اقتصاد غزة 2025: عام الخراب والانهيار الشامل

الساعة 09:15 ص|02 يناير 2026

فلسطين اليوم

بعد انقضاء عام 2025، لم يكن القطاع الاقتصادي الهش في قطاع غزة المحاصر بعيداً عن كوارث حرب الإبادة الجماعية التي شنها جيش الاحتلال الإسرائيلي على مدار عامين كاملين، حيث أحدث العدوان المستمر منذ السابع من أكتوبر 2023 زلزالاً كبيرًا في بنيته الحيوية خلف أرقامًا قياسية وغير مسبوقة على صعيد الانكماش الاقتصادي والركود الشديد الذي وصول إلى حد الانهيار والشلل المالي التام.

وبالرغم من التوصل إلى اتفاق الهدنة الأخير والمبرم في مصر في أكتوبر الماضي، إذ أصبح من الصعب جدًا إحداث خرقًا في القطاع الاقتصادي المهم والنهوض به من جديد نحو تحسن الوضع المعيشي لأكثر من مليوني مواطن، وذلك بعد تدمير كل مكوناته وقطاعاته إلى جانب غياب مرحلة التعافي المبكر وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

انكماش اقتصادي

وصف المحلل الاقتصادي أبو قمر، عام 2025 اقتصاديا عام الخراب الاقتصادي. وقال: "هذا العام لا يشبه أي أزمة سابقة مر بها القطاع، لا من حيث العمق ولا من حيث الشمول. لأول مرة في التاريخ الحديث لغزة، لا نتحدث عن اقتصاد متضرر بل عن اقتصاد مُلغى عملياً من الواقع".

وأوضح أبو قمر، في حديث لـ"وكالة فلسطين اليوم الإخبارية"، أن القطاعات الاقتصادية انهارت بشكل شبه كامل خلال 2025، الإنشاءات تراجعت بنسبة 99% والصناعة 94% والزراعة 92% والخدمات 82%. هذه الأرقام تعني عمليا توقف الإنتاج وانقطاع الدخل وتحول المجتمع بأكمله إلى اقتصاد بقاء لا اقتصاد تنمية.

أما على مستوى الإمدادات، أشار إلى أن عام 2025 عاما لم يكن عاديا، إذ دخل إلى غزة بمعدل 157 شاحنة يوميا فقط، أي أقل من 30% من الاحتياج الفعلي، فيما شهدت الأسعار قفزات قياسية وصلت إلى أكثر من 3000% خلال ذروة المجاعة.

ويرى العام الماضي أنه عام غير مسبوق ليس حجم الخسائر فقط، بل تزامن الانهيار الاقتصادي مع تجويع ممنهج وغياب أي أفق للإعمار، مبينًا أن الحديث عن التعافي دون تغيير جذري في الواقع السياسي والاقتصادي يبقى مجرد وهم مؤجل.

وقال المحلل الاقتصادي، محمد أبو قمر: إن "عام 2025 انتهى بأوضاع مأساوية من الناحية الاقتصادية، واستدل على ذلك بأرقام غير مسبوقة حيث بلغت نسبة الانكماش الاقتصادي في غزة نحو 84 بالمئة مقارنة بعام 2023".

وأضاف أبو قمر، أن البطالة في القطاع وصلت في العام الماضي إلى 80 بالمئة، فيما بلغت معدلات الفقر إلى 93 بالمئة جراء الحرب، وهي أدلة واضحة على هذا الانكماش.

كما وأوضح أن نسبة المواطنين الذين يعتمدون على المساعدات الإنسانية الطارئة في غزة ارتفعت من 60 بالمئة قبل الحرب إلى 95 بالمئة في الوقت الحالي، ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه القطاع شح في المساعدات بسبب إجراءات الاحتلال اتجاه ذلك.

على صعيد الحركة التجارية، بين أبو قمر، أن البروتوكول الإنساني في اتفاق وقف إطلاق النار حدد دخول 600 شاحنة كحد أدنى يوميا، في حين وصلت حاجة القطاع إلى ألف شاحنة، كما لا تلتزم (إسرائيل) بهذه الكمية، وما يدخل هو ثلثي الكمية .

إلى جانب ذلك، لا يلتزم الكيان المحتل، بحسب المحلل الاقتصادي، بالسماح بإدخال النوعيات من السلع، حيث يسمح بإدخال بضائع ذات قيمة أقل، ويمنع إدخال السلع الغذائية ذات القيمة الأكثر أهمية، إضافة لمنعه إدخال الوقود وتقطير شاحنات غاز الطهي.

وأشار إلى أن نسبة العجز في الميزان التجاري ارتفع بصورة كبيرة جدا، إذ بلغت نسبة الصادرات إلى صفر مقارنة بنسب الشاحنات المستوردة.

كما وقال أبو قمر: "غزة أمام سيناريوهان في عام 2026، الأول تقليل نسب معدلات البطالة والفقر لأكثر من النصف تقريبًا، مع الدخول في المرحلة الثانية والثالثة وما يترتب فيهما من فتح المعابر وإدخال كميات أكبر من المساعدات والبدء في إعادة الاعمار".

والسيناريو الثاني، هو بقاء الوضع على ما هو عليه، حيث اعتبره المحلل الاقتصادي، بـ"السيناريو الأكثر تشاؤمًا".

وقال المحلل الاقتصادي تيسير الطباع، أن الوضع الاقتصادي في غزة وصل إلى الانهيار شبه الكامل وغير المسبوق تاريخيًا، إذ تسببت الحرب في محو مكاسب تنموية تراكمت على مدار عقود في دمار هائل بكل شيء تجاوز 90 بالمئة في كافة القطاعات الاقتصادية والإسكان والبنية التحتية.

وأضاف الطباع، في مقالٍ له، أن الخسائر الناجمة عن هذا الدمار تقدر بحوالي 70 مليار دولار، ومنذ بدء العدوان تنامت معدلات الفقر والبطالة واتسعت فجوة انعدام الأمن الغذائي وصولا إلى المجاعة التي استمرت لأشهر.

وأشار إلى أن مؤشرات النمو والإنتاج تعرضت لانهيار كبير حيث شهد الناتج المحلي الإجمالي في غزة انخفاضاً حاداً جعل الاقتصاد يعود إلى مستوياته قبل أكثر من 20 عاماً، موضحاً أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي انخفض في بنسبة تتجاوز 84% خلال عام 2025 مقارنة مع عام 2023  وصولا إلى الانكماش الاقتصادي.

كما وانخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى حوالي161  دولاراً فقط، وهو الأدنى عالمياً، حيث فقد الفرد نحو 94% من قوته الاقتصادية مقارنة بعام 2005، وذلك بفعل توقفت وتراجع معظم الأنشطة الإنتاجية (الزراعية، الصناعية، والإنشائية) بشكل شبه كلي نتيجة التدمير المباشر للمنشآت والبنية التحتية، بحسب الطباع.

ومعظم الأنشطة الاقتصادية في القطاع خلال العام 2025 تراجعت إلى حد كارثي مقارنة بالعام 2023، كما يقول الطباع، الذي أوضح أن نشاط الإنشاءات سُجل أعلى تراجع بنسبة بلغت 99%، والصناعة بنسبة 94%، والخدمات بنسبة 82%، والزراعة 92%.

وبخصوص البطالة، فقد ارتفعت بشكل جنوني لتصل إلى 78% بعد أن كانت حوالي 45% قبل الحرب وهي الأعلى عالميا.

وأكثر من 250 ألف شخص فقدوا وظائفهم بشكل دائم، مما يعني فقدان مصدر الدخل الأساسي لمعظم العائلات. كما وتشير التقديرات بخصوص معدلات الفقر، إن90% من سكان قطاع غزة يعيشون حاليًا تحت خط الفقر وأكثر من 75% منهم يعيشون تحت خط الفقر المدقع (اقل من 1.90 دولار للفرد يوميًا).

علمًا أن خط الفقر في فلسطين يبلغ حوالي 2,717 شيكل "إسرائيلي"، فيما بلغ خط الفقر المدقع (الشديد) حوالي 2,170 شيكل إسرائيلي.

وخلال عام 2025 وصل انعدام الأمن الغذائي في غزة إلى مستويات حرجة رغم وجود "تحسن نسبي" طفيف مقارنة بمنتصف العام الذي شهد ذروة المجاعة، وبلغت نسبة المتضررين حوالي 1.6 مليون نسمة، (أي 77% من سكان القطاع) عانوا من انعدام الأمن الغذائي الحاد.

وتؤكد كافة المؤشرات السابقة، كما يبين الطباع، بأن قطاع غزة حاليا يعيش في حالة انهيار كارثية، حيث أن القطاع أصبح نموذج لأكبر سجن بالعالم وجميع السكان معتقلين منذ أكثر من عامين، بلا إعمار، بلا معابر، بلا ماء ، بلا كهرباء، بلا عمل، بلا دواء، بلا حياة، بلا تنمية.

وأوضح أنه أصبح المطلوب بشكل عاجل وسريع من كافة المؤسسات والمنظمات الدولية والمجتمع الدولي الضغط الفعلي والحقيقي على إسرائيل لإنهاء حصارها لقطاع غزة وفتح كافة المعابر التجارية وإدخال كافة احتياجات قطاع غزة من السلع والبضائع وعلى رأسها مواد البناء دون قيود أو شروط، والسماح بحرية حركة المواطنين.

أزمة سيولة

ولا يزال قطاع غزة على مدار العامين الماضيين يواجه أصعب الأزمات الذي أحدثتها الحرب المدمرة، وهي أزمة سيولة نقدية حادة زادت من سوء المجاعة المتفشية بين السكان. وهذه الأزمة انهكت المواطنين واتعبتهم في عملية الشراء والبيع بالأسواق، في ظل تدمير الاحتلال المصارف والبنوك.

استمرار منع الاحتلال في إدخال العملات النقدية منذ بداية الحرب إلى القطاع، عمق من أزمة السيولة ما أدى إلى شلل مالي واسع النطاق.

وتجاوزت نسبة الحصول على السيولة النقدية من أصحاب المحالات المصرفية أو المنتفعين 50%.

كل أفرع البنوك في شمال وجنوب القطاع تم تدميرها أو تعطيلها خلال الخرب،  كما بقيت 7 صرافات آلية تعمل من أصل 91 صرافا آليا كانت عاملة في القطاع قبل هذه الحرب.

انخفاض القوى العاملة

جهاز الإحصاء الفلسطيني، أكد: "استمرار انكماش اقتصاد قطاع غزة خلال عام 2025 بنسبة إضافية بلغت 8.7 في المئة، إذ وصلت البطالة إلى مستويات قياسية، حيث بلغت 46 في المائة من القوى العاملة الفلسطينية (28 في المائة في الضفة الغربية و78 في المائة في قطاع غزة)، وهي من أعلى النسب عالميًا".

وأوضح في أحدث تقاريره، أن عدد العاطلين عن العمل بلغ نحو 650 ألف شخص، ما يعكس عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الفلسطينيون.

غلاء الأسعار والمعيشة

وبخصوص غلاء أسعار المواد الغذائية والسلع، إذ شهدت الأسواق في غزة خلال عام 2025 ارتفاعا غير مسبوق في الأسعار وبالرغم من سماح الاحتلال بإدخال شاحنات المساعدات والتجاري انخفضت أسعار السلع للمواد الغذائية بشكل ملحوظ، إلا أنها لم تكن بالشكل المتعارف عليه قبل الحرب.

وكالة الأمم المتحدة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الاونروا"، حذرت في وقت سابق العام الماضي، من خطورة هذا الامر، التي اكدت أنها وصلت إلى مستويات غير مسبوقة جراء تدمير إسرائيل الأراضي الزراعية وسيطرتها عليها.

وأصبحت جميع الأراضي الزراعية في القطاع "مدمرة أو يتعذر الوصول إليها" بعد حرب الإبادة التي استخدم فيها الاحتلال شتى أنواع الأسلحة إلى جانب عمليات التجريف الواسعة للأراضي، ما ترك العائلات بلا دخل ورفع أسعار المواد الغذائية، بحسب بيان وكالة "الاونروا".

العائلات الفلسطينية التي كانت تعيش من نتاج أرضها بغزة لم يعد لديها أي مصدر دخل، وفق البيان، وبالتالي لا تستطيع تحمل تكلفة المواد الغذائية حتى بعد عودتها إلى الأسواق".

وذكرت وكالة الغوث حينها مثالاً على هذا الوضع المتردي والمستمر، إذ وصل "كيلو الطماطم الذي كان سعره سابقا 60 سنتا أصبح الآن 15 دولارا إن وُجد أصلا"، داعيةً إلى "ضرورة تدفق غير مقيد للمساعدات الإنسانية إلى غزة، إلى أن يتم إعادة بناء القطاع الزراعي".

كلمات دلالية