لا زال قطاع غزة يواجه أزمات متلاحقة، سببها تشديد الحصار الاسرائيلي على سكان القطاع، رغم مرور نحو ستة أشهر على إعلان وقف إطلاق النار.
ويواصل الاحتلال الاسرائيلي الضرب بعرض الحائط كافة الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي من شأنها رفع الحصار، وضمان تدفق السلع والمواد الأساسية عبر المعابر العاملة في القطاع، حيث لا يزال الاحتلال يتحكم بأعداد الشاحنات التي تدخل ونوعيتها، كما أنه يعتمد سياسة التنقيط في إدخال الطعام والمواد الإغاثية.
ويعاني سكان غزة من أزمة متفاقمة في توفير المواد الأساسية، خصوصاً الخبز والوقود وغاز الطهي، حيث أدى هذا الوضع إلى طوابير طويلة عند نقاط بيع الخبز، التي يدعمها برنامج الغذاء العالمي فقط، بينما الخبز غير متوفر في المخابز الأخرى، ولا توجد مخابز تعمل بشكل مستقل في القطاع، ما يزيد من الضغط على الأهالي.
وعبر العديد من المواطنين الذين تحدثت إليهم مراسلة "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية" عن معاناتهم اليومية مع نقاط بيع الخبز.
من جهتها تحدثت المسنة ام ابراهيم، 65 عاماً قائلة إنها تضطر للخروج في ساعة مبكرة من صباح كل يوم رغم البرد للوقوف في طابور بيع الخبز في منطقة سكنها.
واشارت الى أنها تقف لساعات طويلة في انتظار وصول الخبز إلى نقطة البيع المدعومة من الغذاء العالمي، وفي أغلب الأيام بالكاد تستطيع الحصول على ربطة واحدة لا تكفي لأسرة مكونة من 10 أفراد.
وبدورها تحدثت الطفلة مريم، 12 عاماً قائلة: " إنها تأتي إلى نقطة بيع الخبز بشكل يومي، مشيرة إلى أنها إذا لم تشتري الخبز من هذه النقطة، فلن تحصل على خبز طول اليوم، نظرا لارتفاع سعره في السوق السوداء.
وأضافت: "استطيع شراء ربطة من الخبز فقط ب 3 شيكل، أي دولار واحد، مقارنة بسعر السوق السوداء، حيث يصل سعر الربطة الواحدة من 8 إلى 12 شيكلاً.
وبحسب بنود اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلن في أكتوبر 2025، من المفترض دخول 600 شاحنة يومياً إلى القطاع تحمل المواد التموينية والوقود اللازم لتشغيل المخابز والمنشآت الحيوية، إلا أن ما يصل إلى غزة لا يتعدى عشرات الشاحنات فقط.
هذا التخفيض الحاد يعد خرقاً صريحاً لاتفاق وقف إطلاق النار الأخير، ويزيد من الضغط على سكان القطاع الذين يعانون أصلاً من ظروف اقتصادية صعبة.
تقول أماني، أم لخمسة أطفال من مدينة غزة: "نقف ساعات طويلة في الطوابير فقط للحصول على رغيف خبز، وفي بعض الأيام لا نجد شيئاً. ليس لدينا وقود للطهي، والغاز نادر جداً..الأطفال يعانون من الجوع ونحن عاجزون عن تلبية احتياجاتهم."
وتتزامن الأزمة الغذائية مع نقص الوقود الذي يعيق عمل المخابز والمطاعم الصغيرة والمستشفيات، مما يزيد من حدة الأزمة الإنسانية.
ويؤكد خبراء أن سياسة التنقيط في إدخال المساعدات والسلع الأساسية، والتي تعتمد على تحديد مواعيد وأعداد محددة من الشاحنات، تؤدي إلى فجوات كبيرة بين الحاجة الفعلية للمواد والإمدادات المتاحة.
وقال أحمد محسن، الباحث في الشؤون الإنسانية: "ما نشهده ليس مجرد نقص مؤقت، بل هو سياسة ممنهجة تؤثر على الأمن الغذائي لأكثر من مليوني شخص في غزة.
وأشار في مداخلة له خلال لقاء مسائلة عن سبب عدم توفر الخبز في القطاع حضرتها مراسلة "وكالة فلسطين اليوم الاخبارية"، إلى أن سبب الازمة هو التضييقات التي يقوم بها الاحتلال على عمل منظمة WFP وتقليل الحصة التي تدخل لها من الخارج سواء من الطحين او المحروقات، وهذا ما انعكس على تحجيم عمل المخابز لنصف القدرة التشغيلية.
وأكد بأن الكميات الواردة لا تكفي حاجة السكان، ولولا المخابز البلدية والمخابز التابعة لمؤسسات أخرى، لدخلت البلد بأزمة مجنونة بموضوع الخبز.
وتشير مصادر من الهلال الأحمر الفلسطيني ومنظمات الإغاثة الدولية إلى أن هناك ارتفاعاً كبيراً في الطلب على المساعدات الغذائية الطارئة، خاصة في مناطق جنوب ووسط القطاع، حيث يصعب وصول الأسر إلى نقاط توزيع المواد الأساسية.
ويشدد خبراء الاقتصاد والسياسات الإنسانية على أن تأمين دخول المواد الأساسية بشكل منتظم وكامل يعد ضرورة عاجلة للحفاظ على الاستقرار الغذائي في القطاع، كما أن توفير الوقود للمخابز والمنازل يجب أن يكون أولوية قبل أي جهود إغاثية، لأن الخبز يشكل جزءاً أساسياً من النظام الغذائي اليومي لسكان غزة.
وبحسب المعطيات الرسمية المؤكدة، فإن الاحتياج اليومي لقطاع غزة من الدقيق يبلغ نحو 450 طناً، في حين لا يتوفر حالياً سوى قرابة 200 طن فقط، ما يخلق فجوة يومية حادة.
كما ويعمل حالياً نحو 30 مخبزاً تنتج ما يقارب 133 ألف ربطة خبز يومياً، منها 48 ألف ربطة توزع مجاناً، و85 ألف ربطة تباع بسعر مدعوم عبر 142 نقطة بيع معتمدة.
ورغم ذلك، فإن هذه الكميات لا تغطي الاحتياج الفعلي للسكان، خاصة في ظل تقليص الدعم الدولي.