ما بين احتمال الحرب وخيار التفاوض على خط العلاقة بين أميركا و "إسرائيل" وإيران، ثمة خيط رفيع، لا يجوز أن ينقطع، أو لنقل بالأحرى لا يجوز أن يُقطع.
فهل تفشل المفاوضات؟ وهل تندلع الحرب؟ لدى محاولة الإجابة على هذين السؤالين، وكذلك الإحاطة بمآلات القضية والصراع والأزمة، لا بد من تدوين عدد من الملاحظات بعجالة، على أن نترك إماطة اللثام عن بقية الوقائع والحقائق للساعات المقبلة والأيام القليلة القادمة.
أولًا: الحقوق الإيرانية مشروعة
بعيدًا من الخلفيات والحسابات والإعتبارات السياسية، تبدو السردية الإيرانية متجانسة ومتماسكة، وكذلك هو الموقف الإيراني ثابت ومنسجم مع الثوابت الإيرانية، من حيث التمسك بالمصالح والحقوق الإيرانية المشروعة. ليس بالضرورة تكرار محددات الموقف الإيراني والسردية الإيرانية نفسها.
وهي صارت معروفة، بالنسبة لحق إيران بحيازة التكنولوجيا النووية للأغراض المدنية والسلمية من جهة، وكذلك حقها بالدفاع عن نفسها، بمعنى حيازة عناصر وعوامل ومسببات القوة من جهة أخرى. فالمطلوب هنا تثبيت مشروعية هذه الحقوق الوطنية والسيادية بميزان القانون الدولي والشرعية الدولية.
ثانيًا: الشروط الإسرائيلية تعجيزية
في المقابل، من الواضح أن رزمة الشروط أو الإملاءات الإسرائيلية هي مستحيلة. وهي، في الأساس، مرفوضة، لأنها جائرة وغير جائزة.
فتل أبيب تصر لدى واشنطن على فرض أمور تعجيزية على طهران، من قبيل تصفير تخصيب اليورانيوم، ترحيل إيران كل اليورانيوم المخصب وعالي التخصيب لديها في الداخل إلى الخارج، تخلي الأخيرة عن تحالفاتها وحلفائها في الإقليم، وتنازلها عن قدراتها العسكرية من الصواريخ البالستية.
لن تقبل إيران بأي من هذه القيود والشروط والإملاءات التي تمس بسيادتها الوطنية أولًا، وكرامتها الوطنية ثانيًا، ومصلحتها الوطنية ثالثًا؛ وقد لا تقبل تل أبيب وواشنطن بالتراجع والتنازل والتخلي عن هذه الغطرسات المتسلطة أو التسلطية، غير المعقولة وغير المقبولة!
ثالثاً: عدم جدية الضمانات الأميركية
تُضاف إلى شروط "إسرائيل" التعجيزية ومحاولات "تل أبيب" فرض مثل هذه الإملاءات المستحيلة مشكلة عدم توفر أو عدم تحقق جدوى الضمانات الأميركية، كي لا نقول عدم صدقية وعدم جدية الجانب الأميركي في تأمين أو توفير مثل هذه الضمانات، على قاعدة حسن النية المقرونة بروح المسؤولية، حيال الجانب الإيراني، في حين أبدى الأخير، أو الطرف الثاني، الكثير من المرونة والحكمة والإنفتاح والإلتزام والإيجابية حيال الطرف الأول، أو بالأحرى حيال المجتمع الدولي، على مأدبة المفاوضات غير المباشرة سابقًا، وكذلك لاحقًا، بالتوازي مع الثبات والصلابة ورباطة الجأش والقدرة على التحمل، كما المبادرة بأشكالها كافة، بالتوقيت المناسب والتقدير والتقرير المناسبين أيضًا.
رابعًا: عدم كفاية الضمانات الدولية
ما يزيد الأمور تعقيدًا ضعف تأثير الموقف الدولي، وربما غياب الحضور الدولي عمومًا والغربي خصوصًا، لا سيما الدور المرجعي، المفترض أو المتوقع، من قبل الأمم المتحدة على خط هذه القضية وحل هذه الأزمة ما بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. يكاد يكون دور بقية المرجعيات الدولية والأممية معدومًا، أو لا يُذكر، ولا يُعتد به، بعد اندلاع العدوان الأخير، الفاضح والسافر، من قبل تل أبيب وواشنطن على طهران، وحتى حينه، أي هذه اللحظة التي يُحكى ويُكتب فيها عن جولات المفاوضات التي كان من المزمع عقدها قريبًا من أنقرة إلى مسقط غدًا.
خامسًا: إحتمالية فشل المفاوضات واردة
في ظل هذه الأجواء غير المشجعة وغير المبشرة، تبقى الكثير من النقاط عالقة على جدول أعمال هذه الجولة أو هذه النسخة بالتحديد من المفاوضات ما بين الأطراف الدولية والإقليمية المعنية بطريقة أو بأخرى؛ وكذلك تبدو العديد من الإحتمالات مطروحة والحسابات مفتوحة.
بهذا المعنى، لا يمكن، ولا يجوز حتى، استبعاد إحتمالية فشل هذه المفاوضات أيضًا، بحال استمر الأميركيون والإسرائيليون بالتشدد والتصلب والتعنت في تصريحاتهم وتصرفاتهم، واستمر الإيرانيون على صمودهم وثباتهم على مبادئهم ومواقفهم. وهو الأمر الذي يجعلنا نطرح إحتمالية أن تتعمّد وتتقصّد واشنطن وتل أبيب تعجيز طهران لإحراجها فإخراجها من المفاوضات وتحميلها مسؤولية هذا التعثر، بل هذا الفشل وهذا الإخفاق، وتبعات كل ذلك.
سادسًا: إحتمالية اندلاع الحرب قائمة
بناء على كل ما تقدم، سيبقى الحذر سيد الموقف في هذه اللحظة، وكذلك الريبة والقلق. فالمفاوضات ليست مضمونة النتائج. واحتمالية تجدد الحرب، أو اندلاع جولة جديدة من الحرب، واردة. ربما قريبًا، وربما لاحقًا. هي تراجعت وانخفض منسوبها في زحمة الكلام والحديث، مؤخرًا وراهنًا، عن استئناف واستمكال المفاوضات عبر القنوات السياسية والدبلوماسية، بديلًا عن لغة القوة والعنف؛ ولكنها لم تنتفِ البتة، ولن تنتفِ على الإطلاق.
فالأطروحة الأميركية، للرئيس دونالد ترامب، حول السلام بالقوة، وهي معادلة فيها شيء من المفارقة والتناقض، بعيدًا من لغة العقل والمنطق، وكذلك التوازن والإتزان، هي وحدها كفيلة، بتطيير المفاوضات من أساسها، في مقابل الأطروحة الإيرانية على لسان المرشد الأعلى، قائد الثورة والجمهورية، السيد علي خامنئي، حول القوة لأجل السلام، وتحت سقف الحق والقانون.
"تل أبيب" وحدها..
قد لا يكون من مصلحة أي أحد في هذا الكون السياسي، وليس فقط في هذا العالم وهذه المنطقة، سوى "تل أبيب" وحدها، ومعها اللوبي الصهيوني، فشل المفاوضات بين واشنطن وطهران، وبالتالي وبالتبعية اندلاع حالة الحرب الإقليمية بين الولايات المتحدة و "إسرائيل" من جهة وإيران من جهة أخرى.
الوضعية القائمة معقدة جدًّا، والوضع الراهن دقيق جدًّا. كذلك، الموقف، التوقيت، السياق، ثم الإحتمالات والخيارات، الإتجاهات والمسارات، كما الحسابات والتقديرات السياسية والعسكرية والإستراتيجية. فهل تنتصر لغة الدبلوماسية في اللحظة الأخيرة؟ أم يتغلب عليها ويغلب منطق القوة؟ وكلاهما في خدمة الأهداف والأولويات والمصالح نفسها.