في قلب حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، حيث تتقاطع الأزقة الضيقة مع رائحة الركام، يعيش مئات السكان حياة معلّقة بين الموت من جهة والنزوح القسري من جهة أخرى، خطوط التماس هناك لم تعد مجرد حدود عسكرية، بل تحوّلت إلى خط أصفر يفصل بين لحظة نجاة ولحظة فناء، وبين بيت كان عامرًا وبين طريق مجهول.
فمنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، يشهد الحي تصعيدًا متواصلًا من قبل الاحتلال "الإسرائيلي"، بين إطلاق النار وعمليات نسف وهدم منازل المواطنين تحت حجج واهية، فرغم المخاطر، يصرّ كثيرون على البقاء في بيوتهم المدمرة، غير قادرين على ترك ذكرياتهم أو ما تبقى منها، وفي الوقت ذاته غير مطمئنين إلى رحلة النزوح التي تحمل بدورها مخاطر لا تقل قسوة.
ويُعد حي الزيتون واحدًا من أقدم وأكبر أحياء مدينة غزة من حيث المساحة وعدد السكان، ويقع في الجهة الجنوبية الشرقية من المدينة، يصر سكانه على إعادة الحياة له رغم الدمـار والمخاطر، "بإعادة ملامحه الجميلة، المتجذّرة في الأرض كأشجار الزيتون".
تعايش رغم المخاطر
"مراسل وكالة فلسطين اليوم الإخبارية" تجول في أزقة الحي المدمر، وخاصة القريبة من الخط الأصفر، الذي أصبح التعايش معه كمن يضع يده في النار: إما أن يتحمل لهيبها أو يقاومه، وفقًا للحاج أبو أحمد دلول، الذي يقطن مع عائلته المكونة من أحد عشر فردًا، أعاد ترميم بيته، مستصلحًا غرفتي المعيشة، محاولةً منه صون ما تبقى من حياته وسط الركام والدمار.
أبو أحمد وصف عودته للسكن في الحي وبين الخراب بأنها أشبه بما يعيش "على وقع اللحظة القادمة"، مضيفًا: "لم نعد نعرف من أين يبدأ الخطر وإلى أين نذهب، فالبقاء هنا يعني احتمال أن تكون هذه الليلة الأخيرة، والنزوح يعني بداية معاناة جديدة".
ويكمل حديثه: "رغم أصوات القصف والنسف داخل الخط الأصفر وعمليات إطلاق النار التي لم تتوقف طوال النهار، فإن الحرب لم تترك لنا خيارات؛ فالموت أصبح حاضرًا في كافة مناطق غزة، سواء قرب الخط الأصفر أو بعيدًا عنه، لكن الحياة في بيتي تبقى أفضل بمليار مرة من حياة الخيمة، حتى لو جُمّلت بالورد".
وقبل أيام، وسّع جيش الاحتلال الخط الأصفر بإزاحة المكعبات الصفراء مسافة 300 متر إضافية نحو الداخل، ما تسبب في موجة جديدة من النزوح تحت القصف، في وقت لا يجد فيه الأهالي أي بديل أو مكان آمن يلجؤون إليه بسبب انعدام أماكن الإيواء وصعوبة التعايش في الخيام في ظل دمار البنية التحتية في القطاع، والتي بدورها تنعكس سلبًا على خيام النازحين.
ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في الحادي عشر من أكتوبر الماضي 2025م، يستهدف جيش الاحتلال "الإسرائيلي" منازل المواطنين في المناطق القريبة من الخط الأصفر على طول قطاع غزة، موقعًا بذلك عشرات الشهداء والإصابات، كان آخرها أمس السبت استشهاد طفلين يبلغان من العمر 12 عامًا شرق مدينة خانيونس بدم بارد.
البحث عن الأمل
حال المواطن دلول لم يختلف كثيرًا عن حال جاره المواطن مهدي السوافيري، الذي لجأ للعيش في بيتهم المدمر مع ثلاثة من إخوانه وعائلاتهم، ليصبح البيت، رغم الدمار، مأوىً مؤقتًا لعدد من الأسر في ظل الظروف القاسية، يقول: "الحياة قرب الخط الأصفر لا تشبه أي حياة طبيعية، كل يوم يحمل معه تهديدًا جديدًا، وكل زاوية من زوايا الحي تبدو محفوفة بالمخاطر".
ويضيف السوافيري، الذي يمشي مسافات طويلة لتلبية احتياجات أسرته رغم الدمار الذي طال معظم الشوارع والمنازل: "أصبحنا جميعًا نعيش بين الركام، نحاول أن نجد أي مكان صغير للحياة، ومع كل صوت قصف نشعر أن حياتنا معلّقة. رغم الدمار، البقاء هنا أفضل من الهروب إلى الخيام، حتى لو كانت مزينة بكل شيء".
وختم حديثه: "الحياة هنا عبارة عن خطوة واحدة قد تغيّر كل شيء، وقد لا تترك فرصة لأي شيء، لكن الأمل لا يزال حاضرًا، بهدوء يستمر طويلًا، وحياة تنبض من جديد".
ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في الـ11 أكتوبر 2025، بلغ إجمالي الشهداء: 354 ، فيما وصل إجمالي الإصابات: 906، لترتفع بذلك حصيلة العدوان الإسرائيلي إلى 70,100 شهيدًا 170,983 إصابة منذ السابع من أكتوبر للعام 2023م، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية بغزة.
ويبقى سكان حي الزيتون والشجاعية محاصرين بين خوف الخطر الدائم وصعوبة الحياة في أماكن النزوح، متشبثين بما تبقى من بيوتهم وذكرياتهم. فبين الركام والخطر، يواصل الأهالي البحث عن أمان نسبي، وسط واقع يفرض عليهم البقاء والعيش في مواجهة الموت كل يوم، في انتظار أي بصيص أمل يمكن أن يخفف من معاناتهم اليومية.