بعد أن انتظرت نحو نصف على طريق صلاح الدين شرق محافظة خانيونس، جنوب قطاع غزة، أخيراً، مرّت سيارة أجرة قديمة، تجر خلفها عربة خشبية، إذ اضطرت المواطنة سيرين زاهر لركوبها لتقلها إلى وجهتها، كونها على عجلة من أمرها.
وعلى الرغم من خطورة تلك العربة المجرورة خلف السيارة، إلا إنه كان خيارها الوحيد حتى تصل إلى وجهتها في مدينة غزة، بسبب شح المواصلات لأسباب عديدة خلفها العدوان الإسرائيلي على القطاع.
حادث مؤلم
في منتصف الطريق، وتحديداً بين مخيمي المغازي والبريج وسط قطاع غزة، انفصلت العربة عن السيارة وسقطت المواطنة سيرين أرضاً ووالدها، ما أصابهما بجروح بليغة، إذ إن والدها أُصيب برضوض في يديه، فيما هي أصيبت في رأسها وفقدت الوعي لأكثر من ساعة.
لم تصحُ سيرين من غيبوتها إلا في مستشفى شهداء الأقصى شمال مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، بعد أن نقلها اسعاف إلى قسم الطوارئ لتفقد حالتها.
تقول: "اعتدت أن أصعد سيارة أجرة دون توصيلها بعربة أخرى، إلا أنني في ذلك اليوم كنت على عجلة من أمري، فاضطررت أن استقل على عربة خشبية تجرها سيارة أجرة، حتى أصل من مدينة حمد شمال خانيونس، إلى شمال غزة، لكنني لم أكن أتوقع أن يحدث لي ولوالدي ذلك الحادث الأليم".
تضيف: "أصيب والدي بجروح في يديه الاثنتين، وركبتيه، ورأسه، بينما أصبت في رأسي وفقدت الوعي، ولم أصحُ على نفسي إلا بعد نقلي إلى المستشفى لتلقي العلاج"، تتابع: "الحمد لله على كل حال، لكن لن أُعيد تلك الكرّة مرة أخرى، حتى لو اضطررت أن أصل وجهتي مشياً على الأقدام".
وأصبح الاعتماد على السيارات القديمة التي تجرها ما يُعرف بـ "العجلاة" أو "مقطورة"، وعربات "الحمير الخشبية، والدراجات النارية ذات العجلات الثلاث "التوكتوك" حلاً للتنقل، بعد أن دمّر الاحتلال الإسرائيلي نسبة كبيرة من مركبات الأجرة، إضافة إلى منع إدخال قطاع غيار السيارات وغلاء فاحش في أسعار الغاز والبنزين والسولار.
فلم تعد وسائل النقل في القطاع مجرد وسيلة للانتقال، بل تحولت إلى "معركة يومية" يخوضها المواطنون بين معاناة جسدية وعبء مالي ثقيل، وسط أزمة خانقة من شح الوقود وارتفاع جنوني في الأسعار وانهيار شبه كامل للبنية التحتية بفعل عدوان الاحتلال الإسرائيلي على غزة منذ ما يقارب العامين والنصف.
انفصال إطار وذعر الركّاب
حالة المواطنة سيرين زاهر ليست الوحيدة، إذ تعرض المواطن علاء إبراهيم لحادث مماثل قرب وادي غزة على طريق شارع الرشيد، بعدما انفصل إطار العربة المجرورة عن السيارة التي كانت تجرها، لكّن عناية الله تدخلت، إذ لم يصب أحداً من الركّاب بأي أذى.
يقول علاء: "بينما كان سائق المركبة حذر عند المطبّات، ويُسيرها ببطء، إلا إنه بعدما تخطى (المطب- وهو حفرة تسبب بها الاحتلال خلال عدوانه على غزة)، أسرع قليلاً ما تسبب بانفصال الإطار عن (العربة المجرورة)، إلا إنّ السائق تدارك الأمر بسرعة، وأوقف سيارته، لكنّ الموقف أصاب الركّاب بذعر شديد".
من جهته، يشير صاحب إحدى مركبات الأجرة محمد بسّام، إلى أنه استأجر عربة حديدية "عجلاة" ليتمكن من نقل أكبر عدد من الأشخاص إلى وجهتهم، لأنه بغير ذلك يتعرض لخسارة؛ بسبب الارتفاع الجنوبي بسعر السولار والبنزين وزيت "الماتور" وقطع الغيار الشحيحة.
لكنه استدرك بالقول: "كل صباح أتفقد إطارات العربة، وأقوم بعمل صيانة لكل العيوب التي تطرأ عليها، حتى لا أعرض حياة المواطنين للخطر، فهذه مسؤولية كبيرة تقع على عاتقنا".
ووفقا لبيانات 2023 الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ووزارة النقل قبل العدوان الإسرائيلي في 7 أكتوبر 2023، فقد كانت شوارع غزة تعج بنحو 80 ألف سيارة يومياً، حيث بلغ عدد المركبات المرخصة في القطاع آنذاك نحو 88 ألف مركبة، ما يمثل 19% من إجمالي المركبات في فلسطين.
أما اليوم، فتشير تقديرات محلية إلى أن ما بين 25 إلى 32 ألف سيارة وشاحنة وسيارة أجرة قد دمرها القصف الإسرائيلي أو تضررت، في مقابل ندرة حادة في قطع الغيار.
ووفق الجهات المختصة، فإن ندرة قطع الغيار التي يمنع الاحتلال دخولها إلى قطاع غزة منذ قرابة ثلاثة أعوام وارتفاع أسعارها أديا إلى خروج عدد ملحوظ من المركبات على الخدمة، ما انعكس سلبًا على كفاءة منظومة النقل وأمانها.
وفي ظل غياب البدائل، لجأ بعض السائقين إلى استخدام قطع غيار مستعملة أو غير مطابقة للمواصفات، الأمر الذي يهدد السلامة المرورية ويرفع احتمالات الحوادث، خاصة مع غياب الفحص الفني المنتظم وتدهور البنية التحتية للطرقات.