مع اقتراب موعد مباشرة اللجنة الوطنية مهامها داخل قطاع غزة يوم غد الخميس، تتجه أنظار الغزيين إلى هذه التجربة بوصفها محطة مفصلية في مرحلة ما بعد الحرب، حيث تختلط الآمال بتحسين الظروف المعيشية بقلق واسع من قدرة اللجنة على تجاوز التعقيدات السياسية والميدانية التي تحيط بعملها.
اللجنة، التي شكلها "مجلس السلام" برئاسة خبير الإعمار المهندس علي شعث وعضوية 15 خبيرًا، تستعد للعمل في واحدة من أكثر البيئات تعقيدًا في العالم، بعد فراغ إداري ومؤسسي عميق خلّفته حرب الإبادة الإسرائيلية، التي استهدفت البنية الحكومية وأدت إلى استشهاد عدد كبير من كوادر الجهاز البيروقراطي، وتراجع دور المؤسسات التقليدية وغياب سلطة مركزية فاعلة.
ورغم توصيفها إعلاميًا بأنها "حكومة تكنوقراط"، إلا أن طبيعتها الفعلية تبدو أقرب إلى لجنة إدارية خدمية، تقتصر مهامها على إدارة القطاعات الحيوية - الصحة والتعليم والمياه والكهرباء والبلديات - دون صلاحيات سياسية أو تمثيلية، في ظل ارتباطها المباشر بالمجلس التنفيذي بعيدًا عن الأطر الفلسطينية التقليدية.
توقعات مرتفعة… وقلق موازٍ
يعقد سكان القطاع آمالًا كبيرة على قدرة اللجنة على إحداث تحسن ملموس في حياتهم اليومية، عبر إعادة تشغيل الخدمات الأساسية، وتنظيم الشوارع، وإزالة الركام، وتوفير مساكن مؤقتة، وتحسين خدمات الكهرباء والمياه.
لكن هذه الآمال تقابلها مخاوف من أن تتحول اللجنة إلى كيان محدود الصلاحيات، محاصر بالقيود الإسرائيلية والاشتراطات الدولية، وغير قادر على اتخاذ قرارات حاسمة في ملفات الإعمار والتمويل والأمن.
ويخشى كثيرون من أن تخضع اللجنة لضغوط خارجية قد تحد من استقلاليتها، أو تجعلها أداة لتنفيذ أجندات لا تعكس أولويات المجتمع المحلي.
القيود الإسرائيلية… التحدي الأكبر
يرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية مصطفى إبراهيم أن اللجنة "منزوعة السياسة بالكامل"، ولا تمارس أي دور تفاوضي أو تمثيلي، مشيرًا إلى أن تشكيلها جاء بإرادة دولية—وتحديدًا أميركية—وليس نتيجة توافق وطني فلسطيني.
ويضيف إبراهيم، أن الاحتلال سيكون "طرفًا رئيسيًا في توجيه عمل اللجنة بما يخدم مصالحه الأمنية"، معتبرًا أن ملف نزع السلاح من أعقد القضايا التي ستواجهها. ويوضح أن هناك طرحين: أن تتولى الشرطة المحلية المهمة، أو أن تقوم بها قوة فلسطينية مدربة في الخارج،
لكن "إسرائيل" تصر على نزع السلاح خلال فترة زمنية قصيرة، وتربط أي انسحاب كامل من القطاع بتحقيق ذلك.
ويؤكد إبراهيم أن نجاح اللجنة مرهون بمدى مرونة الاحتلال في الانسحاب من شرق القطاع وتخفيف القيود على إدخال مواد الإعمار، محذرًا من أن غياب هذه المرونة سيبقي مليوني فلسطيني محاصرين في غرب القطاع دون مقومات حياة أساسية.
تجارب سابقة تُضعف الثقة
لا يزال مفهوم "لجنة التكنوقراط" ملتبسًا لدى الشارع الغزي، إذ يراها البعض "حكومة بلا فصائل"، فيما يستحضر آخرون تجارب حكومات التكنوقراط السابقة - من سلام فياض إلى رامي الحمد الله - التي لم تُحدث اختراقًا حقيقيًا في واقع غزة، بل تعاملت معها بمنطق الإقصاء، وفق مراقبين.
نافذة أمل… بشروط
يقول الكاتب والمحلل السياسي رامي خريس إن اللجنة "لم تأتِ كمبادرة تقنية بحتة، بل نتيجة فراغ سياسي وأمني غير مسبوق فرضته الحرب". ويرى أنها قد تشكل "نافذة أمل محدودة" لإعادة تنظيم الشأن المدني وقيادة مسار الإعمار.
لكنه يحذر من أن نجاحها سيبقى مرتبطًا بثلاثة عوامل: استقلاليتها، حجم الدعم الدولي، وقدرتها على تجنب التحول إلى ساحة صراع بين القوى الفلسطينية والإقليمية.
ويتوقع خريس أن تضع "إسرائيل" عراقيل غير مباشرة أمام عمل اللجنة، مستفيدة من النظر إليها كإطار إداري محايد، في محاولة لإعادة تشكيل النظام السياسي في غزة. كما يشير إلى وجود اعتراض غير معلن من السلطة الفلسطينية قد يتحول إلى كابح لعمل اللجنة إذا فُهمت كبديل سياسي، لكنه يرى أن هذا الاعتراض قد يتراجع إذا نجحت اللجنة في تقديم نفسها كصيغة انتقالية لسد الفراغ الإداري.
فجوة بين خطاب النخب واحتياجات الناس
تكشف النقاشات العامة في غزة عن فجوة واضحة بين خطاب النخب - الذي يركز على "الحوكمة" و"الإصلاح الإداري" - وبين أولويات المواطنين الذين يقيسون أداء اللجنة بمدى توفر الكهرباء، وتحسن خدمات البلديات، وسرعة إزالة الركام، وانتظام الرواتب، وتحسن الخدمات الأساسية.
توقعات واقعية
ويرى رئيس تحرير صحيفة "الاقتصادي" محمد أبو جياب أن على الشارع الغزي عدم رفع سقف التوقعات، موضحًا أن مهام اللجنة تندرج ضمن إطار "تحسين الميزان الإنساني"، وتشمل الإيواء، وبناء المدارس والمستشفيات، وتطوير البنية التحتية.
ويضيف، أن القرار النهائي لا يزال بيد الولايات المتحدة ومجلس السلام، وأن تطلعات الناس بسيطة ومشروعة: بيوت متنقلة بدل الخيام، وخدمات صحية وتعليمية مقبولة، واستعادة الحد الأدنى من الحياة الطبيعية بعد عامين من المعاناة.
ومنذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ارتكبت "إسرائيل" - بدعم أميركي أوروبي - إبادة جماعية في قطاع غزة، شملت القتل والتجويع والتدمير والتهجير والاعتقال، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر محكمة العدل الدولية بوقفها.
وخلفت الإبادة أكثر من 242 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم أطفال ونساء، إضافة إلى 11 ألف مفقود، ومئات آلاف النازحين، ومجاعة أودت بحياة كثيرين، فضلًا عن دمار واسع محا معظم مدن القطاع من على الخريطة.
المصدر: "قدس برس".