غزة تحت رحمة المولدات..

"كهرباء الحرب".. كُلفة باهظة والناجون من الإبادة فريسة للاحتكار!

الساعة 12:43 م|26 يناير 2026

فلسطين اليوم

مع الانقطاع المزمن للكهرباء وتفاقم الأزمات الإنسانية، نشأ في قطاع غزة نمط اقتصادي بات يُعرف محليًا بـ"اقتصاد المولدات"، إذ تحوّلت الكهرباء من خدمة عامة إلى سلعة باهظة الثمن، يتحكم بها مالكو المولدات الخاصة في الأحياء والأسواق والمرافق الحيوية.

في شوارع غزة المكتظة، يتكرر المشهد ذاته: أسلاك متشابكة تمتد من مولدات ضخمة إلى منازل ومحال، مقابل اشتراك شهري أو محاسبة بالساعة.

 ومع ارتفاع أسعار الوقود وصعوبة إدخاله، قفزت كلفة الكيلوواط إلى مستويات تفوق قدرة غالبية السكان الذين يعانون أصلًا من الفقر والبطالة.

وتصاعدت حالة السخط الشعبي تجاه الشركات والمبادرات الخاصة التي تبيع الطاقة الكهربائية، في ظل الارتفاع الفاحش للأسعار، والانقطاعات المتكررة، وغياب الرقابة الناظمة لعمل هذه الجهات، ما جعل الناجون من الإبادة في غزة فريسة للاحتكار والارتهان لواقع الحرب القاسية.

ووفقًا لبيانات شركة توزيع الكهرباء وسلطة الطاقة في غزة، دمّر الاحتلال الإسرائيلي نحو 80 بالمئة من شبكات التوزيع، فيما تجاوزت الخسائر المباشرة لقطاع الطاقة حاجز 728 مليون دولار.

وأسهم هذا الفراغ السيادي في ظهور ما يُعرف بـ"اقتصاد المولدات" كبديل قسري ووحيد للمواطنين.

وظهرت مبادرات فردية لاستخدام الطاقة الشمسية، لكنها تصطدم بكلفة التركيب والصيانة وصعوبة إدخال المعدات. ورغم أن الطاقة المتجددة تُعد خيارًا واعدًا، إلا أنها ما زالت بعيدة عن تلبية احتياجات القطاع على نطاق واسع دون دعم حقيقي، ما دفع السكان إلى الاعتماد على كهرباء المولدات.

وتشتكي الناجية من الإبادة صفاء عاشور من قرار شركة المولدات التي تزود ما تبقى من منزلها بالكهرباء، بعد إعلانها رفع سعر "الكيلوواط" إلى 30 شيكلًا (نحو 9.5 دولار) بعد أن كان 20 شيكلًا.

وتقول عاشور: إن الشركة برّرت الزيادة بارتفاع تكاليف التوريد، معربة عن استهجانها الشديد لهذا القرار، خاصة أن السعر السابق يُعد مرتفعًا أصلًا ويفوق القدرة الشرائية لغالبية الفلسطينيين.

وأضافت، أن الشركة وسّعت نشاطها التجاري بشكل عشوائي وغير مدروس، ما أدى إلى زيادة الأحمال وحدوث أعطال متكررة في المولدات، مشيرة إلى أن الشركة تحاول تحميل المواطن البسيط فاتورة إخفاقاتها الفنية وخسائرها الناتجة عن سوء التخطيط.

من جانبه، أكد الناجي من الإبادة في غزة، مصلح أبو شعبان، أن "شركات المولدات" استغلت حاجة الناس الماسّة للكهرباء بوصفها ضرورة حياتية، وحوّلتها إلى مشروع ربحي بحت، دون أدنى التزام بمعايير الخدمة أو السلامة.

وقال أبو شعبان، إن "هذه الشركات نشأت في ظروف حرب استثنائية، وتفتقر إلى أي ضوابط تنظم عملها، سواء من حيث مواقع المولدات، أو مواصفات الشبكات، أو توزيع الأحمال، أو حتى تسعيرة الكهرباء".

وشدد على أن أضرارًا مادية جسيمة لحقت بالغزيين، إذ تعرضت أجهزة منزلية ومعدات إلكترونية للتلف والاحتراق نتيجة الانقطاعات المفاجئة والمتكررة للتيار الكهربائي، التي تحدث دون أي تنبيه مسبق للمشتركين، ما يضاعف حجم المعاناة والخسائر في ظل انعدام البدائل.

وحمل أبو شعبان الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة والقانونية عن أزمة الطاقة الخانقة، معتبرًا أن قطع خطوط الكهرباء ومنع وصول الوقود لمحطة التوليد يُشكّل عقابًا جماعيًا يهدف إلى شلّ الحياة اليومية وتدمير القطاعات الحيوية.

من جهته، أكد الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن فكرة المولدات جاءت نتيجة حاجة أهل غزة للحصول على الكهرباء بعد تدمير الاحتلال أي فرصة لعودة التيار الكهربائي إلى القطاع.

وقال أبو قمر، إن "المولدات كانت رائجة قبل الحرب بسبب الانقطاع المتكرر للكهرباء، أما اليوم فأصبحت الحاجة إليها مُلحة بشكل أكبر بعد تعطل شركة توزيع الكهرباء".

وأضاف أن حل أزمة الكهرباء ممكن عبر الطاقة الشمسية، إلا أن الاحتلال يمنع إدخال المولدات وأجهزة الطاقة الشمسية والألواح، ما يجعل هذا الخيار محدودًا.

وأشار إلى أن الحل الآخر يتمثل في "المولدات العاملة على الوقود"، لكنه يواجه مشكلة الارتفاع الكبير في ثمن الكيلوواط الذي يصل إلى الناجين من الإبادة في غزة.

وأوضح أن سبب ارتفاع ثمن الـ"كيلوواط" يعود إلى ارتفاع أسعار الوقود وحالة الاحتكار التي تمارسها بعض الشركات، مؤكدًا أن الزيادة الحالية تفوق بكثير الزيادة في أسعار الوقود، "ما يحتم وجود ضبط لأسعار المولدات، بحيث يكون هناك هامش ربح واضح ومعلوم دون استغلال حاجة الناس".

ويرى أبو قمر أن "اقتصاد المولدات" سلاح ذو حدين، إذ وفّر الكهرباء للغزيين بعد توقف الشركة الرئيسية عن العمل، لكنه في المقابل يستنزف جيوبهم بسبب ارتفاع الأسعار.

وبيّن أن قطاع غزة يحتاج أكثر من 500 ميغاوات من الكهرباء لتغطية الطلب اليومي، مضيفًا: "قبل الحرب كان في غزة أكثر من 700 مولد، وهو رقم كبير يدل على حجم انتشار السوق غير الرسمي، وكان سعر كيلو الكهرباء نصف شيكل فقط، أما اليوم فيباع عبر المولدات الخاصة ما بين 20–30 شيكل، وهو سعر مرتفع جدًا ويحتاج إلى إعادة ضبط".

ويشدد على أن متوسط ما تدفعه الأسرة للمولدات يتراوح بين 200–300 شيكل شهريًا، وهو رقم كبير مقارنة بدخل الغزيين الذي يتراوح بين المعدوم والمنخفض.

وتأتي أزمة الكهرباء بينما يعيش القطاع آثار عدوان مستمر منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، خلّف إبادة جماعية شملت القتل والتجويع والتهجير والاعتقال، متجاهلًا النداءات الدولية وأوامر محكمة العدل الدولية بوقفها.

وأسفر العدوان عن أكثر من 242 ألف شهيد وجريح، معظمهم أطفال ونساء، إضافة إلى 11 ألف مفقود، ومئات آلاف النازحين الذين يعيشون في خيام لا تقي من البرد، وسط مجاعة أودت بحياة كثيرين، ودمار واسع محا معظم مدن القطاع.

وفي ظل هذا المشهد لم يعد انقطاع الكهرباء خبرًا عابرًا، بل واقعًا يُعيد تشكيل الحياة والاقتصاد. فاقتصاد المولدات حلّ مؤقت فرضته الضرورة، لكنه تحوّل إلى عبء دائم يثقل كاهل السكان ويقيد التنمية، بين عتمة المنازل وضجيج المولدات.

المصدر: "قدس برس".

 

كلمات دلالية