مع أولى تكبيرات العيد، تتزيّن شوارع غزة بما تيسّر من مظاهر البهجة، غير أن هذا المشهد يبقى ناقصًا في عيون آلاف الأطفال الذين فقدوا آباءهم. بالنسبة لهم، لا يأتي العيد بوصفه يومًا للفرح الخالص، بل لحظة تختلط فيها الذكريات بالواقع، ويطغى فيها الغياب على كل تفصيل.
في ساعات الصباح، يخرج الأطفال بملابسهم الجديدة؛ بعضهم يمسك بيد والدته، وآخرون يسيرون بصمت، كأنهم يحملون ما يفوق أعمارهم. تمرّ أعينهم على أطفال يلاعبهم آباؤهم، فتتوقف نظراتهم قليلًا، ثم يمضون… دون كلمات، لكن بقلوب مثقلة بما لا يُقال.
تقول المواطنة الفلسطينية أسيل عدنان، وهي أم لطفلتين فقدتا والدهما خلال الحرب: "أحاول أن أجعل يوم العيد طبيعيًا، لكنهما تنظران إلى الأطفال مع آبائهم، فيغمر الحزن وجهيهما، وتبدآن بالسؤال: لو كان أبي هنا، ماذا كان سيفعل؟".
هذا السؤال يتكرر في بيوت كثيرة، ليحوّل العيد إلى مساحة مفتوحة للحنين. تضيف عدنان: "اعتادت طفلتاي أن تقضيا كل تفاصيل العيد مع والدهما… كان يخرج بهما، يشتري لهما ما يريدان، ويصنع لهما يومًا لا يُنسى".
وتتابع: "ما زالتا تتحدثان عن آخر عيد قضتاه معه، وترويان تفاصيله للجميع، وكأنه ما زال حاضرًا… لكن غيابه اليوم يترك فراغًا لا يُملأ".
وتشير إلى أن الحالة النفسية لطفلتيها لم تتحسن منذ فقدانه، ليصبح العيد مناسبة تتجدد فيها الجراح بدل أن تندمل. وتضيف: "معاناة الأيتام ليست حكرًا على أطفالي، فغزة اليوم مليئة بالأيتام… في كل بيت قصة فقد".
في المخيمات ومراكز الإيواء، تبدو الصورة أكثر قسوة؛ لا مساحات للعب، ولا قدرة على إحياء طقوس العيد كما ينبغي. ومع ذلك، يحاول متطوعون إدخال شيء من الفرح، عبر ألعاب بسيطة أو أنشطة محدودة، علّها تنتزع ابتسامة من قلبٍ مثقل.
وتروي أرملة الشهيد بهاء البنا تفاصيل كانت يومًا عادية، لكنها اليوم تحوّلت إلى ذكرى مؤلمة: "كان زوجي يأخذ ابنه إلى المسجد صباح العيد، ثم يزور العائلة، وبعدها يأخذ ابنته للعب في الحارة".
تتوقف قليلًا قبل أن تضيف: "كل هذه الطقوس سُلبت من أطفالنا… حُرموا من آبائهم، حتى أصبحت أمنيتهم البسيطة أن يعودوا إليهم في مثل هذه الأيام".
وتشير إلى أن غياب الأب يترك أثرًا عميقًا في نفوس الأطفال، قائلة: "عندما يرون الأطفال مع آبائهم، يشعرون بنقص كبير، ويظهر ذلك في تصرفاتهم وحتى في أبسط مواقفهم".
وتتابع بأسى: "حاولت أن أعوضهم بكل ما أستطيع، لكنني وقفت عاجزة أمام سؤالهم: لماذا ليس بابا معنا؟ من سيأخذنا كما كان يفعل؟ لم أجد جوابًا… سوى احتضانهم والبكاء".
في مشهد آخر، اصطحبت ولاء أبو النور أطفالها إلى المقبرة لزيارة قبر والدهم، بعد إلحاحهم. تقول: "سألوني عنه قبل العيد، فقلت سنزوره يوم العيد. ظنوا أنه سيستقبلهم ويلاعبهم… لكن صدمتهم كانت كبيرة".
وتضيف: "احتضنوا القبر وبكوا، طلبوا منه أن يخرج ليلعب معهم… ثم عادوا وهم يحملون خيبة لا توصف".
وتختم: "لم يعد العيد يوم فرح بالنسبة لهم، بل صار موسمًا يتجدد فيه الحزن، وتعود فيه الذكريات بكل تفاصيلها".
وبحسب بيان للمكتب الإعلامي الحكومي، فإن أكثر من 56 ألف طفل في قطاع غزة فقدوا أحد والديهم أو كليهما منذ بدء الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، في رقم يعكس حجم الفقد الذي يخيّم على جيلٍ كامل.
وبدعم أمريكي، شنت دولة الاحتلال في 8 أكتوبر 2023 إبادة جماعية بغزة استمرت عامين وتواصلت بأشكال مختلفة بعدهما، وخلفت أكثر من 72 ألف شهيد ونحو 172 ألف جريح فلسطينيين، ودمارا واسعا طال 90 بالمئة من البنى التحتية.
المصدر: "قدس برس".