تذوّق الأوروبيون الفشار لأول مرة في 22 يناير 1630، عندما تلقى المستعمرون الإنجليز في أمريكا الجنوبية كيسًا من حبوب الفشار كهدية من زعيم السكان الأصليين كوديكوين. ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا اليوم يُعرف بشكل غير رسمي باعتباره يوم ميلاد الفشار، الذي ترسخت مكانته مع مرور الوقت خاصة بعد ربطه بمشاهدة الأفلام في دور السينما، ليصبح جزءًا لا يتجزأ من تجربة الترفيه السينمائي.
لكن الحقيقة التاريخية تُظهر أن الإنسان كان على معرفة بالفشار منذ آلاف السنين. فقد اكتشف الإنسان القديم طريقة تحضير الفشار مصادفة، حين لاحظ انفجار حبات الذرة وتحولها إلى كتل بيضاء هشة عند تعرضها للحرارة. وأثبتت الحفريات الأثرية وجود حبوب ذرة منتفخة تعود لآلاف السنين، بالإضافة إلى أدوات وأطباق خاصة كانت تُستخدم لإعداد الفشار. كما كانت شعوب أمريكا الوسطى في القرن السادس عشر تستخدم الفشار ليس فقط كغذاء، بل أيضًا كزينة للشعر وقلائد وحلي.
تتنوع النظريات حول أصل الفشار، فمنها ما ينسبه إلى السكان الأصليين في أمريكا الذين كانوا يستخدمون أوان فخارية مثقوبة لتسخين الحبوب مع الزيت، ومنها ما ينسبه إلى المكسيكيين الذين طوروا طريقة غرس كوز الذرة في الرمل الساخن قرب النار. وكلمة "فشار" نفسها تعكس هذه الخاصية، إذ تعني "الذرة التي تنفجر".
خلال التنقيبات الأثرية، عُثر على حبوب ذرة منتفخة يعود تاريخها إلى نحو أربعة آلاف عام، ما يؤكد أن الفشار كان جزءًا أساسياً من النظام الغذائي للسكان الأصليين. وقد ابتكر هؤلاء السكان طرقًا متنوعة لتحضيره، منها وضع كوز الذرة كاملًا في سمن أو زيت ساخن، أو استخدام الأسلاك والشباك لهزه فوق النار، أو ثقب الكوز ودهنه بالزيت ثم وضعه على الرمل الساخن مع التقليب.
وصل الفشار إلى أوروبا عام 1630 مع هدية الزعيم كوديكوين، بينما شهد الولايات المتحدة الأمريكية نقلة نوعية في 1885 مع اختراع رجل الأعمال تشارلز كريتورز لأول آلة محمولة لصنع الفشار، ما ساهم في انتشاره بشكل واسع في الشوارع والمعارض والسيرك.
شهد الفشار انتشارًا كبيرًا خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، خاصة في أزمة الكساد الكبير، حين أصبحت دور السينما في الولايات المتحدة تبيعه للربح، سواء أمام الصالات أو داخل الردهات، ليرتبط الفشار بالشاشة السينمائية إلى الأبد.
اليوم، توجد طرق متعددة لتحضير الفشار، سواء بالميكروويف أو المقلاة أو الآلات المنزلية الخاصة، مع تنوع كبير في النكهات من الزبدة والأجبان إلى البهارات والحلويات. ويشير العلماء إلى أن أصل الذرة الصفراء يعود إلى السكان الأصليين في أمريكا الشمالية، حيث تم تدجين نبات "تيوسينت" وتحويله إلى الذرة الحديثة عبر آلاف السنين من الزراعة الانتقائية، وانتشر بعدها في كافة أنحاء الأمريكتين.
ويظل من الصعب تحديد التاريخ الدقيق لبدء تحضير الفشار بسبب تنوع أصناف الذرة، لكن العلماء اكتشفوا في بيرو بقايا نباتية وحبوب محترقة من ذرة الفشار يقدر عمرها بحوالي 6700 عام. ويُرجح أن الفشار القديم كان يختلف عن الفشار الحالي، إذ كان يُقدّم بدون ملح أو زبدة، ويكون أقسى قليلًا وأقل طراوة.