اتَفقت معظم التقديرات والأدبيات التي تناولت الحرب على إيران بأن هذه الحرب التي اندلعت في شباط/28 فبراير 2026 ليس كغيرها، وأن تبعاتها وتداعياته ستكون عابرة للحدود الجغرافية وستُفضي لتداعيات وتحولات استراتيجية واقتصادية وسياسية كبيرة يُعاد بموجبها رسم ملامح النظام العالمي محدداته ومكوناته، واحدة من أهم تلك التداعيات تتلخص في السؤال التالي هل تتدحرج تبعات الحرب على إيران وتُهدد المصالح الأميركية في القارة الأفريقية؟، وما دلالات ذلك ومؤشراته وتأثيراته على مستقبل الوجود والمصالح الأميركية في أفريقيا؟
بدأت آثار الحرب على إيران تدحرج وتتمدد متجاوزة الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية والحدود الجغرافية التقليدية، إلى حد بات يهدد رعايا الولايات المتحدة وسفاراتها ومصالحها "الانتقام"، وبالفعل بدأ يحدث قلق أمريكي مُعلن إزاء المصالح والقواعد العسكرية الأميركية في أفريقيا، وبدأ ذلك يأخذ حيزاً في الأدبيات المهتمة والمعنية بالشأن الأفريقي، وأمثلة ذلك ما جاء في مجلة "جون أفريك" الفرنسية المهتمة بالشأن الأفريقي والتي رصدت بأن وزارة الخارجية الأميركية أصدرت في 22 آذار/ مارس 2026 تنبيهاً تحث فيه الأميركيين المقيمين في الخارج على توخي مزيد من اليقظة.
وقالت الخارجية الأميركية في بيانها: "استُهدفت منشآت دبلوماسية أميركية، بما فيها تلك الموجودة خارج الشرق الأوسط"، ولم تُفصح الخارجية الأميركية عن أي تفاصيل ولم توضح مكان الاستهداف ونوعه. لكنها أضافت في بيانها: "قد تستهدف جماعات داعمة لإيران مصالح أميركية أخرى في الخارج أو مواقع مرتبطة بالولايات المتحدة أو مواطنين أميركيين حول العالم". يُذكر أن هذا النوع من التنبيهات نادرا من تُصدره وتعلنه الخارجية الأميركية، إذ لم تستخدمه الولايات المتحدة إلا 6 مرات خلال 10 سنوات، 5 مرات منها تتعلق بالشرق الأوسط.
ومن التقديرات العامة والتحذيرات والتنبيهات غير المباشرة وغير المعلنة، إلى المؤشرات المُحدّدة والواضحة التي تُدلل على المخاوف الأميركية من التهديدات المباشرة، ففي 4 أذار/ مارس 2026، أي خلال الأسبوع الأول للحرب على إيران حذرت السفارة الأميركية في العاصمة النيجيرية أبوجا رعاياها من خطر كبير عقب اندلاع مظاهرات رافضة للحرب على إيران وداعمة للجمهورية الاسلامية وبالفعل كانت نيجيريا قد شهدت مظاهرات كبيرة شارك فيها الآلاف نظمتها الحركة الاسلامية عقب استشهاد المرشد الأعلى للثورة الاسلامية في إيران علي خامنئي.
ومن تقديرات غير مباشرة في نيجيريا إلى تهديدات مباشرة في موريتانيا ففي 24آذار/ مارس 2026، حذرت الولايات المتحدة من خطر متزايد لهجمات محتملة في موريتانيا، قد تستهدف سفارتها أو مواطنيها في نواكشوط، وذلك عقب تهديد وُجّه إلى السفارة، وقالت السفارة، في تحذير نشرته على موقعها الرسمي، إن الأهداف المحتملة قد تشمل السفارة الأميركية أو أماكن يتجمع فيها مواطنون أمريكيون، داعية إلى توخي الحذر ورفع مستوى اليقظة؛ وأوصت السفارة رعاياها بتجنب التواجد في المناطق التي شهدت احتجاجات رافضة للحرب على إيران، ودعت إلى تقليل الظهور في الأماكن العامة في العاصمة نواكشوط.
ومن التهديد الممتد للسفارات الأميركية ورعاياها من غرب أفريقيا إلى شرقها؛ يأخذ تهديد المصالح الأميركية في منطقة القرن الأفريقي الأقرب لحدود المواجهة أبعاد أخرى أخطر وأكبر، وهنا تحضر جيبوتي كعنصر تهديد مركزي وأساسي للوجود العسكري الأمريكي في أفريقيا وهذا لا ينفيه التكتم ولا يُخفيه.
والمقصود هنا معسكر "ليمونير" كهدف عسكري أميركي، وهو عبارة عن قاعدة عسكرية أميركية دائمة أسست عام 2001 لدعم العمليات العسكرية الأميركية في القرن الأفريقي لما تسميه واشنطن بمكافحة الإرهاب، وتقع بجوار مطار أمبولي الدولي؛ وتعد موقعاً استراتيجياً حيوياً يطل على مضيق باب المندب، مما يجعلها في مرمى نيران أحد أهم حلفاء إيران وهم أنصار الله في اليمن، يُذكر أنه في 10 آذار/ مارس 2026 أصدرت السفارة الأميركية في جيبوتي تنبيهاً لمواطنيها المقيمين في هناك، ولاحقاً أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن تقليص عدد موظفي السفارة الأميركية في جيبوتي.
ووفق المعطيات والتصريحات فإن نقل المعركة خارج منطقة الشرق الأوسط وارد جدا سواء كان ذلك بشكل مباشر أو من خلال الحلفاء أو الخلايا النائمة فهذه الحرب ليس كغيرها وهي أقرب للتدحرج، ومن شواهد ما يؤكد هذا التقدير ويعززه ما أكده المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية، في قوله: "هل نقف مكتوفي الأيدي وندع الأمريكيين يضربوننا؟ عندما نرد، يجب علينا بطبيعة الحال أن نضرب حيث يتواجدون"، وأضاف أنه بالنسبة لإيران، عندما "يدخل الأمريكيون فندقاً، يصبح هذا الفندق، من وجهة نظرنا، فندقاً أمريكياً". وبالتالي لسنا أمام مجرد تهديد بل سيناريو ضرب المصالح الأميركية في أفريقيا وارد جدا.
ومن التهديدات المباشرة والعاجلة التي تشكلها الحرب على إيران؛ إلى التهديدات غير المباشرة والآجلة تلك التي تُهدد مستقبل الوجود الأمريكي في القارة الأفريقية، وتعمق تآكل الحضور الأمريكي في أفريقيا، وتعكس نظرة وموقف ورأي القارة الأفريقية من الحرب على إيران، وهذا ما عبر عنه واختصره رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا الذي وصف الحرب على إيران بأنها "عدوان إمبريالي وحرب غير مشروعة وتُعرض الاقتصاد العالمي والأمن الدولي لخطر كبير"، مؤكدا أن بلاده لن تركع أمام القوى العظمى الجيوسياسية على حساب سيادتها.
والشاهد هنا أن الحرب على إيران أفضت لتآكل ثقة الدول الأفريقية بالولايات المتحدة ومحددات سياساتها الخارجية وأطماعها التي يعلنها الرئيس ترامب دون مواربة. والذي هدد باحتلال نيجيريا قبل اعلانه الحرب على إيران.
مرت علاقة الولايات المتحدة الأميركية بالقارة الأفريقية خلال العقدين الماضيين بمسار طويل من التوظيف والاستغلال تحت شعار التعاون الأمني الذي انتهي بإقامة قواعد عسكرية أمريكية أثبتت الحرب على إيران بأن هذه القواعد حولتها إيران من موقع قوة إلى نقطة ضعف خلال إدخالها في دائرة النيران والاستهداف، وعليه وعطفا على مُجريات الحرب وتداعياتها فإن الدول الإفريقية ستُعيد النظر في جدوى العلاقات الأمنية مع واشنطن وجدوى وجود قواعد عسكرية أمريكية تهدد سلامتها وسيادتها.
وعلى مدار عقدين وظفت واشنطن رواية مكافحة الإرهاب في أفريقيا واخترقت المؤسسات العسكرية هناك بذريعة دعم جيوشها، ولكن مؤخرا ثبت بأن أحد مقاربات واشنطن في حروبها هو البحث عن وكلاء لها في الداخل لا سيما في المؤسسات العسكرية لإحداث انقلاب يضمن لها الانتصار في الحروب؛ حدث ذلك في فنزويلا وكان الرهان على تكراره في إيران، هذا الاقتراب مُقلق للدول الافريقية ورؤساءها وبالتالي ستُعيد النظر ايضا في علاقة واشنطن بجنرالات جيوشها كي لا يوظف ذلك مستقلا لتهديد استقرار تلك الدول والانقلاب على رؤساءها.
تهديد الحرب على إيران للمصالح الأميركية في القارة الأفريقية له عدة أبعاد لا تتعلق فقط بتهديد السفارات والرعايا واستهداف القواعد العسكرية الأمريكية، ولا تقتصر على الرؤية الأفريقية لمحددات الحرب الأمريكية على إيران، ولا يُختصر في تآكل المظلة العسكرية الأمريكية كحليف لا يؤتمن، ولكن التهديد يطال الوجود الأمريكي في القارة الافريقية ومستقبله.
انشغال الولايات المتحدة بمنطقة الشرق الاوسط أعطى مساحة أكبر لكلا من الصين وروسيا للتمدد في افريقيا والحلول محل الانسحاب الأمريكي وهذا ما تفسره زيارة نائب الرئيس الصيني لعدة دول أفريقية في 23 آذار/مارس2026، وبينما يهدد ترامب نيجيريا وغيرها من دول العالم وتخرج واشنطن للحرب على إيران تلبية لمصالح إسرائيل ولا تبالي بما تفعله من قتل وإبادة وتهديد للسلم والأمن الدوليين، تُقدم الصين نفسها للقارة الأفريقية كشريك وحليف موثوق يعتمد عليه ولا أجندة صهيونية في جعبته.
ببساطة الحرب على إيران وضعت مصداقية الولايات المتحدة موضع شك ونقاش داخل كافة الاوساط السياسية في دول القارة الافريقية وباتت تلك الدول تفكر جدياً في تبديل تحالفاتها وشراكاتها السياسية والأمنية مع واشنطن وهذا سيحدث آجلا أم عاجلا ولصالح الصين وروسيا وربما قوى إقليمية أخرى كتركيا وإيران وهذا أحد أهم أشكال تهديد المصالح الامريكية في أفريقيا ولن تستطيع إدارة ترامب ترميمه.
انشغال الولايات المتحدة بالحرب على إيران سيُعطي مساحة أكبر للتنظيمات العسكرية المسلحة في القارة الافريقية لإعادة تنظيم وترتيب هياكلها وقوتها، وستعود هذه المجموعات العسكرية لتهديد المصالح والوجود الأمريكي في القارة الإفريقية ويبدو أن واشنطن تُسرع في ذلك، وهذا ما حدث عقب تصنيفها لكتيبة البراء بن مالك في السودان كتنظيم إرهابي في 21 آذار/ مارس 2026، الأمر الذي يفتح الباب لاحتمالات حدوث تحالف بين تلك الجماعات الممتدة في أفريقيا لاستهداف المصالح الامريكية في عموم أفريقيا لا سيما أن بينها وبين واشنطن ثأر قديم وأحد محددات شرعية تلك الجماعات وحاضنتها التلويح باستهداف المصالح الأمريكية. وبالتالي أحد تبعات الحرب على إيران في القارة الإفريقية أنها اعادت إخراج بعبع الجماعات المسلحة وضخت فيها دماء جديدة وستظهر تبعات ذلك وتداعياته في المستقبل القريب.
ختاماً تداعيات الحرب على إيران تتجاوز المعنى العسكري التقليدي، وتتخطى الخطوط الجغرافيا الضيقة وتعبر بها إلى أفاق ممتدة عابرة للقارات، وتطال تبعاتها تهديد المصالح الأميركية في القارة الأفريقية ولا تقتصر على الاستهداف المباشرة بل تهدد مستقبل الوجود الأميركي في افريقيا.