يواجه سكان قطاع غزة والنازحين في مخيمات النزوح المنتشرة في مختلف المناطق فصلاً جديداً من المعاناة هو الأشد وطأةً، هذه المرة، لا سيما أن الحديث يدور عن شريان الحياة، أي مياه الشرب النظيفة.
ففي ظل دمار شامل طال البنية التحتية، خلال حرب الإبادة التي شنها الاحتلال على القطاع، وانقطاع كامل للتيار الكهربائي، تحولت رحلة البحث عن "شربة ماء" إلى مهمة شاقة ومحفوفة بالمخاطر، تهدد بكارثة صحية وبيئية غير مسبوقة.
مراسلة "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية" رصدت طوابير طويلة من المواطنين الذين يأتون من مسافات بعيدة، يصطفون أمام محطات التحلية المتوفرة بمناطقهم للحصول على ماء الشرب.
وأكد عدد ممن التقت بهم مراسلتنا على المعاناة اليومية التي يكابدونها في رحلة الحصول على الماء.
المواطن الأربعيني ابو سالم، من مخيم المغازي قال إنه يضطر للخروج في ساعات مبكرة كل صباح ويسير لمسافة تبعد كثيراً عن بيته من أجل توفير ما يلزم عائلته من الماء للطهي والشرى.
وأوضح أبو سالم بأن محطات التحلية في المخيم قليلة جدا، ويضطر للوقوف ساعات طويلة لكي يتمكن من تعبئة ما يكفي عائلته ليوم واحد.
ويتجمع عشرات الأطفال أيضا حول هذه المحطة، في محاولة للحصول على مياه الشرب، إذ تقول الطفلة جنى، 12 عاما بأنها رغم صغر سنها الا انها تأتي إلى المحطة لتعبئة جالونات الماء المخصص للشرب وطهي الطعام من المحطة عبر عربة تجرها مع شقيقتها الأصغر.
وتوضح بأن والدها مريض ولا يقوى على الوقوف في طوابير الماء كل يوم، ولا يمكنه حمل جالونات المياه، لذلك تأتي بشكل يومي إلى طابور الماء لتوفير الماء إلى عائلتها.
وقبل حرب الإبادة التي دمرت البنية التحتية ومصادر الماء في القطاع، كان السكان يعتمدون بشكل أساسي على مياه صالحة للشرب من خلال خط "مكروت" القادم من الأراضي المحتلة، الا ان هذه الخطوط تعطلت عن إمداد القطاع بالمياه النظيفة بسبب الدمار الهائل التي تعرضت له آبار المياه.
وتشير تقديرات مصلحة مياه بلديات الساحل إلى أن أكثر من 70% من آبار المياه في محافظات القطاع قد تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي.
وفي "مواصي خانيونس" حيث تكتظ آلاف الخيام بالنازحين، تبدو المخاوف من فصل الصيف كابوساً حقيقياً، فالخيام المصنوعة من النايلون والقماش تتحول في الصيف إلى أفران بشرية، مما يزيد من حاجة الجسم للترطيب والاستحمام لمنع انتشار الأمراض الجلدية.
تقول الحاجة أم محمد، النازحة من شمال غزة: "في الشتاء كنا نجمع مياه الأمطار لنغسل ملابسنا، لكن الآن، الصيف على الأبواب، والشمس تأكل أجسادنا... ننتظر ساعات طويلة في طوابير "التكيات" والموزعين لنحصل على "جالون" واحد لا يكفي حتى لغسل وجوه الأطفال".
وأوضحت بأن النازحين في الخيام يضطرون لانتظار صهاريج الماء التابعة للأونروا أو اليونيسيف، حيث لا يستطيع الكثير من الأسر الحصول على ما يكفي من الماء من هذه الصهاريج بسبب الازدحام الشديد.
وأشارت إلى أن هذه الصهاريج قد تأتي مرة يوميا وقد لا تأتي، حتى وإن أتت فإن المواطن يحتاج إلى جالونات كبيرة الحجم لتخزين ما يلزم من الماء خلال الصيف،منوهة إلى ارتفاع أسعار أوعية تخزين المياه في القطاع.
وناشد المواطنون الوسطاء للضغط على الاحتلال لتنفيذ استحقاقات وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وفتح المعابر وإدخال الوقود وقطع الغيار اللازمة لإصلاح آبار المياه، وإيجاد حل جذري المعاناة اليومية التي يواجهها الغزيون في مختلف مناحي الحياة.
وفي أكتوبر 2025، أعلن الوسطاء (مصر وقطر والولايات المتحدة) عن اتفاق لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، ومنذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار، ما زال الاحتلال يتنصل من التزاماته التي نص عليها الاتفاق، وعلى رأسها وقف العمليات العسكرية، إلى جانب إدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات الغذائية والإغاثية والطبية ومواد الإيواء.

