غزة بين الدمار والقوارض.. معاناة يومية وأزمة صحية متصاعدة

الساعة 02:51 م|14 ابريل 2026

فلسطين اليوم

ظنّ كثيرون أن إعلان وقف إطلاق النار في قطاع غزة سيضع حدًا لمعاناة السكان ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والتعافي، إلا أن الواقع على الأرض جاء مغايرًا تمامًا، حيث لا تزال الأزمات تتوالى بأشكال مختلفة، لتثقل كاهل الأهالي الذين لم يلتقطوا أنفاسهم بعد.

فعلى الرغم من انخفاض حدة القصف "الإسرائيلي"، لم تنتهِ معاناة آلاف العائلات النازحة التي وجدت نفسها مجبرة على العيش في خيام تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة، في ظل بنية تحتية مدمرة، وشح حاد في الخدمات الأساسية، من مياه نظيفة وصرف صحي ورعاية صحية.

وفي خضم هذه الظروف القاسية، برزت أزمة جديدة وخطيرة تهدد حياة السكان، تمثلت في الانتشار الواسع للفئران والقوارض، بما فيها حيوان "العِرس"، داخل مخيمات النزوح ومحيطها، نتيجة تراكم النفايات وغياب خدمات النظافة، ما أدى إلى بيئة مثالية لتكاثر هذه الآفات.

"حرب داخل الخيمة"

مراسل "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية" تجوّل بين خيام النازحين في قطاع غزة، وهو واحد منهم ويعيش تفاصيل هذا الواقع القاسي يوميًا، في محاولة لرصد حجم المعاناة المتفاقمة التي يواجهها السكان، خاصة مع تفشي ظاهرة القوارض داخل المخيمات.

الحاج أبو أحمد دلول (60 عامًا)، استهل حديثه معنا بمرارة قائلاً: "مش مكفينا اللي شفناه بالحرب، إجتنا الفيران والعرس تكمل علينا جوّا الخيمة"، مؤكدًا أن الحياة داخل الخيام أصبحت أكثر قسوة مما كان يتوقع.

ويضيف أبو أحمد أن غياب أبسط أدوات الحماية والمكافحة يزيد من حجم المعاناة، موضحًا أنه لا تتوفر مبيدات أو مصائد أو حتى وسائل تخزين آمنة للطعام، ما يجعل السكان في مواجهة مباشرة ودائمة مع هذه المشكلة.

وحول الأدوات المتاحة داخل المخيمات، يوضح أن الاعتماد يقتصر على محاولات بدائية، مثل تغطية الطعام بوسائل بسيطة أو محاولة إغلاق فتحات الخيام، وهي حلول لا تكفي للحد من انتشار الفئران وحيوانات العِرس التي باتت تتحرك بحرية بين الخيام.

وتشكل القوارض خطرًا صحيًا كبيرًا، إذ تنقل أمراضًا خطيرة وتلوث الطعام والمياه بفضلاتها وبكتيرياها، كما تسبب أضرارًا مادية داخل أماكن السكن، وتزيد من التوتر والخوف، خاصة في البيئات المكتظة مثل مخيمات النزوح.

القوارض تهاجم

واقع أبو أحمد لا يختلف عن واقع المواطنة صفاء عطا الله، التي تحاول خوض مواجهة جديدة مع القوارض ضمن حربها المستمرة ضد تبعات الإبادة المتواصلة ضد شعبنا منذ السابع من أكتوبر، تقول: "لا سم نافع ولا صيّادة نافعة ولا حيوانات 'بسس' ولا غيره، ما خلّوا شادر زي الناس، بيطلعوا من الرمل".

وتضيف لمراسلنا: "شكله الحرب على غزة عززت عند الفئران والعرس نظرية جيش الاحتلال 'نحن ولا أحد غيرنا'، كل شيء أمامهم بدمّروا، لا أكل ضل ولا إشي، أواعي ودفاتر الأولاد كلها اتاكلت، وكل يوم لازم نرمي حاجة سواء أكل أو أواعي وغيره، ناهيك عن القرف اللي بتتركه وراها".

وبينما يتجول مراسلنا بين الخيام، لفت انتباهه تآكل جزء من خيمة أحد النازحين بفعل القوارض، التي باتت تحرم الغزيين من النوم، وتجعل ليلهم سهرًا دائمًا في محاولة لحماية أنفسهم وأطفالهم من خطر الفئران والعرس، التي لم تكتفِ بإتلاف الطعام، بل امتد ضررها إلى الملابس والمقتنيات وحتى جدران الخيام نفسها.

يقول صاحب الخيمة الممزقة، الشاب تيسير درويش: "والله يا زلمة صرنا نخاف ننام، الفيران بتفوت علينا بالخيمة كأنها بيتها، والله صرنا ننام وعين وعين، من الخوف الفيران تهجم علينا فجأة".

وأكد درويش أن أصوات القوارض تخيف أطفاله وتجعل نومهم قلقًا طوال الليل، ما دفعه لأن يكون حارسًا ليلًا يراقب زوايا الخيمة خشية مهاجمتهم أثناء نومهم، مضيفًا: "كل ليلة نفس القصة، صوت حركتهم حوالينا بخلّي القلب يرجف".

WhatsApp Image 2026-04-14 at 8.56.10 AM.jpeg
 

الجرذ النرويجي؟

بدورها، أصدرت وزارة الصحة في غزة تنويهًا صحيًا هامًا لسكان القطاع حول انتشار القوارض، وعلى رأسها ما يُعرف بـ"الجرذ النرويجي"، مؤكدةً تزايد أعدادها بشكل ملحوظ، ما يشكّل خطرًا حقيقيًا على الصحة العامة وسلامة المواطنين، خاصة الأطفال.

وبيّنت الوزارة أن وجود القوارض يترتب عليه عدة مخاطر صحية، أبرزها: نقل الأمراض والأوبئة عبر الطعام والمياه الملوثة، والتسبب بعضّات قد تؤدي إلى التهابات خطيرة، وتلويث أماكن النوم والمعيشة، وجذب المزيد من الحشرات والآفات.

مبادرات لمكافحتها

وأطلق العشرات من المبادرين والناشطين في قطاع غزة مبادرات شبابية بهدف مكافحة انتشار القوارض بين خيام النازحين والبيوت المدمرة، وكان آخرها مبادرة أطلقها الناشط محمود أحمد، المعروف باسم "أبو يزن"، في مخيم الشاطئ للاجئين شمال غرب مدينة غزة.

ويؤكد أبو يزن، في حديث لـ"وكالة فلسطين اليوم الإخبارية"، أن انتشار القوارض أصبح يشكل خطرًا كبيرًا على حياة المواطنين، خاصة في المخيمات والمناطق المدمرة، الأمر الذي يجعل العيش فيها صعبًا ويهدد حياة السكان.

ويضيف: "أعداد القوارض أصبحت توازي أعداد السكان في مخيم الشاطئ، لدرجة أنك تراها تتجول ليلًا ونهارًا بين بيوت المخيم المدمرة وحاويات القمامة، ما بات يشكل مصدر خوف للأطفال والسكان".

وناشد "أبو يزن" الجهات المختصة التدخل العاجل لمكافحة انتشار القوارض بكافة الوسائل المتاحة، لتعزيز صمود السكان في مختلف مخيمات القطاع.

ويواصل الاحتلال "الإسرائيلي"، منذ السابع من أكتوبر، فرض قيود مشددة على إدخال المواد الأساسية إلى قطاع غزة، حيث يمنع إدخال مواد التنظيف والمبيدات اللازمة لمكافحة الآفات، رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار.

وفي المقابل، يقتصر إدخال المساعدات على أصناف غذائية محدودة وغير أساسية، في وقت يروّج فيه الاحتلال أمام العالم لسماحه بدخول عشرات الشاحنات التجارية والإغاثية، وهو ما يتناقض مع الواقع المعيشي المتدهور الذي يزداد سوءًا يومًا بعد يوم، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في السابع من أكتوبر 2025.

وبحسب ما أُعلن، تتضمن بنود الاتفاق إدخال الاحتياجات الأساسية للسكان، وبدء عملية إعادة الإعمار، وتقديم الإغاثة، وفتح المعابر، وانسحاب القوات، إلا أن هذه البنود لم يُطبق منها شيء على أرض الواقع حتى الآن.