"مجلس السلام".. هل انتهى زمن الحلول السياسية للقضية الفلسطينية؟

الساعة 09:22 ص|26 يناير 2026

فلسطين اليوم | شرحبيل الغريب

لم يكن الإعلان رسمياً عن مجلس السلام العالمي بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلا تتويجاً لمسار تبنته الإدارة الأميركية عبر خطة الرئيس ترامب المعروفة بخطة العشرين نقطة لإنهاء الحرب على قطاع غزة ورؤيته لتسويه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ولم يأت هذا الإعلان إلا تتويجاً لمسار سياسي طويل من الاخفاقات الدولية والانحيازيات الواضحة لـ "إسرائيل" والعجز الدولي عن انتاج وفرض حلول سياسية عادلة تضع حداً لإنهاء الاحتلال الاسرائيلي وفق ما أقرته كل القوانين والشرائع الدولية ويستجيب للحقوق الوطنية الفلسطينية.

ما طرح في مجلس السلام العالمي هو مشروع دولي تقوده الولايات المتحدة الأميركية وهو بالمناسبة ليس مشروعاً سياسياً خاضعاً للتفاوض كما هو معهود ولا مسار سياسي بالمفهوم السياسي الإستراتيجي للحلول السياسية بل صيغة جاهزة للتنفيذ تعكس تحولا عميقاً في طريقة تفكير النظام الدولي الذي تتزعمه واشنطن تجاه القضية الفلسطينية، والواضح أن طريقة التفكير هذه تعكس تحولت صريح من البحث عن حل سياسي شامل للقضية الفلسطينية إلى محاولة إدارة الصراع واحتوائه بأدوات أمنية وإنسانية بديلة عن الحلول السياسية المعهودة.

تاريخياً، كما نعلم وطوال العقود الماضية ظل الخطاب الدولي تجاه القضية الفلسطينية يتمحور حول مفاهيم معروفه عند الحديث عن ضرورة إيجاد حل سياسي للقضية الفلسطينية،  وتمحورت هذه المفاهيم تحديداً حول ما سمي بحل الدولتين، والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة عام 67، والتسوية السياسية النهائية كتتويج لأي مسار سياسي كان يطلق، ورغم أن هذه المفاهيم لم تترجم واقعاً ملموساً في أي محطة من محطات الصراع إلى إرادة سياسية حقيقية تجبر وتلزم "إسرائيل" على الالتزام بها، إلا أنها شكلت إطارا مرجعيا للصراع مع إسرائيل وحددت سقفاً أخلاقيا وقانونيا للمواقف الدولية.

مع إطلاق ما سمي مجلس السلام العالمي بقيادة الرئيس ترامب تحول الحديث تجاه الحل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي كلياً، وما طرحه المجلس يعد مقاربة دولية لم يعد الهدف من هذه المقاربة إنهاء الاحتلال الاسرائيلي بالنص الواضح والصريح أو تفكيك أسباب وجوده على الاراضي الفلسطينية المحتلة بل قزم المشهد إلى كلفة أمنية وإنسانية بحتة.

هذا التحول نقل الصراع من قضية تحرر وطني إلى قضية ذات بعد إنساني وأمني بالدرجة الأولى أي إعادة هندسة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي من قضية سياسية إلى قضية إنسانية أمنية بامتياز كما أعيد تعريف الفلسطيني لا بوصف صاحب حق بل باعتباره طرف متأثر أكثر ما يحتاجه هو تلبيه متطلباته المعيشية وشؤونه وضبط سلوكه الوطني بعد نزع الفكر المقاوم من عقله ووجدانه.

ثمة سؤال يطرح نفسه في هذا السياق، هل مجلس السلام العالمي جاء كنتاج لفشل النظام الدولي في إيجاد حل سياسي للقضية الفلسطينية أم هي نتيجة طبيعية وحتمية لفشل المسارات السياسية التي أطلقت على مدار مراحل الصراع السابقة؟

في تقديري جاء الاعلان عن مجلس السلام بقيادة الرئيس ترامب ليس تعبيراً عن حالة من النضج السياسي لدى الادارة الأميركية بقدر ما هي خطة في ظاهرها مساراً سياسياً لكن هي عكس ذلك ، هدفها مخرجا لـ "إسرائيل" بعد فشلها في حسم الحرب على قطاع غزة من جهة، كما أنها مؤشراً صريحاً على فشل النظام الدولي في إيجاد وانتاج حلول سياسية عادلة للقضية الفلسطينية بعد أكثر من سبعة عقود على مرور النكبة وتهجير الشعب الفلسطيني عام 48، وبعد ثلاث عقود من اتفاق أوسلو مع منظمه التحرير الذي لم ينجح المجتمع الدولي في فرض الحد الادنى من التزام "إسرائيل" بالحقوق الفلسطينية من جهة وبالقانون الدولي والقرارات الدولية التي تلزم اسرائيل الانسحاب من الاراضي المحتلة من جهة أخرى.

هذا الفشل لم يكن هامشياً بل كان فشلاً بنيويا بامتياز، إذ يقوم النظام الدولي على اختلال موازين القوة وعلى سطوة ونفوذ الإدارة الأميركية المنحازة لـ "إسرائيل" وعلى تحييد القانون الدولي حين يتعارض مع المصالح الكبرى، ولعل الحالة الفلسطينية خير شاهدة على ذلك حين  جرى تحويل المشاريع السياسية التي أطلقت تحت ما يسمى بمشاريع السلام والتسوية الى مظلة لإدارة الوقت والصراع نتج عنها واقع يصعب فيه إطلاق أي مشروع سياسي جديد يعيد الحقوق للفلسطينيين، هذه المظلة أفرزت تزايدا كبيرا في الاستيطان و تكريس السيطرة على المقدسات الإسلامية والمسيحية والتهام وسرقة مزيداً من الأراضي وآلاف الدونمات في الضفة الغربية المحتلة وصلت إلى حد تكريس الواقع على الأرض بعد حصار قطاع غزة إلى حرب إبادة وتطهير عرقي غير مسبوقة، و هذا هو  الواقع الذي وصلت به كل الحلول السياسية التي طرحت في المحطات السابقة.

الإعلان عن مجلس السلام بوصفه مشروعاً غير مسبوقا تبناه ترامب وعدد كبير من قاره الدول هو إعلانا صريحاً بانتهاء صلاحية الحلول السياسية التقليدية، وإن ما تبقى لهذه الأطراف إلا أن تبحث عن صيغ بديلة تبقي الوضع تحت السيطرة دون الدخول في مواجهة في مع جذور الصراع، إذا هو صراع ارادات يبقي الحالة الفلسطينية مفتوحة على مصراعيها دون معالجة أسباب وجذور المشكلة التي تتمثل بالاحتلال الاسرائيلي الذي ما زال يحتل الأرض ويدنس المقدسات ويعتقل الآلاف من الاسرى في سجونه رافضاً الاعتراف بالحقوق الفلسطينية.

قد يسأل البعض، هل شكل الإعلان عن مجلس السلام وصاية دولية بثوب جديد على الشعب الفلسطيني أم أنه يشكل بارقة أمل جديدة يمكن أن توجد حل للقضية الفلسطينية؟

فكره مجلس السلام بوصفها إطارا دولياً وإقليميا يهدف إلى تحقيق نوع من الاستقرار المؤقت بعد حرب استمرت لمده عامين في قطاع غزة ويضمن الإغاثة وإعادة الإعمار وتحسين الأوضاع الإنسانية والاغاثية ومنع تجدد الحرب في المنظور القريب ، إلا أن هذه الأهداف برغم أهميتها تخفي جوهرا إشكاليا يتمثل في تكريس نوع من الوصاية الدولية على الشعب الفلسطيني عند الحديث عن إدارة دولية للشأن الفلسطيني سواء كانت في غزة أو في غيرها، ما يعني عمليا سحب القرار السياسي من يد الفلسطينيين وتحويل قضيتهم من مسألة تحرر وطني إلى مسألة ذات بعد إداري إنساني أمني بامتياز ، وفي هذا الصدد تستبدل الأسئلة الكبرى حول الحديث عن السيادة والحدود واللاجئين والقدس والأسرى بأسئلة مقزمة تدور حول الإغاثة والمعابر والأمن والخدمات الإنسانية  بالدرجة الأولى.

مثل هذه المقاربة وهذا الواقع الذي سينتجه ما يعرف بمجلس السلام العالمي لا تختلف في جوهرها عن تجارب سابقة طبقت في مناطق مشابهة أخرى لكن الفارق أن القضية الفلسطينية قضية عادلة رغم كل ما حيك ويحاك ضدها والتجارب السابقة وصل بها المطاف إلى نتائج تجميل الصراعات عبر الإدارة وليس الحلول وهذا أدى الى إدامتها بصيغة أقل كلفة لكنها أكثر استنزافا.

تكمن أخطر أبعاد مجلس السلام العالمي في اختزال القضية الفلسطينية من قضية سياسية إلى قضية إغاثية وتحويلها إلى قضية إنسانية خالصة بعد أن كانت تتحدث عن عناوين كبيرة وثوابت الشعب الفلسطيني المعروفة بالأرض والقدس والأسرى وعودة اللاجئين، وبدل أن يكون الاحتلال الإسرائيلي هو المشكلة المركزية يصبح الوضع الانساني هو العنوان الأبرز في المشهدية الفلسطينية، وبدل الحديث عن الحقوق يجري الحديث عن الاحتياجات الإنسانية.

لا يمكن لأي طرف محلي كان أو دولي إنكار حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون بعد عامين من الإبادة تحديداً في قطاع غزه لكن التعامل مع هذه الكارثة بمعزل عن أسبابها السياسية يحول الإغاثة الى أداة سياسية بحد ذاتها، وحين تستخدم المساعدات كوسيلة للابتزاز والتحكم وتربط بضرورة ضمان استمرار الهدوء في قطاع غزة فيما يجرم أي فعل مقاوم بوصفه تهديداً للسلام ، وفي الواقع لا يوجد للسلام رصيد على أرض الواقع حيث القتل والقصف مستمرين، بهذا الحال تفرغ القضية الفلسطينية من مضمونها السياسي ويعاد انتاجها كملف انساني طويل الأمد عبر دول لها عضوية في مجلس السلام، دون طرح أي أفق حقيقي للعمل على استعادة أي من الحقوق الفلسطينية.

تداعيات تشكيل مجلس السلام العالمي على الشرعية السياسية الفلسطينية واضحة للعيان في ظل غياب أي حل سياسي يهدف إلى اعاده تعريف مفهوم الشرعية السياسية للفلسطينيين، فبدلاً من أن يستمد الفلسطيني هذه الشرعية من تمثيل شعبي ومشروع وطني تحرري تربط هذه الشرعية بمدى الالتزام بشروط مجلس السلام الداعية الى ضمان الأمن الإسرائيلي بالدرجة الأولى، وإدارة الشأن العام للفلسطيني وفق معايير واشتراطات دولية يضعها المانحون و الوسطاء الدوليون، مثل هذا التحول يضعف البنيه السياسية الفلسطينية ويعمق أزمة التمثيل في ذات الوقت، ويخلق فجوة متزايدة بين التمثيل الرسمي داخلياً وخارجياً من جهة وبين الشعب الفلسطيني الذي يعيش تحت حراب الاحتلال من جهة أخرى ، كما أنه يعيد إنتاج الانقسام الفلسطيني ولكن بصيغه جديدة تقوم على أساس تصنيفات جديدة بدلاً من الحديث عن النقاش حول المشروع الوطني الفلسطيني الجامع الذي يشمل الكل الوطني الفلسطيني.

ثمة سؤال يطرح نفسه في هذا الصدد، هل انتهى فعلا زمن الحلول السياسية؟ أم أن ما نشهد هو محاولة لفرض تصفية واضحة للقضية الفلسطينية بطريقة جديدة؟

الواقع الفلسطيني يشير الى أن الحلول السياسية لم تفشل بسبب عدم واقعيتها في الطرح فحسب بل لأسباب أخرى أبرزها غياب الإرادة الدولية لفرض هذه الحلول السياسية من جهة سلوك "إسرائيل" على الأرض من جهة أخرى، الذي عمق الاستيطان وزاد من ترسيخ الاحتلال  فالقانون الدولي لا يزال واضحاً بنصوصه ، حقوق الفلسطينيين لم تسقط بالتقادم لكن ميزان القوة العالمي يسمح بتجاهل مثل هذه الحقائق التاريخية التي لم تستطع أي من الحلول السياسية إعادة الحقوق الفلسطينية الى أصحابها وفق ما نصت عليها كل القوانين والشرائع الدولية التي تشير إلى أهمية إنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

بمعنى أدق مجلس السلام العالمي الذي أعلنه الرئيس ترامب لم ينهي الحلول السياسية أو زمن الحلول السياسية بقدر ما أنه يجمدها الى أجل غير مسمى ويضعها في حالة موت سريري بانتظار تحولات كبرى في موازين القوى الإقليمية والدولية.

ماذا بعد إطلاق مجلس السلام العالمي وأي سيناريوهات تنتظر المنطقة والقضية الفلسطينية في هذا السياق؟

أمام هذا الواقع يمكن الحديث عن ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل القضية الفلسطينية في ظل طرح ما يسمى مجلس السلام الترامبي.

السيناريو الاول/ يتمثل في ادارة الصراع طويلة الأمد تتمثل في ترسيخ مجلس السلام بما يعني تثبيت حالة اللاحل وإدامة الوصاية الدولية وتحويل القضية الفلسطينية إلى ملف إنساني أمني دائم، وهذا السيناريو قد يخفف من حدة عودة شبح الحرب مرة أخرى لكنه يراكم حالة من الاحباط والانهاك للشعب الفلسطيني اقتصاديا واجتماعياً.

السيناريو الثاني/ مسار الانفجار المؤجل، وفرض الوصاية الدولية مع محاولات الاحتواء وتهميش البعد السياسي، سيؤدي لانفجار جديد قد يكون أكثر تعقيداً وشمولا والتاريخ يقول إن الصراعات التي لا تحل سياسياً لا تختفي بل تعود بأشكال أكثر حدة عندما تتغير الظروف وتصبح مواتية.

السيناريو الثالث/ يتمثل بإعادة تسييس القضية وهو السيناريو الأصعب لكنه الأكثر انسجاماً مع منطق التاريخ إذ يتمثل في استعادة الفلسطينيين لزمام المبادرة السياسية وبناء مشروع وطني جامع يعيد طرح القضية بوصفها قضية تحرر وطني من خلال استثمار التحولات الدولية التي قد تطرأ.

 

لعل أكثر ما يطمئن في قراءة المشهد رغم تعقيداته أن مجلس السلام ليس نهاية القضية الفلسطينية بل هو تعبير عن أزمة النظام الدولي في التعامل مع القضية الفلسطينية، أما السؤال الحقيقي في هذا السياق فلا يتعلق بانتهاء زمن الحلول السياسية بل بموعد عودتها وبمن سيدفع ثمن هذا الانتظار الطويل.

إذ أن ان ما يطرح لقطاع غزة اليوم ليس سلاما بل إدارة أزمة تحت سقف ومحراب الاحتلال الاسرائيلي، فمجلس السلام الترامبي يقوم على إقصاء الشعب الفلسطيني كشعب صاحب حق وتحويل قضيته من قضية سياسية إلى قضية ملف أمني وإنساني تديره قوة خارجية يعاد فيها تكريس الوصاية ويعيد انتاج وتعريف الاحتلال كأمر واقع قابل للتجميل باحتلال ناعم.

الحقيقة الثابتة هو الرئيس ترامب أطلق مسارا يشكل تصفية للقضية الفلسطينية عبر كسر ثوابتها،  هذا المسار لا يوجد فيه سيادة للفلسطيني ولا تمثيل ولا حق تقرير مصير ولا سيادة في قرار سياسي فلسطيني، لكن التاريخ يقول أنه أخطأ في تقدير العامل الحاسم ،غزة ليست جغرافيا فقط بل إرادة سياسية و مجتمع مقاوم بالفطرة، لربما تفرض ترتيبات مؤقتة هنا وهناك لكن التصفية ستفشل، لأن القضايا العادلة لا تنهى بقرارات من مجالس عالمية لا تقر بحقوق الضحية وتضمن وجود وشرعية للمحتل، فالقضايا العادلة تحسم بقدرة أصحابها على الصمود وإعادة انتاج مشروعهم الوطني من جديد.

المشهد في قطاع غزه سيبقى مفتوحاً على صراع إرادات لا تسوية حقيقية ولا حلول جذرية، هذا الطرح لا ينطلق من انهاء الاحتلال بل من إعادة انتاجه، وقطاع غزة رغم حرب الإبادة والتطهير العرقي ما زالت تمثل عقدة المشروع الإسرائيلي الأميركي لأنها ترفض التحول والاختزال إلى ملف إنساني أو كيان مدار بلا إرادة.

الحقيقة الكاشفة أن ترامب لم ينجح في تصفية القضية الفلسطينية بل نجح في تعرية النظام الدولي، فالمعادلة لم تحسم بعد، صحيح أن الاحتلال الاسرائيلي يمتلك القوة المفرطة، لكنه يفتقد إلى الشرعية، بينما الشعب الفلسطيني الذي حوصر ويحاصر وتعرض لأبشع حرب إبادة لم يهزم، أما مستقبل غزة لن يرسم في مجالس وصاية مفروضة عليه، بل في ميزان الصمود والقدرة على إعادة بناء مشروع وطني فلسطيني يفرض نفسه على كل محاولات الالتفاف أو الاحتواء أو التصفية.

كلمات دلالية