هل تنفع استراتيجية غزة في جنوب لبنان إسرائيلياً؟

الساعة 12:56 م|07 ابريل 2026

فلسطين اليوم | الكاتب محمد جرادات

يناور جيش الاحتلال الإسرائيلي في عدوانه المستمر في جنوب لبنان، متبعاً استراتيجية التحرك المتسارع مع التعمق الحثيث جنوب نهر الليطاني، وهي استراتيجية تدمج نسبياً بين ثلاث عقائد عسكرية وهي:

أولاً: حرب المناورة (Maneuver Warfare) القائمة على محاولة كسر توازن المقاومة الإسلامية، وذلك عبر الحركة السريعة كبديل عن عقيدة الضربة القاضية، وأيضا هي تختلف الآن عن طريقة التدمير التدريجي، لأنها تعتمد على التقدم السريع متعدد المحاور، مع البحث عن نقاط ضعف بهدف ضربها تجنباً للمواجهة المباشرة، مع إرباك الميدان بانسحابات تكتيكية ثم إعادة التموضع، دون الاضطرار للسيطرة الدائمة على الأرض، خاصة في عمق البلدات الجنوبية إلا ما يخص بعضها، مثل القوزح والناقورة وربما البياضة، ممن يمكن السيطرة عليها ويكون عمقها حتمي في حماية الحركة المستمرة لقوات الاحتلال المجوقلة والغير قادرة على حفر خنادق أو تأسيس بنية تحتية ولو مؤقتة.

وسبق لجيش الاحتلال الإسرائيلي أن اتبع هذا النموذج عبر مراحل من القتال داخل قطاع غزة، وخاصة في السيطرة على مدينة غزة، بعد تولي إيال زامير رئاسة أركان هذا الجيش بعد استقالة هرتسي هليفي، والآن يبدو أنه يتبع ذات العقيدة القتالية في جنوب لبنان، بالتأكيد مع فوارق نسبية.

ثانياً: حرب التمركز القابل للحركة (dynamic maneuver-based deployment) وهي تقوم على التمركز في مفاصل الطرق بهدف منع تموضع مجموعات المقاومة، أو تنظيم صفوفها وفق خطة ميدانية تلائم جغرافية المنطقة، وهي تتطلب تموضع شبه ثابت ويكسر هذا الثبات القابلية السريعة لإعادة الانتشار وفق خطوط حركة محمية نسبياً، في ظل وجود نقاط عسكرية شبه دائمة أو إدارة مناطق سيطرة نارية، وسبق لجيش الاحتلال أن اتبع هكذا نمط قتالي في عمق مدينة غزة قبل البدء بتطبيق الهدنة الراهنة.

ثالثاً: حرب الاستنزاف (Attrition Warfare) بهدف إنهاك المقاومة تدريجياً عبر إيقاع خسائر مستمرة، في ظل توجيه ضربات متكررة على مدى زمني متلاحق ولو دون حسم سريع، وها ما يشير لطبيعة المواجهة في أطراف بلدة الخيام وقلعة شمع على سبيل المثال، وهو ذات ما اتبعه جيش الاحتلال في غزة بعد تنصيب إيال زامير رئيساً للأركان، وهي ذات الخطة التي قدمها للكابينيت الإسرائيلي لاحتلال مدينة غزة ما أتاح للمستوى السياسي دخول التفاوض على هذه الأرضية الميدانية.

وكان جيش الاحتلال قد دمج بين هذه العقائد العسكرية في غزة، وهو الآن يكرر ذات الخطط في هجومه جنوب نهر الليطاني، مع تكتيكات تفصيلية مختلفة نسبياً، وهو يدرك أن حزب الله في جنوب لبنان كما كانت حماس والجهاد الإسلامي في غزة قوى غير تقليدية ولا تعتمد أسلوب الثبات، ولكن هذه الخطط لم تلحظ أن هناك فوارق كبيرة يمكنها تغيير المشهد بعكس مرادها، حتى لو لاحظ واضع هذه الخطط طبيعة هذه الفوارق، وحاول جسر الفجوة بينها، لن يسعه الوصول إلى تكرار النتيجة، على الرغم أن هذه الخطط لم تنجح كلياً في غزة، وإن كفلت لجيش الاحتلال التعمق في قلب مدينة غزة تحت النار بشكل دائم.

خطة واحدة بواقعين مختلفين:
اضطر جيش الاحتلال لاتباع هكذا خطة في عملية انتشاره، أو محاولات انتشاره جنوب الليطاني، وهو يدمج بين المناورة سريعة الحركة، مع التمركز المتحرك، في ظل محاولة استنزاف المقاومة على طريقة عمل الوحدات القتالية المتناغمة، وهو اضطرار محكوم للعوامل التالية:

1- طبيعة الآليات العسكرية الإسرائيلية المستخدمة في الهجوم خلال هذه المرحلة، وغالبها دبابات ميركافاة ومدرعات إيتان مع جرافات D9, و D10، دون القدرة على استقدام آليات عسكرية تناسب الثبات الدائم والتموضع القتالي في خنادق ودشم ومعسكرات، كون الآليات الأخرى تمثل أهداف سهلة للمقاومة، مثل آليات الحفر والبناء وعربات نقل الجنود أو جيبات الهمر أو الشاحنات، في وقت تقوم فيه المقاومة باصطياد يومي لفخر القوة العسكرية الإسرائيلية الميركافاة، حيث أصيبت حتى الآن حوالي 150 منها بين تدمير كلي أو جزئي، فكيف يكون الحال مع آليات غير محصنة؟

2- ضبابية الخطط السياسية وعقم الفضاء السياسي، وهو ما يدركه رئيس هيئة الأركان إيال زامير، لذلك نجده رفع راياته الحمراء العشرة في وجه المستوى السياسي، محذراً من انهيار الجيش من الداخل.

3- العكوف عن التجنيد، لأن الثبات الميداني يحتاج لفرقتين عسكريتين إضافيتين داخل جنوب لبنان، لتأمين عمليات التموضع والثبات، تضاف للفرق الأربعة المشاركة بالقتال، ففي الوقت الذي أصدر الجيش أوامر استدعاء 400 ألف ضابط وجندي من قوات الاحتياط، فإن الاستجابة كانت محدودة جداً، ولم يعلن عن حجمها بالضبط تحت حجة ظروف الحرب، ولكنها الحرب التي يفترض أن تدفع هؤلاء للاستجابة كما فعلوا بعد هجوم 7 أكتوبر، ولم يعد الإشكال مرتبط بأزمة طائفة الحريديم الذين يشكلون 17% من المجتمع اليهودي في دولة الاحتلال، ولكنهم يرفضون مبدأ التجنيد، وهو ما دفع زامير لمخاطبة نواب الكنيست مباشرة وتحميلهم المسؤولية في ذلك.

 اتسع العكوف عن التجنيد ليشمل فئات واسعة من المجتمع والشباب لأسباب تتصل بافتقاد الحافز أصلاً، إضافة لتصاعد حدة الحرب الراهنة، وخطورة مواجهة حزب الله في أرضه كونه يمثل خطر نعم وخطر كبير، لكنه خطر خارج الحدود بخلاف غزة التي يعتبرها الإسرائيليون حديقة داخلية ضمن حدود فلسطين التاريخية، وأخيراً تضافر الحروب على جندي الاحتياط للسنة الثالثة على التوالي دونما أفق وكثير منهم فقدوا وظائفهم المدنية، خاصة أن النظام المالي للجيش لا يوفر لهم رواتب مثل ما يوفر للجندي النظامي.

4- الجهل بمستوى قدرات المقاومة، وقد تبين خطأ التقديرات التي سبق أن تبناها الجيش والمستوى السياسي والتي انطلقت من وهم القضاء على بنية حزب الله التنظيمية والعسكرية والإجهاز على تموضعاته جنوب الليطاني، بل والقضاء على قدراته الصاروخية، وقد تبين منذ الأسبوع الأول من بدء القتال خطأ هذه التقديرات، وهو ما يتعزز مع كل يوم إضافي خلال هذه الحرب.

دفعت العوامل السابقة جيش الاحتلال للدمج بين عقائد عسكرية عديدة، وهو يكرر تجربته في غزة، وربما هو يدرك الفارق بين الواقعين ولكنه يتجاهلها حتى الآن، تحت وقع الشعور بعدد من الأمور، أهمها:

1-  فارق القوة العسكرية الهائل

2-  الدعم الأمريكي غير المسبوق

3-  نتائج ما أفرزه هجوم 7 أكتوبر

4-  الضربات الأمنية الناجحة ضد حزب الله سابقاً

5-  التحولات داخل الحكومة اللبنانية وقرار نزع سلاح حزب الله

6-  تحولات الواقع السوري في غير صالح حزب الله

7-  احتلال "إسرائيل" لجنوب سوريا زمنها يمكن التسلل داخل مناطق لبنانية حساسة

8-  الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران.

تعتبر الفوارق بين واقعي غزة ولبنان، من الأهمية بمكان ما يعيق نجاح خطط الهجوم الإسرائيلية، وهو ما قد يظهر مع امتداد زمني معين، خاصة إذا استمر تعثر العدوان على إيران، فكيف إذا تصاعدت نجاحاتها النوعية وهو ما بدأ يظهر أكثر من ذي قبل مع الشهر الثاني من العدوان، وأبرز الفوارق بين غزة ولبنان في ظل طبيعة خطط الهجوم الإسرائيلية الراهنة:

أولاً: جغرافية غزة الرملية المكشوفة والمحدودة، مقارنة بجغرافية جنوب لبنان المعقدة من جهة، والمفتوحة على فضاء لبناني مستقر نسبياً.

ثانياً: الحصار المطبق على غزة عربياً، وإن كان هناك حصار على لبنان وضد حزب الله، فهو من نوع مختلف ما يكفل له القدرة على النفاذ من ثغرات كثيرة، خاصة مع فضاء التواصل مع إيران على الرغم من المسافة البعيدة.

ثالثاً: قدرات المقاومة الفلسطينية تبقى أقل بكثير من قدرات حزب الله والتي تراكمت ضمن فضاء مفتوح نسبياً، مقارنة مع غزة التي ظلت تواجه حروب متواصلة ضدها مع محدودية التعويض.

رابعاً: العقل الثأري مع غزة نتيجة هجوم 7 أكتوبر والتباس استهداف ما يسمى بالمدنيين، وهو غير قائم مع لبنان، ولعل هذا الفارق الكبير أو هي الذريعة الحاسمة التي أطلقت يد إسرائيل لتبطش بغزة، وتوقع هذا العدد الهائل من الشهداء والجرحى والدمار الكلي، حيث وجدت المقاومة نفسها أمام 100-200 شهيد يومياً حتى بعد مرور سنتين على الحرب، ما أعطى أولوية حقن دماء المدنيين الفلسطينيين في برنامج المقاومة، على الرغم من استهداف المدنيين المتواصل في لبنان خاصة ضد بيئة حزب الله وحاضنته الشعبية، إلا أن ذلك يبقى دون ما وقع في غزة، ما يتيح لحزب الله القدرة على كبح جماح التغول الإسرائيلي.

خامساً: الحاضنة الشعبية للمقاومة الفلسطينية تعرضت لإبادة في غزة والضفة، فيما أن الحواضن العربية الإسلامية (السنية) تخلت عن المقاومة الفلسطينية بما فيها الأحزاب الإسلامية الكبرى والنخب فضلاً عن الأنظمة التي تآمرت عليها، في وقت نجد أن الحواضن الشعبية الموالية لحزب الله تجاوزت فسوة الضربات الأمنية والاغتيالات السياسية خاصة مع فقدان السيد الشهيد حسن نصر الله، كما أن حاضنة حزب الله العربية الإسلامية (الشيعية) تتفاعل لصالحه بشكل دائم على امتداد المحور وخارجه، وقد انفتحت على فضاءات (سنية) عديدة، ويشير لذلك استشهاد عدد من المقاومين في جنوب لبنان من مصر وسوريا والعراق.

عند استحضار الفوارق بين لبنان وغزة لصالح لبنان، والنظر في عوامل تفوق القوة العسكرية الإسرائيلية في الحالتين، يصعب تخيل قدرة هذه القوة على تجاوز الفوارق في ضوء خطة مكررة في واقع مختلف، حتى ولو كانت خطة قابلة للتعديل أو الانفتاح على خطط متصاعدة تبعاً لتغيرات مرتقبة في الميدان، لأن الجغرافيا الطبيعية المعززة بحاضنة تضحوية، يمكنها بقليل من العتاد والوعي والعناد قهر الجبروت العسكري مهما أزبد وأرغى.