لم يكن موظف السلطة الفلسطينية ماهر فؤاد راضياً عن نسبة صرف رواتبهم خلال الأشهر الأخيرة من قبل وزارة المالية في مدينة رام الله، وسط الضفة الغربية المحتلة؛ كونها لا تُلبي احتياجاته، لا سيما مع الارتفاع الجنوني لأسعار السلع الأساسية في أسواق قطاع غزة.
ماهر الذي يُعيل أسرته وأهله وأسرة شقيقه المتعطل عن العمل منذ عامين ونصف، لا يتمكن من تدبير أموره، بسبب عدم تقاضيه راتباً كاملاً منذ أشهر طويلة، ما أوقعه في أزمة مالية خانقة، وبات مديوناً بمبالغ كبيرة لعدد من الباعة وأصحاب المحال التجارية.
يقول ماهر: "منذ فترة طويلة لم نتقاض راتباً كاملاً، بسبب الأزمة المالية التي تُعاني منها السلطة، ما تسبب بأزمة مالية لي، خاصة وأني أعيل والدي المريض، والذي يحتاج إلى شراء أدوية بشل دوري، وشقيقي المتعطل عن العمل منذ بدء العدوان على غزة".
ويشير إلى أنه يتقاضى نحو 2000 شيكل شهرياً، يذهب ربع الراتب بدل ايجار للأرض الذي يقطنها هو وعائلته، وجزء من الراتب لشراء أدوية لوالده الذي يُعاني من أمراض عدة، وآخر إلى شقيقه المتعطل عن العمل ولديه طفلة لا تتجاوز الثلاث سنوات، تحتاج إلى حفاضات وطعام يُناسب عمرها.
ويضيف: "راتبي لا يغطي احتياجاتي الأساسية الشهرية، إذ إنني في بعض الأحيان أقوم بتأجيل بعض الأشياء الضرورية للشهر المقبل، لكنني اتفاجأ بأن المستلزمات تزيد ولا أستطيع تدبر أمولاً لشرائها، ما يجبرني على الاستدانة من البسطات والمحال التجارية، لأسد العجز".
قروض
أزمة موظفي السلطة لا تقتصر على تقاضي راتباً بنسبة 50%- 70% كحد أقصى خلال الأشهر الطويلة الماضية، لكنها تتفاقم، بعد أن تقدم البنوك الفلسطينية على اقتطاع جزء من الديون المستحقة عليهم، ما يعمق معاناتهم، ويزيد من أزمتهم المالية.
من جهته، ينوه موظفي السلطة علي سمير، إلى أن مجمل ما يتقاضاه من راتبه لا يصل لـ 1500 شيكل، بعد اقتطاع البنوك جزء من راتب لسداد الأموال التي اقترضها من أحد البنوك قبل نحو 6 سنوات.
ويوضح، أن الأسعار في الأسواق مرتفعة جداً، توفق قدرته الشرائية، إذ لا يتمن من توفير أدنى الاحتياجات الأساسية، خاصة وأن أسرته مكونة من 9 أفراد.
يقول: "مع تقاضي نسبة منخفضة من راتب منذ أكثر من نحو عامين، وخصم البنوك لجزء منها، بت أحصل على أقل من نصف راتبي، وهو لا يكفي لشراء ما يطلبه أبنائي من طعام وشراب واحتياجات أساسية".
ويعرب عن أمله أن تتمكن السلطة من تجاوز أزمتها المالية الخانقة، حتى تتمكن من إعادة صرف الرواتب كاملة للموظفين العموميين، حتى يتمكنوا من تلبية احتياجات أسرهم في ظل وضع مأساوي يعيشه أهالي القطاع منذ بدء الحرب الإسرائيلية.
أزمة معقدة
تواجه السلطة الفلسطينية منذ عام 2019 واحدة من أعقد الأزمات المالية والسياسية في تاريخها، إذ تحولت مسألة قدرة السلطة على صرف “رواتب الموظفين” من قضية إدارية إلى أزمة تتداخل فيها أدوات ضغط سياسي وخنق اقتصادي تهدّد ديمومة بنية الكيان الفلسطيني برمّته.
بدأت ملامح هذه الأزمة تتبلور بشكل حاد مع قرار حكومة بنيامين نتنياهو التضييق على السلطة وذلك عبر سياسة الاقتطاعات الأحادية من أموال المقاصة الفلسطينية -وهي الضرائب التي تجبيها “إسرائيل” على البضائع الواردة إلى السوق الفلسطيني نيابة عن السلطة بموجب بروتوكول باريس الاقتصادي– والتي تشكل نحو 68% من إجمالي الإيرادات العامة. الأمر الذي أدخل السلطة الفلسطينية في أزمة خانقة، تراجعت معها قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الشهرية، وأهمها رواتب الموظفين.
ويجمع مختصون وخبراء اقتصاديون، على أن الأزمة الحالية بلغت مستوى حرجاً يهدد قدرة الحكومة على الإيفاء بالتزاماتها الأساسية، وعلى رأسها رواتب الموظفين وتمويل الخدمات العامة الحيوية، وسط فجوة تمويلية متزايدة وضغوط متصاعدة على الخزينة.