سئم المواطن الستيني أبو ماهر عرفات من الارتفاع الحاد على أسعار الخضروات التي استنزفت أمواله، وشحها في أحيان كثيرة الأسواق بسبب استخدام الاحتلال لسياسة القطارة في إدخال لوازم قطاع غزة، فبعد تفكير مُعمق قرر زراعة مشتل يضم أنواع الخضروات الرئيسية ذات الاستعمال اليومي، في مساحة صغيرة من الأرض قبالة خيمته.
قبل أشهر قليلة توجه أبو ماهر إلى سوق دير البلح وسط قطاع غزة، ليبحث عن أشتال الخضروات التي تلزمه، ليزرعها في مشتله الصغير، وتنتج ما يكفي أسرته المكونة من 4 أشخاص، وتقليل الاعتماد على الأسواق.
بالفعل، وجد مشتلاً يبيع أصناف عدة من الخضروات الأساسية وغيرها مثل " البندورة، الخيارة، الكوساء، والباذنجان، والفلفل البلدي، والبطاطا، إذ إنه قام بشراء 10 شتلات من كل صنف، وعاد إلى خيمته، كله املاً في أن ينجح مشروعه الصغير.
تقليل الاعتماد على الأسواق
ممسكاً فأسه الصغير بيده، بدأ في حرث الأرض، وتهيئتها للزراعة، وفعلاً جلب كمية من الطين ومزجها بالتراب، ورش كمية قليلة من السماد، وشرع في غرس الأشتال بتلك التربة، آملاً أن يحصد ثمارها بعد أشهر قليلة، ويعتمد عليها في استخدامات طعامه اليومي، وتخفيف شراء الخضروات من الأسواق بأسعار باهظة.
يقول: "جاءت فكرة زراعة أشتال من الخضروات في مساحة صغيرة أمام خيمتي، في ظل الارتفاع الحاد على أسعار الخضروات الذي وصل أحياناً إلى 50 شيكلاً للكيلو، ونحو 200 شيكل في المجاعة الماضية، كذلك اختفائها من السواق أحياناً، إذ إن جسم الانسان يحتاج كثيراً إلى تناول الخضروات المتنوعة".
وأشار إلى أنه قام بشراء نحو 60 شتلة تشميل أنواع عدة من الخضروات، وقام بزراعتها قل نحو شهرين، كتجربة مبدئية، ليرى مدى نجاحها، مضيفاً: "أن جميع الأصناف التي قام بزراعتها نجحت، وبدأ في حصد الثمار، واستعمالها في تجهيز طعام أسرته اليومي".
وأفاد، بأنه قام الاعتناء بشكل جيد في مشتله الصغير، إذ كان يرشهم بالماء والسماد أحياناً والمبيدات الحشرية عند اللزوم، مؤكداً أنه لم يستعمل أي دواء أ مبيد للتسريع بنضج الخضروات؛ كونها تضر بصحة الإنسان.
في غزة، لم تعد الزراعة مجرد نشاط اقتصادي، بل تحولت إلى وسيلة بقاء، يعيد من خلالها السكان تشكيل علاقتهم بالأرض، في مواجهة واقع قاسٍ يفرض عليهم إنتاج غذائهم بأبسط الإمكانيات وأكثرها إلحاحًا.
تعد الزراعة المنزلية وسيلة بقاء حيوية لمواجهة المجاعة وتدمير 95% من الأراضي الزراعية. يلجأ السكان لاستخدام الأسطح، الأصص، والبلاستيك لزراعة محاصيل سريعة الإنتاج مثل البندورة، الخيار، والباذنجان، اعتماداً على مبادرات ذاتية لتقليل الاعتماد على الأسواق
بدورها، تقول المواطنة أم عبادة، إن غلاء أسعار الخضروات، دفعها لزراعة أصناف عدة منها، مثل البندورة، والفلفل، والجرجير، وعين الجرادة، وغيرها، لمحاربة الارتفاع الجنوني على الأسعار الذي يفوق قدرتها الشرائية.
وأضافت: "شجعني أحد أقربائي بزراعة بذور الخضروات، وفعلاً قمت بذلك، إذ غرست بعض منها في مساحة من الأرض، واهتممت بها، وانتجت بعضها حبات، لكني انتظر نضجها بالكامل، لتصبح جاهزة للاستخدام".
وأشارت إلى أن مشروع المشتل الصغير، لم يكلفها كثيراً، متوقعة أن يساعد على تقليل الاعتماد على الشراء من الأسواق والمحال التجارية.
ضرورة ملحة
من جانبه، دعا الخبير الزراعي نزار الوحيدي إلى استنفار شامل للمزارعين والمواطنين، عبر استغلال كل مساحة متاحة وتحويل المساحات أمام الخيام، أو على أسطح وبجانب البيوت المتبقية إلى وحدات إنتاجية صغيرة، مؤكدًا أن الزراعة لم تعد ترفًا بل ضرورة ملحة.
وشدد الوحيدي في تصريح صحفي على أهمية استخدام البذور البلدية القادرة على التكيف مع البيئة المحلية، محذرًا من الاعتماد على البذور المستوردة التي لا تتيح إعادة زراعتها، ما يزيد من التبعية الاقتصادية.
ومع اقتراب الموسم الصيفي، حث الوحيدي على الاستعداد لزراعة محاصيل ذات إنتاجية عالية تلبي احتياجات العائلات، مثل البندورة والخيار والباذنجان، إضافة إلى البقوليات التي توفر بدائل بروتينية.