بينما لا يزال سكان قطاع غزة يعيشون تبعات حرب الإبادة التي شنتها "إسرائيل" لعامين كاملين، تًصارع مطابخ العائلات حرباً من نوع آخر، وهي الحرب مع "أنبوبة الغاز"، التي أصبحت أداة في يد الاحتلال، يمارس بها سياسة العقاب الجماعي ضد المواطنين، الذين يعيشون ظروفاً استثنائية، وأوضاعاً مأساوية في مختلف مناحي الحياة.
ولم يقتصر الحصار على منع السلع، والتحكم بكميتها وموعد إدخالها الى القطاع، بل يتعداه إلى هندسة الاحتياج عبر"سياسة التنقيط"، التي حولت غاز الطهي من سلعة أساسية إلى أداة للضغط والابتزاز والتطويع، وسط غياب بدائل حقيقية، وارتفاع فاحش في تكاليف الطاقة المتاحة.
ومنذ فرض الحصار المشدد، اعتمدت سلطات الاحتلال آلية إدخال كميات من الغاز لا تلبي الحد الأدنى من احتياجات السكان، إذ يرى مراقبون أن هذه السياسة ليست نتاج خلل فني، بل هي عقيدة لدى الاحتلال، تهدف لإبقاء القطاع دائماً على حافة الكارثة دون الانزلاق الكامل إليها.
"وكالة فلسطين اليوم الإخبارية" رصدت المعاناة اليومية للمواطنين في قطاع غزة، حيث تحدث عدد منهم في أحاديث منفصلة عن تداعيات نقص الوقود وغاز الطهي، وانعدام البدائل كالحطب، وارتفاع تكاليف بدائل أخرى كالكهرباء وغيرها..
ففي إحدى محطات التوزيع قرب دير البلح، يصف "أبو محمود"، وهو أحد موزعي الغاز في المنطقة الواقع قائلاً: "نحن مجرد وسطاء في أزمة لا نملك حلا لها، نحن ننتظر أياماً لتسلم كمية لا تكفي حياً واحداً".
وتحدث "أبو محمود" بمرارة قائلاً: "لقد بات الغاز رهينة للقرار العسكري والسياسي الإسرائيلي، وأن الظروف السياسية والأمنية تتحكم بكمية الغاز التي تدخل القطاع".
وأشار الى أن غياب الاستقرار في التوريد أدى لإرباك في عمل نظام التوزيع.
ومن جهتها قالت المواطنة "حياة المنسي"، وهي نازحة تعيش في احد مخيمات الايواء في مدينة غزة، إن الحصول على الغاز بات من أسمى أمنياتها، حيث تضطر للانتظار أشهر لتحصل على 8 كيلو جرام من الغاز، لا تكفي لأسبوعين لعائلة مكونة من 9 أفراد.
وأوضحت أنها تضطر لإرسال أطفالها الى السوق ليجمعوا لها بقايا أكياس البلاستيك وما يتركه الباعة من كراتين بضائعهم، لكي تستخدمها لطهي الطعام و اعداد الخبز لعائلتها.
وفي ظل غياب الغاز، لجأ الفلسطينيون في غزة إلى حلول بديلة، لكنها لم تُجدِ نفعاً، فالحصول على الحطب أصبح صعباً لقلة الكميات المتوفرة وارتفاع ثمنها مؤخراً، أما الكهرباء التي توفرها مولدات تابعة لشركات خاصة، والتي كان من الممكن أن تكون بديلاً عبر الأفران الكهربائية، فهي الأخرى باهظة الثمن، مما جعل الاعتماد عليها أمر مكلف للغاية.
أما الطاقة الشمسية، التي انتشرت مؤخراً كحل بديل، فهي تواجه عقبات تقنية ومالية.
ووفقاً للمهندس، أنس التعبان، المتخصص في الطاقة المتجددة: "فإن الطاقة الشمسية في غزة حل جزئي للإنارة والأجهزة البسيطة، لكن استخدامها للطهي أو التسخين يحتاج إلى منظومات ضخمة ببطاريات بتكلفة تتجاوز آلاف الدولارات، وهو أمر بعيد المنال عن 80% من سكان القطاع الذين يعيشون تحت خط الفقر".
كما أشار التعبان في حديث لـ "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية" الى أن هناك الكثير من العقبات تعيق الاعتماد على الطاقة الشمسية، منها منع الاحتلال دخول الكثير من قطع الغيار اللازمة لهذه المنظومات بذريعة الاستخدام المزدوج.
أزمة غاز الطهي أعادت غزة عقوداً إلى الوراء، إذ أن الدخان المتصاعد من المنازل ومخيمات النازحين أصبح علامة مسجلة، وأصبح الاعتماد على الحطب والفحم والكرتون المقوى للطهي ضرورة مُلحة من أجل البقاء.
تقول "أم العبد"، وهي نازحة من شمال غزة: "لم نعد نسأل عن سعر جرة الغاز لأنها غير موجودة أصلاً، وإن وُجدت فثمنها يعادل دخلنا لشهر كامل في السوق السوداء، حيث تتراوح تكلفة تعبئة انبوبة كاملة نحو 1200 شيكل، أي نحو 400 دولار تقريباً. نطبخ على نار الخشب إن وًجد، رغم ما يسببه لنا من أضرار صحية، لكن البديل عن ذلك هو الجوع".
وبحسب بيانات الهيئة العامة للبترول، فإن قطاع غزة يحتاج إلى حوالي 8000 طن من غاز الطهي شهرياً (بمعدل 260 طناً يومياً) لتلبية الحد الأدنى من احتياجات السكان البالغ عددهم 2,4 مليون نسمة.
وبحسب الهيئة، فلا يدخل سوى كميات محدودة جداً (4-8 شاحنات يومياً) تغطي فقط من 15-20% فقط من الاحتياج الفعلي، مما يسبب عجزاً خانقاً وأزمة طاقة حادة.