لم تنته الحرب فعلياً في قطاع غزة، بل بدأت بتداعياتها الخطيرة على سكانه المغلوب على أمرهم، لتستمر معاناتهم اليومية، أقساها وأصعبها ما يعيشه النازحون هذه الأيام الماطرة في ظل منخفض جوي قسى عليهم وأغرق خيامهم وتسلل الريح والبرد لأركانها، فارتجفت أجسام الأطفال وبكى الأهالي قهراً وعجزاً، بعد ساعتين فقط من اشتداد الأمطار.
فالشتاء بالنسبة للغزيين، مأساة حقيقية بعد أن تحولت بيوتهم الدافئة لخيام مهترئة، فشلت في أول امتحان قاسي تعرضت له في أول منخفض جوي يهل على فلسطين، فغرقت الخيام وابتلت الأغطية والفراش، ولم يعد صوت الأطفال يعلوها، بل الرجفة والقلوب الباردة جراء موجة السقيع.
وقد ضرب منخفض جوي المنطقة يومي الجمعة والسبت، وتسببت الأمطار الغزيرة بغرق عشرات الخيام في القطاع، الأمر الذي فاقم معاناة النازحين أكثر، في ظل عدم وجود جهات قادرة على التعامل مع حالات الغرق.
فالحرب على قطاع غزة، قتلت البشر ودمرت الحجر، ولم يعد لدى النازحين المشردين أي مأوى بعد أن تدمرت أكثر من 80% من البنية التحتية للمواطنين.

د. إسماعيل الثوابتة مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي، أكد أن قطاع غزة يواجه اليوم واحدة من أسوأ الأزمات والكوارث الإنسانية في تاريخه المعاصر، إذ يعيش شعبنا العظيم ظروفاً مأساوية تفوق قدرة البشر على الاحتمال، في ظل غياب شبه كامل للتدخلات الجادة التي يمكن أن تخفف من حدة الأزمة أو تحدّ من تداعياتها.
وبين في حديث لمراسلة "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية"، أن الواقع أصبح أقسى مما كنا نحذر منه طوال الأشهر الماضية؛ فمع أول منخفض جوي في فصل الشتاء، غرقت عشرات آلاف الخيام وأماكن الإيواء البدائية، ووجدت آلاف العائلات المشردة نفسها محاصرة بالمطر والبرد وانعدام المقومات الأساسية للحياة.

300,000 خيمة وبيت متنقل
وأكد د. الثوابتة، أن قطاع غزة يحتاج بشكل عاجل وفوري إلى 300,000 خيمة وبيت متنقل لاستيعاب الأعداد الهائلة من النازحين، لكن النداءات لم تجد صدى دولياً فاعلاً، ولم تُتخذ أي خطوات ملموسة. اليوم، ينام الناس في الشوارع والساحات العامة وفي العراء، بلا سقف يحميهم، أو فراش يقيهم، أو وسائل تضمن لهم الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
ونوه إلى أن المعابر لا تزال مغلقة، والاحتلال يواصل المماطلة والتسويف في تنفيذ التزاماته ضمن البروتوكول الإنساني الذي وقع عليه. وحتى هذه اللحظة لم يسمح بإدخال مواد الإيواء الأساسية، من خيام وشوادر وأغطية بلاستيكية ووسائل تدفئة وغيرها من الاحتياجات الضرورية لإنقاذ الناجين من كارثة التهجير.
وشدد مدير المكتب الإعلامي، على أن استمرار هذا الوضع المأساوي يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، ويضاعف حجم الكارثة الإنسانية التي يدفع ثمنها المدنيون وحدهم. وأكد أن توفير الإيواء الآمن والملائم لأهالي قطاع غزة بات مطلباً إنسانياً وواجباً قانونياً وأخلاقياً على كل العالم، وفي مقدمتهم المجتمع الدولي والمنظمات الدولية المختلفة، كلٌ بقدر مسؤوليته واختصاصه وتقاعسه الذي أوصل الأمور إلى هذا الحد من الانهيار.

مشهد كارثي
ولفت د. الثوابتة أن قطاع غزة يعيش كارثة إنسانية غير مسبوقة، في ظل ظروف مأساوية تفوق قدرة البشر على الاحتمال، ومع غياب شبه كامل للتدخلات الفاعلة التي كان يمكنها الحد من حجم الانهيار الإنساني القائم.
وأشار إلى تحذيرات المكتب الإعلامي منذ شهور طويلة من هذا السيناريو، مستدركاً: لكن العالم لم يتحرك، وها نحن اليوم نواجه مأساة تتفاقم مع كل ساعة ومع كل منخفض جوي، والخيام الموجودة حالياً، وحتى التي قد تتوفر، غير كافية مطلقاً من حيث العدد أو الجودة أو القدرة على الصمود أمام ظروف الشتاء القاسية. "
وأوضح أن آلاف الخيام غرقت فعلياً مع أول منخفض جوي، لأن ما يتوفر اليوم هو خيام بدائية، هشة، غير مصممة لمواجهة الأمطار أو الرياح أو البرد القارص.
وأضاف د. الثوابتة:" نحن أمام مشهد كارثي؛ عائلات كاملة تقف داخل مخيمات طينية غارقة، بلا حماية، بلا أرضيات عازلة، وبلا دعم لوجستي يضمن الحد الأدنى من مقومات الحياة، وما هو موجود الآن ليس "إيواءً"، بل محاولة يائسة للبقاء على قيد الحياة في ظروف غير إنسانية."

متطلبات إنسانية عاجلة
وشدد الثوابتة، على أنه إضافةً إلى الخيام، هناك سلسلة كاملة من المتطلبات الإنسانية العاجلة التي يجب توفيرها فوراً، وتشمل شوادر وأغطية بلاستيكية عازلة للمياه، لضمان الحد الأدنى من الحماية ضد الأمطار، ووسائل تدفئة آمنة، خاصة للأطفال والمرضى وكبار السن.
كما يحتاج قطاع غزة لأرضيات خشبية أو بلاستيكية تمنع تحوّل الخيام إلى برك من الطين، وأغطية، فرشات، ومواد عزل حراري، ومرافق صحية متنقلة، مع خدمات مياه وصرف صحي ملائمة، ومستلزمات إنارة وطاقة بديلة، لضمان القدرة على العيش في الحد الأدنى من الظروف الإنسانية.
وأفاد د. الثوابتة، أن حتى هذه اللحظة، يمنع الاحتلال إدخال هذه المواد كافة، في خرق خطير للبروتوكول الإنساني الذي وقع عليه، وفي انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، ما يؤدي إلى تفاقم الكارثة الإنسانية التي يدفع ثمنها المدنيون وحدهم.
وشدد على أن توفير هذه الاحتياجات هو واجب قانوني وأخلاقي وإنساني على المجتمع الدولي، وهذا الواجب لا يمكن أن يخضع للتسويف والمماطلة.