كشفت ورقة بحثية جديدة أصدرها مركز التنمية والإعلام المجتمعي أن الصحفيين والصحفيات في قطاع غزة يعملون منذ أكتوبر 2023 في “ظروف استثنائية وقاسية وغير مسبوقة”، وسط استهداف مباشر، وانهيار شبه كامل لمقومات العمل الإعلامي، وتحديات إنسانية ونفسية تضاعفت مع استمرار الحرب لعامين متتاليين.
وتستند الورقة، التي أعدَها د. طلال أبو ركبة، إلى استبيان شمل 161 صحفيًا وصحفية، إلى جانب مقابلات معمّقة وخمس مجموعات بؤرية شارك فيها صحفيون مخضرمون وخبراء سلامة مهنية وحقوقيون، بهدف رصد واقع المهنة خلال الحرب وتحليل الانتهاكات التي طالت العاملين في الحقل الإعلامي.
ووفقًا للورقة، استشهد 229 صحفيًا وصحفية منذ بدء الحرب، بينهم طواقم إنتاج ومراسلون ميدانيون، فيما أُصيب المئات بجروح متفاوتة. كما دُمّرت 105 مؤسسة إعلامية بشكل كلي أو جزئي، في وقت فقدت معظم وسائل الإعلام القدرة على العمل بسبب القصف، أو انقطاع الكهرباء، أو انعدام الاتصال.
وتوثق الورقة أن 84.6% من الصحفيين يعانون نقصًا حادًا في الأدوات الأساسية مثل كاميرات بديلة، أجهزة اتصال، أدوات حماية، ووسائل نقل، بينما اضطرّ جزء كبير منهم للعمل من هواتف شخصية ووسائل بدائية لنقل الأخبار.
وتشير البيانات إلى أن 91.6% من الصحفيين تأثروا نفسيًا بدرجات متفاوتة جراء الصدمات المتكررة، خسارة الزملاء، مشاهد القصف، وصعوبة الوصول لمناطق الأحداث. كما تعرّض أكثر من ألف صحفي للنزوح الداخلي، وفقدان المنازل، وتشتت العائلات.
وتظهر الورقة، أن 77.6% من الصحفيات تعرضن لأشكال متعددة من التمييز أثناء العمل؛ بينها صعوبة الوصول للمعلومة، القيود الاجتماعية خلال النزوح، تهميش دور المرأة في غرف الأخبار، إضافة إلى تعرض بعضهن لمحاولات ترهيب وهجمات رقمية تستهدف الحسابات الشخصية.
وتشير الصحفيات المشاركات في الدراسة إلى أن الضغوط اليومية - من نقص الخصوصية إلى انعدام الأمان في مراكز الإيواء - تؤثر مباشرة على قدرتهن على التغطية المستمرة.
وتصف الورقة مشاهد يومية يواجهها العاملون في الإعلام، بينها الوقوف لساعات طويلة للحصول على الماء أو الإنترنت، نقل المعدات بين المخيمات، البحث عن بطاريات بديلة وأماكن شحن، والعمل تحت تهديد نفاد وسائل الاتصال خلال التغطية.
كما يواجه الصحفيون صعوبات في تأمين الغذاء، الدواء، وإيجاد مساحات آمنة داخل مناطق النزوح، ما يجعل العمل المهني امتدادًا لمعركة الحياة اليومية.
ورغم حجم الأعباء، تُظهر الورقة أن نصف الصحفيين فقط حصلوا على أي نوع من الدعم النفسي، وأن نسبة كبيرة منهم لم يتلقوا تدريبًا عمليًا على السلامة المهنية قبل الحرب، وهو ما ساهم في ارتفاع حجم المخاطر التي تعرضوا لها.
وتدعو الورقة إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة بشأن استهداف الصحفيين في غزة، وإلى توفير حماية عاجلة للعاملين في المجال الإعلامي أثناء النزاعات. كما يوصي بتطوير خطط لإعادة بناء المؤسسات الإعلامية، وتوفير موارد تدريبية، ومنح برامج تأهيل نفسي ومهني للصحفيين والصحفيات بعد انتهاء الحرب.
وخلصت الورقة إلى أن واقع الصحفيين في غزة خلال الحرب «يمثل حالة استثنائية من المعاناة المهنية والإنسانية»، وأن استمرارها يفرض مسؤولية دولية ملحّة لحماية العمل الإعلامي وضمان عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات من العقاب.