"أحمد محمود أبو سكر" لا تراه سوى وهو يحاول أن يرسم البسمة على أطفال فقدوا عائلاتهم أو بيوتهم أو مصادر أمانهم، فيضحكون ويلهون بفضله، حتى الكبار لا يملَون من مشاهدته في لحظات فرح يسرقونها من تخام الحياة ومشكلاتها.
فالمهرِج أبو سكر البالغ من العمري 28 عاماً من سكان مخيم البريج وسط قطاع غزة، على الرغم من كل الآلام التي تحيطه والجروح التي يشعر بها يُحاول أن يخفف عن الأطفال والكبار بألعابه بهلوانية ونكاته البسيطة.
استهدف الاحتلال منزل أبو سكر في 14 ديسمبر 2024 ودمره بالكامل، بعد إخلائه وفقاً لأوامر جيش الاحتلال، لكنه دمر كل ما يملكوه، أهمها ذكرياتهم على مدى سنوات.

يقول أبو سكر بحزن وأسى:" بعد أن فقدنا منزلنا، فقدت الأهم وهم أهلى حيث ارتقى أبي وأخي وأختي وأولادها، أما أمي فقد توفت في 2010، فأصبحت لطيماً بلا عائلة".
يضيف:" رغم كل الجروح والآلام والفقد الذي أشعر به، أحاول أن أرسم الابتسامة على وجوه الأطفال، وهذا ما يمكني أن أفعله وأن أقدمه لهم بعد الحرب البشعة التي مرت بنا".
يقدم أبو سكر فعاليات للأطفال داخل المخيمات وأماكن النزوح واللجوء التي يزورها، حتى يزرع الابتسامة ويعطي السعادة لهم.

فأطفال قطاع غزة، عاشوا -ومازالوا- أوضاعاً اقتصادية وإنسانية ونفسية قاسية، بسبب حرب الإبادة التي استمرت عامين وفقدوا فيها عوائلهم ومأواهم فيما قاسوا جراء النزوح المتكرر وحرمانهم التعليم والرعاية الصحية، فضلاً عن مشاهد الموت والدمار والنسف.
وأفادت وزارة الصحة، أن أكثر من 20 ألف طفل ارتقوا خلال الحرب، فيما أصيب الآلاف بجروح متفاوتة، فيما فقد أكثر من 56 ألف طفل أحد والديهم أو كليهما، ليضافوا إلى جيل جديد من الأيتام الذين يعيشون مأساة مزدوجة بين الفقد والخوف، في ظل حصار خانق يمنع دخول المساعدات والدواء وحليب الأطفال.

عن أصعب المواقف التي يمر بها يقول أبو سكر:" في كل فعالية أقدمها أستذكر الحفلات التي كنت أقدمها في بيت العائلة وخاصةً أختي، فأتذكر أبناء أختي الأربعة الذين استشهدوا مرة واحدةً ولم يتبق منهم أحد في وجوه الأطفال.
يضيف: في غالب الأوقات تمر عليا لحظات وودت لو أبكي فيها وبعض الدموع تتراكم في عيوني حزناً وكبداً لكني أتماسك فمن غير الممكن أن أكون سبباً لإحزان الآخرين فأنا المفروض أن أقوم برسم الابتسامة على وجوههم.
يشعر أبو سكر في كثير من الأوقات أنه بحاجة لمن يرسم الابتسامة له، فهو مثل هؤلاء الأطفال المكلومين يحتاج ليضحك ويفرح، لكنه أخذ عهداً على نفسه بأن يخفي حزنه وبكائه لرسم الابتسامة على وجوه الآخرين.
يحاول أحمد أن يظهر فرحته وابتسامته وضحكته للآخرين على الرغم من بؤسه، إلَا أن حبه للناس يفرض عليه أن ينسى ألمه للحظات من أجل لحظة جميلة للآخرين، فيُصر على صنع السعادة.

ويسعى أحمد لأن يستمر في حلمه، ليصنع الابتسامة على الآخرين، فهو يشعر بالفرح عندما يرى ضحكة طفل صغير، رغم كل الأجواء المليئة بالحزن.
يستذكر أحمد بيته، وغرف إخوته بالتفصيل، وكيف كان يستخدم غرفته لصنع محتوى على "التيك توك" بمساعدته، لكن الآن كل شيء انتهى وتدمر حتى الأشخاص ارتقوا ولم يعدْ هناك أحد.
وفي 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 شنت إسرائيل حرب إبادة على قطاع غزة استمرت عامين، وأسفرت عن مقتل أكثر من 70 ألف فلسطيني، وإصابة ما يزيد عن 171 ألف، معظمهم من الأطفال والنساء، إلى جانب تدمير واسع طال 90 في المائة من البنى التحتية، بما فيها المنازل والمدارس والمراكز الصحية.
وتسببت الحرب التي انتهت بوقف إطلاق نار دخلت مرحلته الأولى حيز التنفيذ في 10 أكتوبر الماضي، في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، مع تفشي المجاعة وانهيار الخدمات الأساسية، وتحويل ملايين الفلسطينيين إلى نازحين يعيشون في خيام ومراكز إيواء تفتقر لأدنى مقومات الحياة.
تصوير: محمد سكيك




