في سياق تبعيات حرب الإبادة الجماعية الكارثية على قطاع غزة التي امتدت لعامين كاملين وأكثر، لا تزال تداعيات استهداف جيش الاحتلال الإسرائيلي لمنظومة المياه وانعكاساتها السلبية قائمة بل وتزداد صعوبة على ما يزيد عن مليوني مواطن في ظل استمرار الحصار المفروض وعرقلة الحلول من قبل الاحتلال جراء استمرار إغلاق المعابر وفرض القيود.
وأكثر من ثلثي مرافق مياه الشرب ومياه الصرف الصحي داخل القطاع خرجت عن الخدمة فعليًا بعد أن تم تدميرها ونسفها كليًا، إذ تعمد الاحتلال ذلك خلال الحرب الدامية ضمن مخطط أوسع يرنو إلى تدمير الحياة وتكون غزة منطقة لا تُصلح للعيش فيها.
مدير الدائرة الفنية والتشغيل في مصلحة مياه بلديات الساحل بغزة، م. عمر شتات، قال: إن جيش الاحتلال الإسرائيلي دمر خلال حرب الإبادة على القطاع أكثر من 70 بالمئة من مرافق المياه والصرف الصحي، وهو ما انعكس سلبًا وفاقم من صعوبة الحياة للسكان والنازحين.
وقال شتات، لـ"وكالة فلسطين اليوم الإخبارية": "نتعامل اليوم مع حوالي 20 إلى 30 بالمئة مما تبقى من هذه المرافق بقدرة تشغيل لا تزيد عن 35 بالمئة لتغطية احتياجات مليوني مواطن"، مشيرًا إلى أن معدل استهلاك الفرد في اليوم الواحد بعد الحرب بلغ خمسة لترات، بعد أن كان سابقًا 35 لترا.
وأوضح المسؤول في مصلحة المياه، أن لديهم ثلاثة خطط للتعامل مع مسألة القدرة على توفير المياه الصالحة للاستخدام ومياه الشرب، وأولها خطة الاستجابة العاجلة المتمثلة في سد احتياجات الناس الطارئة من خلال تأمين الصهاريج وتشغيل الآبار وبعض محطات التحلية.
أما عن الخطتين الأخرتين، وهما: خطة التعافي وإعادة الأعمار، قال شتات: "لم نصل إليهما بعد"، مبينًا أبرز التحديات في تنفيذ خطة الاستجابة الطارئة، وهي قطع الكهرباء وعدم دخول الوقود بشكل منتظم ومعدات الإصلاح وقطع الغيار ومستهلكات المرافق العاملة من المعابر إلى القطاع.
وأضاف أن هناك بعض مرافق الآبار ومحطات التحلية تقع بالقرب وخلف الخط الأصفر غير مسموح لهم التعامل معها سواء بالتشغيل أو اصطلاحها وهم بحاجة إلى تنسيق أمني من الجانب "الإسرائيلي" طوال الوقت للوصول إليها،
ولفت إلى أن هذا الأمر مستمر منذ بدء الحرب في السابع من أكتوبر 2023، وبالرغم من التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار الأخير.
وعن مخاطر تسرب مياه الصرف الصحي واختلاطها بالمياه الجوفية وبخطوط شبكات نقل المياه الصالحة للشرب، قال شتات: "نحاول أن نسابق الزمن في إصلاح خطوط نقل مياه الصرف الصحي (المجاري) ثم ضخها باتجاه البحر كحل عاجل".
وأضاف أنه "لا يوجد بديل وخيار أخر عن ذلك في الضخ نحو البحر خاصة بعد أن دمر الاحتلال خمس محطات لمعالجة مياه الصرف الصحي، وصعوبة الوصول إلى معظمها بسبب تواجد جيش الاحتلال بالقرب منها أو أنها تقع في المناطق الخاضعة لسيطرته حاليًا".
وحال وجود تسرب الصرف الصحي أو الاشتباه بالأمر، بيّن مدير الدائرة الفنية والتشغيل في مصلحة مياه بلديات الساحل، أنهم "يتعاملوا مع مصادر التلوث بطرائق خاصة منها كلورة المياه وغيرها، لتجنب قدر المستطاع خطر انتشار الأوبئة لا سيما بين النازحين".
كما وأكد شتات، أن 190 مرفقا في غزة باتت قابلة للتشغيل من أصل 610، وهذا دليل واضح على تعمد الاحتلال الإسرائيلي باستهداف منظومة المياه على اعتبار أنها شريان الحياة، إذ أراد الاحتلال من ذلك انعدام كل مقومات الحياة في القطاع.
انتشار الأوبئة
وقال مدير البرامج الصحية في جمعية الهلال الأحمر بغزة، بشار مراد، بدوره: إن الفحوصات المخبرية أظهرت عينات منها احتواءها على فيروسات وبكتيريا تسببت في النزلات المعوية جراء تدمير 80 بالمئة من شبكات المياه إذ اضطرت العائلات للاعتماد على نقل المياه.
وتشهد المناطق انتشارًا واسعًا لأمراض النزلات المعوية والانفلونزا لا سيما بين الأطفال نتيجة الاكتظاظ والبرد الشديد والتلوث البيئي، بحسب ما أفاد به مراد، في تصريح صحفي.
وأوضح أن انتشار مرض الكبد الوبائي من النوع (A) مؤشر واضح على تلوث مياه الشرب.
وبحسب بيانات صادرة من المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، أكدت، أن جيش الاحتلال دمر 725 بئر ماء مركزي و134 مشروعًا للمياه العذبة وأخرجها من الخدمة، إضافة إلى تدمير ما يزيد عن سبعمائة ألف متر طولي شبكات مياه، وذات الرقم لشبكات الصرف الصحي.
سكان غزة، ومنذ بدء الحرب يعانون الويلات في الحصول إلى مياه الشرب النظيفة، إذ يضطر المواطنين في بعض الأحيان للسير على الاقدام عشرات الكيلوات من أجل تعبئة بضعة لترات من المياه في الجالونات، كما تمد منظمات دولية ومحلية النازحين في مراكز الإيواء بالمياه عبر شاحنات الصهاريج، لكنها أحياناً تكون غير كافية.