أثار تسليم السلطة الفلسطينية القيادي السابق في صفوف حركة "فتح" محمود العدرة، المعروف باسم "هشام حرب"، إلى السلطات الفرنسية، جدلاً واسعاً في الأوساط القانونية والحقوقية، وسط اتهامات بتجاوز المسار القضائي وتحذيرات من تداعيات خطيرة على منظومة العدالة.
اعتقال ومداهمة منزل
بدأت تطورات القضية ميدانياً بقيام الأجهزة الأمنية الفلسطينية باعتقال العدرة فجراً، عقب فراره من مستشفى في رام الله وتوجهه إلى منزل عائلته في بلدة يطا جنوب الخليل، وذلك بعد طلب الشرطة تسليم جواز سفره.
وأفادت مصادر محلية ، بأن قوة أمنية اقتحمت منزل العائلة خلال عملية الاعتقال، وقامت بتخريب محتوياته والاعتداء على من فيه، في حين كانت الأجهزة قد اعتقلت في وقت سابق ستة من أفراد عائلته، بينهم ثلاثة من أبنائه.
تدهور صحي
وبحسب المصادر، تدهورت الحالة الصحية للعدرة أثناء احتجازه، في ظل معاناته من أمراض مزمنة، بينها السرطان، ما استدعى نقله إلى مستشفى عالية في الخليل، حيث وُضع تحت حراسة أمنية مشددة.
وأضفى هذا التطور بُعداً إنسانياً حساساً على القضية، في ظل تساؤلات حول مدى مراعاة حالته الصحية خلال الإجراءات المتخذة بحقه.
تسليم قبل انعقاد الحكمة
في تطور لافت، كشف محامي العدرة، محمد الهريني، أن جلسة كانت مقررة أمام محكمة صلح رام الله للنظر في طلب التسليم، إلا أن موكله لم يُحضَر إليها.
وأوضح الهريني أن مصير العدرة ظل مجهولاً خلال موعد الجلسة، مرجحاً أن عملية التسليم تمت قبل صدور أي قرار قضائي، قبل أن يؤكد لاحقاً ذلك بشكل صريح، قائلاً: "تم تسليمه قبل صدور حكم… وآسفاه".
رحلة التسليم
وبحسب مصادر عائلية، نُفذت عملية التسليم، صباح اليوم الخميس، بعد إبلاغ العائلة من قبل أجهزة أمن السلطة بأن العدرة غادر الضفة الغربية عبر جسر الملك حسين باتجاه الأردن، تمهيداً لنقله إلى فرنسا.
وفي اتصال أخير مع نجله، قال العدرة: "أنا في الطريق إلى الجسر… ديروا بالكم على بعض"، في إشارة إلى بدء تنفيذ القرار.
محاولات قانونية لوقف إجراءات التسليم
بالتوازي، تقدّمت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان بطلب عاجل إلى المحكمة الإدارية لوقف إجراءات التسليم، استناداً إلى معلومات تفيد بوجود توجه لتنفيذه بقرار سياسي.
وأوضح المحامي أحمد نصرة أن الطلب تضمّن وقف التنفيذ إلى حين البت في دعوى الإلغاء، مؤكداً ضرورة احترام المسار القضائي الكامل.
إلا أن المحكمة الإدارية رفضت الطلب، ما مهّد الطريق لتنفيذ القرار.
تحذيرات حقوقية
حذّرت مؤسسات حقوقية من أن تنفيذ التسليم قبل استكمال الإجراءات القضائية قد يشكّل انتهاكاً للقانون الأساسي الفلسطيني، ويمس بمبدأ سيادة القانون.
وأكدت أن قضايا التسليم تخضع لإجراءات قانونية واضحة، تشمل حق الدفاع، والنظر القضائي، وإصدار قرار قابل للطعن، مشددة على أن تجاوز هذه المراحل يضعف ثقة المواطنين بالقضاء.
خلفيات سياسية
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن ملف التسليم كان مطروحاً منذ أشهر، في ظل حديث عن ضغوط أو تفاهمات سياسية مرتبطة بالعلاقات مع فرنسا.
وكان العدرة قد صرّح في وقت سابق بأن قرار تسليمه أُبلغ له عبر وسطاء، فيما أشار محاميه إلى وجود ارتباط بين القضية وملفات سياسية أوسع.
وفي السياق، أشاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سابقاً بالتعاون مع السلطة الفلسطينية في هذا الملف، معتبراً أنه خطوة نحو تحقيق العدالة.
قضية تعود إلى 1982
تعود القضية إلى هجوم وقع في 9 آب/أغسطس 1982 في شارع روزييه بالعاصمة الفرنسية باريس، أسفر عن مقتل ستة أشخاص وإصابة أكثر من عشرين، ونُسب الهجوم إلى تنظيم "أبو نضال".
وكان العدرة عضواً في التنظيم آنذاك، قبل أن يعود لاحقاً إلى الأراضي الفلسطينية ضمن ترتيبات اتفاق أوسلو، وينخرط في أجهزة السلطة حتى تقاعده برتبة عقيد.