زيارة كاشفة لحقيقة من يحكم أميركا اليوم: ترامب أم نتنياهو؟

الساعة 10:30 ص|11 فبراير 2026

فلسطين اليوم | حسن نافعة

في بداية هذا الأسبوع، تناقلت وسائل الإعلام العالمية أخبارا مفادها أن "مجلس السلام" سيعقد أول اجتماع له في واشنطن يوم 19 من الشهر الحالي، وأن ترامب سيستبق هذا الاجتماع بلقاء يعقد مع نتنياهو يوم 18، ما فسر بأن ترامب يمهد للإعلان رسمياً عن بدء تنفيذ المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار في غزة ويحرص في الوقت نفسه على التنسيق المسبق مع نتنياهو حول مختلف الملفات التي تهم "إسرائيل".

غير أن وقع هذه الأنباء على نتنياهو لم يكن ساراً. فقد سارع على الفور بطلب تبكير موعده مع ترامب، حيث تم التوافق على أن يكون يوم 11/2 بدلا من 18/2، وقرر في الوقت نفسه دعوة المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) لاجتماع طارئ، عقد يوم 8/2 واتخذ القرارات التالية:

1- تغيير الإطار القانوني والإداري لملكية الأراضي في الضفة الغربية.

2- رفع السرية عن السجلات الرسمية للأراضي المملوكة للفلسطينيين، بالمخالفة للإجراءات المعمول بها حاليا، وإلغاء القيود المفروضة على بيعها للأجانب وللمستوطنين.

3- نقل السلطات والصلاحيات الممنوحة لإدارات التخطيط العمراني والبناء في المناطق الدينية الحساسة، كالخليل وغيرها، من الجهات الفلسطينية المختصة إلى الجهات الإسرائيلية.

4- توسيع الصلاحيات المتعلقة بالهدم والمصادرة في مناطق أ و ب، لتشمل عمليات البناء غير المرخص والمحافظة على التراث وحماية البيئة. ويتضح من هذه القرارات الصادمة أنها تستهدف التمهيد لضم الضفة الغربية، بتسهيل إجراءات الشراء المباشر للأراضي الفلسطينية وإزالة القيود المفروضة على هذه الإجراءات، وزيادة وتيرة الاستيطان بالتوازي مع إطلاق العنان للمستوطنين، بالإضافة إلى تقليص صلاحيات السلطة الفلسطينية في المناطق (أ) و (ب) لتصبح في وضع قانوني يكاد يقترب من وضع المنطقة (ج).

على صعيد آخر، حرص نتنياهو على التعقيب على جولة المفاوضات التي جرت في مسقط بين الولايات المتحدة وإيران بتصريح يؤكد فيه على أن موقف حكومته من النظام الإيراني لم يتغير، وأن أي اتفاق جديد بين الطرفين ينبغي أن ينص بوضوح تام:

1- عدم السماح لإيران بإجراء عمليات تخصيب لليورانيوم على أراضيها.

2- حرمان إيران من امتلاك أو إنتاج صواريخ باليستية أو مسيرات استراتيجية بعيدة المدى.

3- إلتزام إيران بقطع علاقاتها السياسية والعسكرية مع المنظمات المعادية لإسرائيل في المنطقة.

وقد أصبح واضحاً تماماً، في سياق كهذا، أن نتنياهو بدأ يعيد ترتيب أوراقه استعدادا لأي مفاجآت غير متوقعة تتعلق بالإدارة الأمركية لكل من الملفين الفلسطيني والإيراني معا. ففي تقديري أن السبب في التغيير المفاجىء لموعد زيارة لواشنطن لا يعود إلى شعور بالقلق مما قد تسفر عنه المفاوضات الأمريكية الإيرانية فحسب، وإنما يعود أيضا إلى عدم اطمئنان للنتائج التي قد يسفر عنها اجتماع مجلس السلام  Board of Peace.

ولأن نتنياهو يخشى أن يجد نفسه فجأة أمام أمر واقع، قد يفرض عليه عبر اتفاق أميركي إيراني لا يلبي شروطه أو عبر تصور دولي أو أميركي لمستقبل القطاع لا يلبي طموحاته، يبدو أنه قرر استباق الأحداث ووضع الجميع أمام أمر واقع من صنعه هو، ما يفسر القرارات الأخيرة للمجلس الوزاري المصغر، والتي أراد أن يمسك من خلالها بأداة تتيح له، من ناحية، مساومة الجناح الأكثر تطرفاً في حكومته، وإفشال الجهود الرامية لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب، من ناحية أخرى.

فإذا ما اضطر نتنياهو لقبول ترتيبات في غزة لا تلبي طموحات الجناح الأكثر تطرفاً في حكومته، فسيكون بوسعه أن يساوم قائلاً: حصلت في الضفة على "تعويضً" يكفي لموازنة ما قدمت من تنازلات في غزة، أما في مواجهة المحاولات الرامية لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب فسيكون بوسعه أن يرفع صوته متحدياً الجميع قائلا: "هذا هو الواقع الجديد على الأرض، وعليكم أن تقبلوا به وأن تتفاوضوا على أساسه".

ولأن ترامب يحرص دائما على تجنب الدخول في صدام علني مع نتنياهو، فقد يرضح في النهاية للمطالبه الخاصة بضم الضفة مقابل تمرير عملية الانتقال إلى تنفيذ المرحلة الثانية من خطة غزة. ورغم ذلك كله يبدو لي أن الفجوة بين نتنياهو وترامب حول كيفية التعامل مع إيران في المرحلة القادمة تبدو غير قابلة للجسر. وهنا تكمن المعضلة التي ربما تكون كاشفة لحقيقة من يحكم الولايات المتحدة الآن: نتنياهو الذي يرفع شعار "أميركا أولا"، أم نتنياهو الذي يرفع شعار "أنا وإسرائيل ومن بعدنا الطوفان"؟!.

دلائل كثيرة تشير إلى استحالة قبول نتنياهو لحلول وسط مع نظام إيراني لا يستطيع التعايش معه، وبالتالي يرى في إسقاطه شرطا ضرورياً للتغلب على مختلف التحديات التي تواجه "إسرائيل".

فنتنياهو يعتقد أنه نجح في إضعاف محور المقاومة بجميع مكوناته، لكنه لن يستطيع حسم الحرب لصالحه إلا بإسقاط النظام الإيراني نفسه. ولأنه على يقين من أن النظام الإيراني أصبح الآن في أضعف حالاته، يرى أن اللحظة الحالية هي الأنسب للتخلص منه نهائياً، إما من خلال عمل عسكري، وهو الخيار الذي يفضله، أو من خلال لاستمرار في مواصلة سياسة الضغوط القصوى عليه.

فمجرد بقاء النظام الإيراني على قيد الحياة يعني بالنسبة لنتنياهو إعادة إحياء وتنشيط محور المقاومة بكل مكوناته، إن آجلاً أو عاجلاً. ما يبرر عدم التعامل معه إلا في حالة واحدة، هي الرضوخ التام لكافة الشروط المطلوبة منه، خصوصا وأن من شأن هذا الرضوخ أن يعجل بسقوطه في نهاية المطاف. غير أن ترامب لا يرى الأمور على هذا النحو.

 يعتقد ترامب أنه قدم لإسرائيل في كل الملفات ما لم يقدمه أي رئيس آخر في التاريخ الأميركي. ففيما يتعلق بالملف الإيراني وحده، انسحب ترامب خلال فترة ولايته الأولى من اتفاق مع إيران كانت الولايات المتحدة قد وقعت عليه إلى جانب القوى الرئيسية في العالم، ثم بفرض عقوبات قصوى عليها، لم تفرض على أية دولة أخرى في العالم، وفي ولايته الثانية تماشى مع نتنياهو إلى حد مشاركته في توجيه ضربة عسكرية قوية للمنشآت النووية الإيرانية، وها هو اليوم يقوم بحشد أساطيله وقواه العسكرية الضاربة لإجبار إيران على التفاوض تحت تهديد السلاح.

صحيح أنها قبلت التفاوض تحت قعقعة السلاح. لكنها نجحت في الوقت نفسه في أن تفرض علي الولايات المتحدة جدول أعمال يقتصر على بند واحد، هو الملف النووي، الأمر الذي أقلق نتنياهو بشدة ودفعه للهرولة إلى واشنطن لتحذير ترامب من عواقب الموافقة على اتفاق مع إيران يقتصر على برنامجها النووي وحده، حتى لو قبلت تأجيل تخصيب اليورانيوم على أراضيها لعدة سنوات قادمة، وللتأكيد على أنه سيحتفظ لإسرائيل في هذه الحالة بحقها في خوض الحرب بمفردها لتدمير ترسانة إيران الصاروخية. ولأنه يتوقع أن ترفض إيران التوقيع على أي اتفاق جديد مع إدارة ترامب إلا إذا قدمت الأخيرة ضمانات تلزم "إسرائيل" بعدم المبادرة بشن الحرب عليها، وتلزم نفسها بالامتناع عن مساعدتها إن هي أصرت على خوض الحرب بمفردها، وهو ما يستحيل على إدارة ترامب أن تقبل به. لذا يبدو أن الأمور تتجه نحو واحد من احتمالين:

الأول: أن ينجح نتنياهو في تخريب جولة المفاوضات الحالية بين إيران والولايات المتحدة، وهو ما قد يدفع في اتجاه تصعيد قد يؤدي ليس إلى اندلاع حرب شاملة في المنطقة فحسب وإنما أيضاً إلى انهيار خطط ترامب نفسها، ما سيعد انتصارا حاسما لنتنياهو، مهما حاول البعض إظهاره كانتصار أميركي إسرائيلي مشترك يؤكد على عدم قابلية المصالح بين البلدين للانفصام، وعلى أن أمن "إسرائيل" بات جزء لا يتجزأ من الأمن القومي الأميركي.

الثاني: أن يتمكن ترامب من إفشال مخططات نتنياهو، بنجاحه في تفادي اندلاع الحرب والتوقيع معها على صفقة تقتصر على البرنامج النووي في الوقت الحالي، لكنها لا تستبعد فتح الطريق مستقبلاً أمام معالجة بقية ملفات أخرى على الصعيد الإقليمي.

صحيح أن هذا الاحتمال حلا مثاليا لجميع الأطراف، بما في ذلك "إسرائيل"، لكن يتوقع أن يقاومه نتنياهو بشدة، خصوصا وأنه لا يحقق مصالحه الشخصية.

تجدر الإشارة هنا إلى أن نفوذ اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة أثار جدلاً على مدى سنوات طويلة، لكنه حسم نهائيا على المستوى الأكاديمي على الأقل، حين صدر عام 2007 مؤلف بالغ الأهمية حمل عنوان: "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية"، لعالمي السياسة الأميركيين جون ميرشايمر وستيفن والت، أثبتا فيه بما لا يدع أي مجال للشك أن كفة المصالح الإسرائيلية كانت ترجح دوماً على كفة المصالح الأميركية في كل مرة تعين فيها على صانع القرار الأميركي طوال فترة الدراسة أن يختار بين المصالح الأميركية والمصالح الإسرائيلية.

ولأن ترامب هو الرئيس الوحيد في التاريخ الأميركي الذي نجح في انتخابات الرئاسة بفضل شعار "أميركا أولا"، فسوف تظهر الأيام والأسابيع القليلة القادمة ما إذا كان بمقدوره وضع هذا الشعار موضع التنفيذ الفعلي على أرض الواقع حين يجيء موعد الاختبار القادم.

حينها سيكون على عالما السياسة الأشهر في العالم إعادة النظر في النتائج التي توصلا إليها، والأرجح أنهما لن يكونا في حاجة إلى إجراء مثل هذه المراجعة، فالنتيجة معروفة سلفا منذ الآن!.

كلمات دلالية