ينذر بكارثة صحية

من بديل للطاقة إلى أزمة.. الزيوت تُطفئ آخر شريان الحياة في غزة

الساعة 06:21 م|28 ابريل 2026

فلسطين اليوم

في ظل الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية في قطاع غزة، وعلى رأسها شبكات الكهرباء التي خرجت عن الخدمة بفعل الحرب، وجد السكان أنفسهم أمام واقع قاسٍ دفعهم للبحث عن بدائل عاجلة لتأمين احتياجاتهم اليومية. وبين انقطاع التيار الكهربائي وشح مصادر الطاقة، برزت المواتير الكهربائية كحل مؤقت أنقذ آلاف العائلات، حيث اعتمد عليها الناس في ضخ المياه وتشغيل الأجهزة الأساسية وتسيير شؤون حياتهم اليومية.

غير أن هذه الوسيلة البديلة لم تسلم من تداعيات الحصار، إذ تفجّرت أزمة جديدة تمثلت في نقص الزيوت اللازمة لتشغيل تلك المواتير، نتيجة منع إدخالها عبر المعابر، ومع توقف المواتير تدريجيًا بسبب نفاد الزيوت، عاد شبح العجز ليخيّم على حياة السكان، مهددًا قدرتهم على الحصول على المياه والخدمات الأساسية، في وقت تزداد فيه معاناتهم يومًا بعد يوم.

الحاج أبو ياسين المصري، صاحب الـ60 عاماً، يقف يوميًا أمام بئر المياه القريب من منزله، متأملاً بصمت الماتور الذي طالما كان شريان الحياة لعائلته وجيرانه. يقول بصوت يملؤه التعب:" كنا نعتمد على هذا الماتور في كل شيء، من تعبئة المياه إلى إنارة المنزل لساعات قليلة، لكن اليوم توقف كل شيء بسبب عدم توفر الزيوت".

ويضيف أبو ياسين لـ"مراسل وكالة فلسطين اليوم الإخبارية"، الذي يعيل أسرة مكونة من سبعة أفراد، أن أزمة الزيوت لم تترك لهم خيارًا سوى العودة إلى وسائل بدائية مرهقة، حيث باتوا يضطرون لجلب المياه يدويًا من مسافات بعيدة، في مشهد يعيدهم سنوات طويلة إلى الوراء، قائلاً "الوضع أصبح لا يُحتمل، حتى البدائل التي لجأنا إليها لم تعد متوفرة".

٢٠٢٦٠٤٢٨_١٥٣٣٣٢
 

حال أبو ياسين لا يختلف كثيرًا عن حال جاره الخياط أبو أحمد زهير، الذي أصبح عاجزًا عن توفير قوت عياله، بعد توقف المواتير الكهربائية التي تُغذي مصدر رزقه الوحيد، يقول:" كنت أعتمد على الماتور لتشغيل ماكينة الخياطة لساعات محدودة يوميًا، بالكاد تكفي لتأمين احتياجات أسرتي، لكن بعد توقفه بسبب عدم توفر الزيوت، توقفت حياتي العملية بالكامل".

ويضيف أبو أحمد بنبرة يغلّفها القلق:" لم يعد بإمكاني العمل أو استقبال طلبات الزبائن، وكل يوم يمر دون تشغيل الماكينة يعني خسارة جديدة، في وقت لا يوجد فيه أي بديل أو مصدر دخل آخر".

وبين أن الأزمة لم تقتصر على فقدان الدخل فحسب، بل امتدت لتخلق حالة من العجز العام لدى أصحاب المهن الصغيرة، الذين كانوا يعتمدون على المواتير كحل وحيد للاستمرار في العمل بعد انقطاع الكهرباء.

لقطة الشاشة 2026-04-28 173352
 

بعد الحرب، ومع تدمير واسع طال شبكات الكهرباء وتوقف شركة الكهرباء الوحيدة في قطاع غزة عن العمل، وجد المواطنون أنفسهم أمام فراغ كامل في مصادر الطاقة. وفي ظل الارتفاع الكبير في أسعار البدائل، خاصة أنظمة الطاقة الشمسية التي أصبحت بعيدة عن متناول الكثيرين، لجأ السكان إلى المواتير الكهربائية كخيار اضطراري لتأمين احتياجاتهم اليومية.

خسائر لا تعوض

ورغم ارتفاع أسعار المواتير وتكاليف تشغيلها، لم يكن أمام المواطنين بديل آخر، إذ اعتمدوا عليها في ضخ المياه وتشغيل بعض الأجهزة الأساسية. وبمرور الوقت، تحولت هذه المواتير إلى المصدر الرئيسي للطاقة لدى شريحة واسعة من السكان، قبل أن تعصف بها أزمة الزيوت، لتعيد الأزمة الإنسانية إلى الواجهة من جديد.

البائع أبو يوسف، الذي يعمل في بيع اللحوم، كان من أكثر المتضررين من هذه الأزمة، إذ أصبحت بضاعته مهددة بالتلف يوميًا في ظل توقف المواتير التي كان يعتمد عليها لتشغيل وسائل التبريد. يقول بحسرة:" كنا نحافظ على اللحوم لساعات بفضل الماتور، لكن الآن كل شيء يفسد بسرعة، ولا نستطيع بيعه أو حتى الاحتفاظ به".

ويضيف:" خسرت خلال أيام قليلة كميات كبيرة من اللحوم، وهذا يعني خسارة رأس المال الذي أعيش منه أنا وعائلتي، ولا يوجد أي تعويض أو بديل في ظل هذا الوضع الصعب"، مؤكداً أن استمرار انقطاع الزيوت سيؤدي إلى كارثة أكبر، ليس فقط على التجار، بل على المواطنين أيضًا، مع تراجع توفر المواد الغذائية الطازجة وارتفاع أسعارها، نتيجة قلة المعروض وتلف كميات كبيرة منها.

وتعكس معاناة أبو يوسف جانبًا آخر من الأزمة، حيث لم تعد المشكلة مقتصرة على انقطاع الكهرباء أو توقف المواتير، بل امتدت لتطال الأمن الغذائي للسكان، في ظل ظروف معيشية تزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم.

GettyImages-2192941631
 

تنذر بكارثة صحية

أزمة توقف  المواتير  وبسبب منع دخول الزيوت لم تقتصر اثارها فقط على المواطنين وحياتهم اليومية، بل امتدت لتطال مراكز غزة الطبية ومستشفياتها المهددة بالتوقف بسبب نقص الزيوت، الأمر الذي يهدد بكارثة صحية في القطاع، اذ أعلنت وزارة الصحة عبر مدير عام مجمع ناصر الطبي د. عاطف الحوت توقف أحد المولدات الرئيسية في المجمع، الأمر الذي ينذر بفترة حرجة تهدد عمل الأقسام الحيوية بداخله.

وأكد الحوت خلال مؤتمر صحفي تابعه "مراسل وكالة فلسطين اليوم الإخبارية"، أن التعنت "الإسرائيلي" في منع إدخال الزيوت وقطع الغيار هو انتقال من القتل المباشر الى القتل غير بحق المرضى والجرحى، مبيناً أن المنظومة الصحية في قطاع غزة تمر في تعقيدات كارثية تزيد من صعوبة العمل وتقديم الخدمة.

وأضاف:" أن الاحتلال لايزال يتعمد تقويض فرص التعافي الصحية واعاقة أي فرصة لعلاج المرضى والجرحى اما بمنع العلاج ، وتعقيد اجراءات السفر للعلاج بالخارج، ومنع مقومات تقديم الخدمة الصحية، لافتا إلى أن المجمع بدأ في الاعتماد على مولدات أقل قدرة تشغيلية وضمن ساعات عمل محدودة لتخفيف حدة الأزمة.

وأوضح أن ما يتم من اجراءات فنية عاجلة لن يكتب لها النجاح طالما ماتزال المولدات الكهربائية بحاجة للصيانة العاجلة وتوفير قطع الغيار والزيوت، مبيناً أن المولدات تعمل منذ أكثر من عامين في ظروف فنية وهندسية غاية في التعقيد يصعب توقع إمكانية اجراء الصيانة لها .

ووجه مدير عام مجمع ناصر الطبي نداء عاجلا الى كافة الجهات المعنية بتحمل مسؤولياتها تجاه ما يعصف بالمنظومة الصحية من أزمات وتحديات تستنزف ما تبقى منها من مُقدرات .

photo_5361998384383858030_y

كلمات دلالية