المواقف التي مرت بها، تقول دعاء: تعرضت لمواقف عدة وسلسلة من الألم الذي لا ينتهي في قطاع غزة، حيث فقدتُ والديّ، ووجدتُ نفسي وحيدةً في شمال القطاع لمدة سبعة أشهر، أواجه كل شيء بمفردي الخوف، والقصف، والفراغ الذي تركه الغياب.

وتضيف: "بعد اقتحام مستشفى الشفاء، اضطررت للنزوح عبر ممرٍ قاسٍ نحو جنوب القطاع، وكأنني أُنتزع من حياتي السابقة دون أن أملك خياراً أو حتى وقتاً للفهم."

وفي الميدان، تستطرد دعاء بألم:" لم نفقد فقط الأماكن بل فقدنا بعضنا، كنا نعمل معاً، نقف جنباً إلى جنب، نغطي نفس الحدث، نحاول أن نكون أقوى من الصورة التي ننقلها، ثم فجأة، يُغادر أحدنا لمهمة ولا يعود، وخبر استهدافه لا يكون مجرد خبر، بل كسرٌ في القلب لا يلتئم.

وتستذكر الحرازين، مشهد الموت الذي رأته بأم عينها ولكن عناية الله هي التي تفوق، حيث كانت داخل خيام الصحفيين في مستشفى شهداء الأقصى حين تم استهدافها، فعاشت لحظات بين الحياة والموت، لا تعرف فيها إن كنت ستنجو، أم ستتحول إلى قصة يرويها غيرك.

ولا تنسى ذلك اليوم الذي عاشت فيه لحظات جميلة مع صديقتها، تحدثتا عن أمل وأمنية وحياة مستقبلية، وبعد ساعات فقط، جاءها اتصال يخبرها فيه أن هذه الصديقة ارتقت مع أحلام مؤجلة وذكريات قاسية.

تضيف:" ما زال هناك وجع أكبر… أنني لم أستطع العودة إلى ركام بيتي، هناك خلف الحاجز الأصفر. بيتي الذي لم أودّعه، ولم أستطع حتى أن أرى ما تبقى منه، ففي يوم الصحافة العالمي نحن صحفيو غزة، فقدنا بيوتنا وزملاءنا، ونعيش نازحين بلا مأوى، ومع ذلك نواصل العمل.

الحرازين لا تطلب سوى حماية دولية، ومأوى آمن، ومعدات صحفية بديلة، وحرية عمل، ودعم نفسي، ومحاسبة من يستهدف كل الصحفيين، والعيش بأمان لكي تتمكن من نقل الحقيقة.

الجوع والقصف

زميلها الصحفي محمد سعيد الخطيب، لا يرى في يوم الصحافة العالمي مناسبة رمزية، بل يعتبره تذكير بحجم المسؤولية التي يحملها الصحفيون، خصوصًا في غزة.

يقول الخطيب:" في هذا اليوم أتذكر زملائي الذين استشهدوا وهم ينقلون الحقيقة، وأشعر أن الصحافة هنا ليست مهنة فقط، بل رسالة وصمود وشهادة على ما يحدث، نحن نعمل تحت القصف والجوع والخوف، لكننا نؤمن أن نقل الحقيقة للعالم واجب لا يمكن التراجع عنه مهما كانت التضحيات."

أما أصعب موقف مرّ عليّه، فكان خلال تغطية المجازر ورؤية الأطفال والنساء تحت الأنقاض، بينما يكون عاجزًا عن مساعدتهم لأن عليّه أن يُوثق ما يحدث.

كما لا ينسى محمد تلك اللحظات التي يضطر فيها أن يخرج يوميًا إلى الميدان ويُودّع أطفاله دون أن يعرف إن كان سيعود إليهم أم لا.

ويضيف:" هناك لحظات كنا نبحث فيها عن الطعام والماء لعائلاتنا، ثم نذهب مباشرة لتغطية القصف والدمار، الأصعب نفسيًا كان استشهاد زملاء صحفيين أعرفهم شخصيًا، ورؤية أطفالهم يبكون عليهم بعد أن خرجوا فقط لنقل الحقيقة."

ويطالب الخطيب، بتوفير حماية حقيقية للصحفيين الفلسطينيين، لأنهم يعملون بلا أي أمان وتحت استهداف مباشر، وضرورة فتح المجال أمام الصحفيين لنقل الحقيقة بحرية، وإدخال المعدات والإنترنت ووسائل الحماية اللازمة للعمل الصحفي، ومحاسبة كل من يستهدف الصحفيين، لأن قتل الصحفي يعني محاولة قتل الحقيقة نفسها.

ويتابع الخطيب: رغم إعلان الهدنة، إلا أننا في غزة لا نشعر أن الحرب قد انتهت فعلًا، لأن آثارها ما زالت تحاصر حياتنا اليومية، الدمار في كل مكان، والجوع والخوف والنزوح ما زالت مستمرة، والناس ما زالوا يبحثون عن الأمان والماء والغذاء، الأطفال يعيشون بلا حياة طبيعية، والصحفي ما زال يعمل وسط ظروف قاسية وخطيرة.

ويطالب أن تكون هناك حياة كريمة حقيقية لأهل غزة، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وضمان الأمان والحرية والعيش الإنساني للجميع، مؤكداً أنه رغم كل ما يعيشه الصحفي الفلسطيني إلا أنه سيواصل حمل الكاميرا ونقل صوت الناس ومعاناتهم إلى العالم.

إصابة ومخاطرة وسط النار

إسماعيل نوفل، صحفي ميداني من غزة، عاش الحرب الأخيرة وأصيب خلالها، يعتبر يوم الصحافة العالمي تذكير له أن نقل الحقيقة قد يكلّفه الكثير، وأنه وزملائه يعملون في ظروف قاسية وخطيرة، خاصة مع استهداف الاحتلال المتكرر للصحفيين دون رادع، وفي ظل صمت دولي قاتل.

كما يستذكر نوفل، الزملاء الذين فقدتهم الأسرة الصحفية في غزة، وأن الاستمرار في العمل رغم كل شيء هو جزء من مسؤوليتهم، حتى لا تبقى قصص الأهالي في غزة بلا صوت.

أما أصعب موقف مرر به فكان إصابته خلال تواجده شمال قطاع غزة في بداية نوفمبر 2024، في ذروة ما عُرف بـ"خطة الجنرالات"، حينها، كانت الحركة شبه مستحيلة، ولم يكن الوصول أو الخروج متاحًا إلا في نطاق ضيق للغاية، حيث أصيب في ظروف قاسية، واضطر أهله للمخاطرة بحياتهم لنقله إلى مستشفى العودة رغم خطورة الطريق."

وطالب، بحماية حقيقية للصحفيين في قطاع غزة، وليس مجرد شعارات، وضمانات دولية تتيح للصحفيين العمل بأمان، ومحاسبة الاحتلال على استهدافاته المتكررة للصحفيين بالإضافة إلى توفير دعم نفسي ومهني، حيث ما يمرون به يترك آثارًا عميقة.

انهار المنزل أمام كاميرته

المصور الصحفي أحمد مروان، كان صعباً عليه أن يظل ممسكاً بكاميراته لتصوير منزل جيرانه وقد قصف عليهم ولم ينجُ منهم أحد، فلازالت الذكرى عالقة في ذهنه.

ويرى أن يوم الصحفي العالمي، هو كل شهيد في قطاع غزة حمل كاميراته على كتفيه من أجل القضية الفلسطينية لفضح إجرام الاحتلال، خاصةً مشاهد قتل الأطفال واغتيال طفولتهم.

يطالب مروان، بضرورة توفير معدات متكاملة للصحفيين ووسائل حماية لهم، من أجل التغطية الصحفية والمتابعة اليومية.