"إسرائيل" تنهب أكثر من مليار دولار من غزة

اقتصاد غزة بين التنسيقات والضرائب ومحدودية البضائع: قرارات "إسرائيلية" يدفع ثمنها المواطن

الساعة 11:17 ص|07 يناير 2026

فلسطين اليوم

"من لم يقتل بالسيف مات بغيره".. هذه السياسة التي اتبعتها "إسرائيل" في حربها الضروس على قطاع غزة التي استمرت عامين ومازالت تداعياتها مستمرة، فالعدوان لم يكن عسكرياً فقط، بل تعداه لكافة مناحي الحياة، فتدمير الاقتصاد وسوء الأوضاع المعيشية والإنسانية والتهجير والتدمير كلها كانت سياسات عنصرية تتعامل فيها "إسرائيل" لقتل الإنسان الفلسطيني بكل السبل.

ولاشك أن الاقتصاد كأهم شريان للحياة في قطاع غزة، هو الأكثر تضرراً كونه الأكثر أثراً على كافة المناحي، فكانت "إسرائيل" تسعى لتدميره ليعاني الفلسطيني الأمرين جراء الأوضاع الاقتصادية المتردية، والتي وصلت للانهيار التام.

"فإسرائيل" منعت إدخال المساعدات التجارية، فيما فرضت ضرائب باهظة على ما يتم إدخاله حتى بعد إعلان اتفاق وقف النار، وتدخلت في نوعية السلع والمواد التي يتم إدخالها، كما فرضت سياسة التنسيقات الخطيرة، لتتحول الحرب الاقتصادية سلاح جماعي ونهب لمقدرات الإنسان.

ويصبح إجمالي ما جمعته "إسرائيل" من قطاع غزة أكثر من مليار دولار خلال عاميْ الحرب، عبر تجارة مفروضة بالقوة، ونهب منظم تحت غطاء التجارة واستخدام السوق كسلاح جماعي لمعاقبة السكان.

ضرائب باهظة

ووفق تقرير نشرته إذاعة جيش الاحتلال، فإن "إسرائيل" تفرض على التجار في قطاع غزة ضريبة القيمة المضافة بما يقدر بنحو 80 مليون شيكل شهريًا، فيما أن حجم التجارة الخاصة بين "إسرائيل" وقطاع غزة يقترب حاليًا من 400 مليون شيكل شهريًا، حيث يعبر يوميًا نحو 100–150 شاحنة محملة بالبضائع، معظمها مواد غذائية، من المعابر الحدودية.

ومن المفترض أن يتمكن التجار من خصم ضريبة القيمة المضافة هذه مقابل مستحقاتهم لدى السلطة الفلسطينية، إلا أن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، قرر تجميد تحويل أموال التسويات المالية للسلطة الفلسطينية منذ أكثر من ستة أشهر.

ونتيجة هذا التجميد، تواجه السلطة صعوبة في دفع رواتب موظفي القطاع العام، كما تضطر إلى تقليص الخدمات الأساسية التي تقدمها للمواطنين.

وتبقى هذه الأموال محتجزة في "إسرائيل" ولا تُحوّل للسلطة الفلسطينية، ضمن ما تعرف بقرارات تجميد التحويلات المالية لأسباب سياسية.

ويأتي ذلك في سياق اتفاق أوسلو، الذي ينص على أن "إسرائيل" تجمع الضرائب والرسوم نيابة عن السلطة الفلسطينية، بما فيها ضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية، على أن تُحوّل لاحقًا إلى السلطة. لكن تجميد التحويلات المالية يخلق ضغوطًا كبيرة على الاقتصاد الفلسطيني، ويؤثر مباشرة على القدرة على دفع الرواتب وتوفير الخدمات الأساسية في قطاع غزة.

وسمحت سلطات الاحتلال الإسرائيلي لتجار من قطاع غزة بإدخال بضائع يُمنع على المنظمات الإنسانية إدخالها، بزعم أنها ذات استخدام مزدوج، ما يشكل "نظامًا موازيًا من الضوابط"، وفقًا لما نشرت صحيفة "الغارديان" البريطانية، الخميس الماضي.

ويُدرِجُ الاحتلال الإسرائيلي إمدادات أساسية منقذة للحياة ضمن قائمة سوداء طويلة يُحظر دخولها إلى قطاع غزة، بزعم أنها "ثنائية الاستخدام"، بما في ذلك المولدات وأعمدة الخيام.

وتزعم حكومة الاحتلال أن إدخال هذه المواد يجب أن يكون مقيّدًا بشدة لأنها قد تُستغل من قبل حماس أو جماعاتٍ مسلحة أخرى لأغراض عسكرية. ومع ذلك، وعلى مدى شهرٍ على الأقل، سمحت للتجار بنقل العديد من هذه المواد المحظورة، بما في ذلك المولدات والمنصات المعدنية، التي تُعد أكثر متانة في أمطار الشتاء والطين مقارنة بالبدائل الخشبية.

تجارة القهر في غزة

المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر، رأى أن ما تم نشره من مبلغ 80 مليون شيكل شهرياً قليل مقارنةً بحجم ما تم احتسابه، فجيش الاحتلال كان يحصل على "أتاوة" قد لا تعلم عنها "إسرائيل"، فحتى الجندي كان يحصل على أموال مقابل تمرير شاحنة على شارع صلاح الدين من نتساريم في فترة المجاعة، ماقبل انتهاء الحرب.

ولفت إلى أن القيمة المضافة هي ضريبة تفرضها القوانين الفلسطينية، لكن ما تحصل عليه "إسرائيل" هو ضريبة غير قانونية ومفروض بالقوة ما يعرف بـ"أتاوة"، وسرقة علنية من الفلسطينيين، حتى أنهم لا يعطون فواتير للتجار فهي غير قانونية، ولا تدخل في حساب دولة الاحتلال.

وبين، أن ما يُفرض اليوم على آلية إدخال البضائع إلى قطاع غزة لا يمكن فصله عن سياسة اقتصادية قسرية وممنهجة، تهدف إلى إعادة إنتاج السيطرة الإسرائيلية عبر أدوات السوق وليس عبر الإجراءات العسكرية فقط.

واعتبر أن المسألة لم تعد تنظيما لعملية تجارية أو ضبطا للمعابر، بل تحولت إلى احتكار صريح تتحكم فيه 4 شركات إسرائيلية فقط بمسار السلع وكمياتها وأسعارها، ما يعني عملياً مصادرة القرار الاقتصادي الفلسطيني وتحويل السوق الغزي إلى ملحق تابع للاقتصاد الإسرائيلي.

وأكد أبو قمر، أن الأخطر في هذه المنظومة هو ما يعرف بـ"التنسيقات"، وهي رسوم مالية تفرضها إسرائيل على الشاحنات الداخلة إلى غزة، وتتراوح بين 300 ألف و900 ألف شيكل للشاحنة الواحدة.

وبين، أن هذه المبالغ الهائلة لا يتحملها التاجر، بل تُرحّل مباشرة إلى المستهلك النهائي، فتنعكس ارتفاعا حادا في الأسعار، يدفعه المواطن الغزي الذي يعيش أصلا تحت خط الكفاية وفي ظروف إنسانية بالغة القسوة.

وقال أبو قمر:" رغم الاتفاقات المعلنة على إدخال نحو 600 شاحنة يوميا، لا تلتزم إسرائيل سوى بإدخال ثلث هذا العدد في أفضل الأحوال، وغالبية هذه الشاحنات تحمل بضائع تجارية، مقابل عدد محدود جدا من المساعدات الإنسانية."

واعتبر، أن الأخطر من ذلك أن نوعية البضائع نفسها لا تعكس احتياجات السكان، حيث يتم إغراق الأسواق بسلع منخفضة القيمة، مع الاستمرار في منع أو تقييد إدخال مواد الإيواء والمواد الخام والمدخلات الإنتاجية القادرة على إعادة تحريك عجلة الاقتصاد.

سوق هشة وفوضى الاستيراد

أما الاستيراد، فأوضح أبو قمر أن ما تشهده أسواق قطاع غزة اليوم ليس مجرد اختلال مؤقت في حركة البضائع، بل حالة فوضى استيراد غير مسبوقة، نتجت عن غياب الرقابة الفعلية على المعابر التي يُسمح من خلالها بإدخال السلع، وتعطل آليات الفحص والتدقيق التي كانت معمولا بها قبل الحرب، لافتاً إلى أن هذا الواقع خلق سوقا هشة تحكمها الضرورة أكثر مما تحكمها القواعد.

وأوضح، أنه تدخل إلى الأسواق بضائع بلا بطاقة بيان ولا بلد منشأ ولا تواريخ إنتاج وانتهاء واضحة، ما يضع المستهلك أمام مخاطر صحية حقيقية، ويحوّل عملية الشراء إلى مجازفة يومية.

ورأى أن الأخطر أن هذه الفوضى فتحت الباب أمام الغش التجاري، خصوصا في سلع أساسية وحساسة مثل اللحوم والمجمدات وزيت الزيتون، الذي يفترض أن يكون رمزا للأمان الغذائي لا مصدر تهديد للصحة.

واستدرك أبو قمر:" لكن الصورة ليست أحادية، فالتاجر يعمل في بيئة خانقة، من تكاليف استيراد مرتفعة وتنسيقات معقدة وقدرة شرائية شبه معدومة، وفي ظل هذه الظروف، يصبح اللجوء إلى بضائع قريبة من انتهاء الصلاحية خيارا اضطراريا للبقاء لا بالضرورة نية للغش.

واعتبر أن المشكلة الجوهرية هنا ليست في السوق وحده، بل في غياب معابر تقوم بدورها الرقابي، ما يجعل السوق ساحة مفتوحة بين الحاجة الماسة للسلع، وسلامة ما يُعرض منها، وبين هذا وذاك، يبقى المستهلك الحلقة الأضعف والضحية الأولى لهذه الفوضى.