على الرغم من أن عام 2025، شهد وقفاً لحرب "إسرائيلية" دموية دامت عامين كاملين، إلا أن مشهد التدهور الإنساني والمعيشي مازال مستمراً، وسط انهيار اقتصادي واجتماعي وصحي، لتبقى الجراح عميقة والآمال مُعلقة على جهود دولية لضمان الزام "إسرائيل" بوقف النار وإعادة الإعمار، وسط مخاوف من استمرار الحالة الإنسانية كارثية خلال العام المقبل.
فهذا العام على الرغم أنه شهد اتفاقاً لوقف إطلاق النار أوقف حرباً دامية استمرت لعامين، لكنه كان عاماً ثقيلاً على كاهل الغزيين من موت ونزوح وجوع، فكان عاماً استثنائياً في حياة السكان في قطاع غزة، كان له آثاره وتداعياته، خاصةً بعد خرق الاحتلال الهدنة في مارس 2024، لتستمر المأساة في عام 2025، فشهد خسائر أولية مباشرة في 15 قطاعاً حيوياً بأكثر من 33 مليار دولار أمريكي.
موت وفقد وحرمان
كان العام مليئاً بالدم والفقد والحرمان، حيث اشتدت الآلة العسكرية الإسرائيلية، فارتقى (29,117)، منهم: 25,717 شهيداً وصلوا إلى المستشفيات، وأكثر من 3,400 مفقود ما زال مصيرهم مجهولاً، بينهم شهداء تحت الأنقاض، بينهم أكثر من 5,437 طفل و2,475 امرأة ارتقوا شهداء، حيث يُشكّل الأطفال والنساء وكبار السن نحو 50% من إجمالي الشهداء.
كما شهد السكان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم أجمع تمثلت في الجوع والفقر مع إحكام إغلاق المعابر ومنع إدخال المساعدات، كما عاش السكان أكبر حالة نزوح بعد إخلاء مدينة غزة واجتياحها بالكامل، فضلاً عن التقلبات الجوية والشتاء الذي قسى على السكان فأودى بحياة العشرات بسبب البرد وانهيار المباني المهدمة، فيما استمرت معاناة سكان المناطق الحدودية بسبب ما يُعرف بالخط الأصفر.
أسوأ الأزمات الإنسانية جوع وفلتان أمني
شهد عام 2025 واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم الحديث، فمع استمرار الحرب على قطاع غزة واتساع رقعة الدمار وانهيار كافة مقومات الحياة الأساسية بالقتل والتدمير، حاول الاحتلال قتله بالتجويع لتتجاوز المأساة حدود الكارثة الإنسانية التي أودت بحياة العشرات جلهم أطفال ومرضى لم تحتمل أجسادهم الجوع والإنهاك، وسط عجز شبه كامل للمنظومة الإنسانية عن الاستجابة لاحتياجات ملايين المتضررين.
فقد عمّق عام 2025 مشهد الجوع والفقر في قطاع غزة إلى مستويات غير مسبوقة، إذ تحوّل الحصول على وجبة واحدة يوميًا إلى معركة بقاء، في الوقت الذي أغلقت فيه "إسرائيل" المعابر ومنعت دخول المساعدات في مارس 2024، فاستمرت الأزمة الإنسانية وانتشرت مظاهر سوء التغذية، خصوصًا بين الأطفال، في ظل ارتفاع الأسعار، وانعدام المواد الأساسية، وتحول الفقر إلى حالة عامة لا تستثني أحدًا.
وارتقى 475 شهيداً نتيجة الجوع وسوء التغذية، من بينهم 165 طفلاً، و23 شهيداً جراء عمليات إنزال مساعدات خاطئة، و622 مريض كلى من أصل 1244 توفوا بسبب نقص الغذاء والرعاية (أي ما نسبته 50%)، وأكثر من 4,441 حالة إجهاض نتيجة انعدام الرعاية الصحية وسوء التغذية.
هذا الجوع القاتل، دفع المواطنين المكبلين بالنار والفقر، للذهاب لمراكز المساعدات الإنسانية في قطاع غزة، التي أُنشئت بوصفها ملاذًا أخيرًا للجوعى والمحاصرين، وتحولت إلى ساحات موت مفتوحة خلال الحرب، بعدما استشهد فيها العشرات من المدنيين وهم ينتظرون حصصًا غذائية أو مساعدات إغاثية.
أكبر موجة نزوح
شهد 2025 أكبر موجة نزوح جماعي في تاريخ مدينة غزة، بعدما تحوّلت أحياؤها المكتظة إلى ساحات قصف مفتوحة، أُجبرت على إثرها مئات الآلاف من العائلات على مغادرة منازلها مرارًا تحت وطأة الإنذارات والتهديدات المباشرة، فلم يكن نزوح سكان المدينة انتقالًا عابرًا من حيّ إلى آخر، بل رحلة قسرية محفوفة بالخطر، تكررت من الشمال إلى الجنوب ثم عادت لتدور في حلقة مغلقة من الهروب والعودة القسرية.
ومع كل موجة نزوح، تعمّقت الصدمة النفسية والاجتماعية لسكان غزة المدينة، حيث فُقد الإحساس بالأمان كليًا، وتحوّلت البيوت إلى ذكريات معلّقة، في ظل غياب أي ضمانات للحماية أو حتى أماكن آمنة يمكن اللجوء إليها، واضطر السكان لبيع ممتلكاتهم مرة خشية من السرقة والنهب ومرة بسبب عدم قدرتهم على التكلفة المالية للنزوح.
وخلال العام 2025، دمر الاحتلال 106,400 وحدة سكنية كلياً، و66,000 وحدة بشكل بالغ غير صالح للسكن، و41,000 وحدة جزئياً، فيما تشرد أكثر من 213,000 أسرة، ونزوح قسري طال قرابة مليوني إنسان، واستهداف 87 مركز إيواء.
شتاء قاسي ضاعف المأساة
كان الشتاء قاسياً في 2025، فضاعفت المنخفضات الجوية مأساة النازحين، فتطايرت خيامهم المهترئة التي لا تقي من البرد ولا المطر وغرقت، حيث تحولت الأمطار إلى كابوس يومي، فأتلفت ما تبقى لديهم من مقتنيات، لتتضاعف معاناة العائلات التي تقاوم البرد والعوز في ظروف غير إنسانية.
وقد أسفرت تداعيات هذه المنخفضات الجوية عن وفاة 25 مواطناً من بينهم ستة أطفال قضوا نتيجة البرد القارس فيما توفي الآخرون جراء انهيارات المباني والسقوط في آبار وبرك تجميع مياه الأمطار، حيث أن هذه المنازل تعرضت للقصف من قبل الاحتلال "الإسرائيلي".
فقد انهارت 18 بناية سكنية بشكل كامل ما خلّف خسائر بشرية ومادية جسيمة، كما تعرّضت أكثر من 110 بناية سكنية لانهيارات جزئية خطيرة تشكّل تهديداً مباشراً لحياة آلاف المواطنين القاطنين فيها أو بمحيطها، فيما تطايرت وغرقت أكثر من 90% من خيام النازحين نتيجة شدة الرياح وغزارة الأمطار في مشهد يعكس حجم الكارثة الإنسانية القائمة، فيما أدى تضرّر خيام المواطنين إلى فقدان آلاف الأسر لمأواها المؤقت، وتسبّب في تلف الملابس والأفرشة والأغطية وفاقم من معاناة إنسانية غير مسبوقة.
تراجع المساعدات وتقليصها
لم تكتف "إسرائيل" بقتل الفلسطينيين بالصواريخ، بل عمدت على قتلهم جوعاً بمنع وتقليص المساعدات، حتى بعد الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار، ففي الوقت الذي مازالت تمنع وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الأونروا العمل في غزة، وجدت الكثير من المنظمات الإغاثية نفسها أمام عراقيل غير مسبوقة، ما أدى إلى نقص حاد في الغذاء والدواء والمأوى، وزاد من تعقيد المشهد الإنساني في القطاع.
ووفق المكتب الإعلامي الحكومي، فإن إسرائيل لم تلتزم بالحدّ الأدنى من كميات المساعدات المتفق عليها، حيث لم تدخل سوى 40% فقط مما تم الاتفاق عليه ما أدى إلى استمرار النقص الحاد في الغذاء والدواء والمياه والوقود، وتعميق مستوى الأزمة الإنسانية الكارثية في قطاع غزة، فيما بقيت المستشفيات والمخابز ومحطات المياه والصرف الصحي في حالة شبه شلل بسبب شح الوقود.
الخط الأصفر
بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر 2025، تراجعت قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى منطقة عرفت بـ"الخط الأصفر"، ويُحظر على الفلسطينيين دخول المناطق السكنية والزراعية الواقعة خلف هذا الخط، وهو نطاق يشكّل نحو 58% من مساحة القطاع، ويواجه كل من يقترب منه خطر الاستهداف المباشر من الجيش الإسرائيلي، حيث ثبّت جيش الاحتلال كتلاً إسمنتية صفراء كبيرة لتحديده ميدانيا، مُحوّلا إياه إلى حزام واضح يمثل نطاق تمركز قواته ضمن المرحلة الأولى من الاتفاق.
إلا أن الاحتلال الإسرائيلي واستمراراً لخرق اتفاق وقف إطلاق النار في جريمة ممنهجة تهدف إلى توسيع الدمار ومعاقبة السكان جماعياً، بما يرقى إلى خرق جسيم لأحكام اتفاقيات جنيف، حيث تعيش مئات العائلات القريبة من الخط الأصفر، في بلدة بني سهيلا شرقي خان يونس والشجاعية والتفاح والزيتون شرقي مدينة غزة، أوضاعا أمنية صعبة، بسبب القصف ونسف المباني المستمر.
وفمنذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، استشهد 356 فلسطينيا برصاص وقصف القوات الإسرائيلية، التي واصلت استهداف المدنيين رغم تثبيت حدود ميدانية للخط، بل طالت الاعتداءات مناطق تقع خارجه.
هدنة هشة وخروقات مستمرة للاتفاق
في 18 مارس 2025 ، انهارت الهدنة التي أبرمتها حركة حماس مع إسرائيل بوساطة أمريكية مصرية قطرية، فلم تصمد طويلاً أمام التصعيد الإسرائيلي، فعادت آلة الحرب من جديد بأكثر قسوة ودموية، فاشتد القصف والتدمير والنزوح، في كل مكان، في حين عجز المجتمع الدولي عن فرض وقف دائم لإطلاق النار يحمي المدنيين.
وعلى الرغم من أن قطاع غزة شهد بعد عامين كاملين وقفاً لإطلاق النار في أكتوبر 2025، إلا أن خروقات الاحتلال مازالت مستمرة، فارتكب حتى تاريخ التقرير ما يُقارب من 970 خرقاً، مما أسفر عن استشهاد 418 فلسطينيا وإصابة 1141 آخرين، ونسف وتدمير 162 منزل ومؤسسة وبناية مدنية، فيما لم يلتزم الاحتلال بالحد الأدنى من كميات المساعدات المتفق عليها في البروتوكول الإنساني الملحق بالاتفاق، إذ دخل إلى قطاع غزة 19 ألفا و764 شاحنة فقط من أصل 48 ألفا يفترض إدخالها خلال 80 يوما، بمتوسط 253 شاحنة يوميا من أصل 600 مقررة، أي بنسبة التزام لا تتجاوز 42%.
أما شحنات الوقود، فوصل منها 425 شاحنة فقط من أصل 4 آلاف مخصصة وفق الاتفاق، بمتوسط 5 شاحنات يوميا من أصل 50، أي بنسبة التزام تقارب 10%، مما أبقى المستشفيات والمخابز ومحطات المياه والصرف الصحي في حالة شبه شلل.
عام التضامن العالمي
على الرغم من الحرب الشرسة التي استمرت في عام 2025، وفشلت كل المحاولات الدولية لإيقافها، إلا أنها حظيت في هذا العام بتضامن دولي عالمي كبير، فكان محطة فارقة في تصاعد التضامن العالمي مع غزة، وشهدت عواصم العالم مظاهرات حاشدة، وحملات ضغط شعبية، ومواقف حقوقية تطالب بوقف الحرب ومحاسبة الصهاينة، الأمر الذي ساهم في إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الوعي العالمي، خاصةً مع مشاهد الجوع التي رفضها العالم أجمع وأجبر الاحتلال وقتها على إنشاء مراكز المساعدات التي عرفت بمصائد الموت.