في غزة.. "نجا من مات.. ومات من نجا"..

مائتا صفحة من وجع ودم.. الكاتبة "أبو نصر" تُخلّد ذكرى استشهاد 150 من عائلتها بـ "كتاب"

الساعة 01:27 م|15 نوفمبر 2025

فلسطين اليوم

مع كل حرفٍ خطته بقلمها، تنغمر دموعها على وجهها، وتسمع زوايا خيمتها وركام بيتها "آهاتها"، أكثر من شهر وذكريات من "الوجع الوفقد" عايشتها الكاتبة آية أبو نصر، حين خلّدت ذكرى شهداء عائلتها الـ 150 ضمن كتاب ألفته مكون من مئاتي صفحة، بعدما ارتقوا إلى العلياء بعد أن باغتهم صاروخ "إسرائيلي" حاقد في أولى أيام حرب الإبادة على غزة، لتروي للعالم أهوال ما تعرض له أهالي القطاع.

"في غزة، نجا من مات، ومات من نجا"، هي ليست مجرد كلمات، أو مجرد عنوان لـ "كتاب" ألفته، بل إن الكاتبة أبو نصر ابنة بلدة بيت لاهيا، شمال قطاع غزة، عايشت وجع تلك الكلمات ثانيةً بثانية، بعدما فقدت والدها وأخوتها وأخواتها، وأكثر من مائة فرد من عائلتها إثر قصف الطائرات الإسرائيلية لمنزلهم الذي كان يؤوي 200 فرد، وحول غالبيتهم إلى أشلاء.

"أبو نصر" كادت أن تكون إحدى الشهداء بعدما قُصف منزلهم، لكّنها نجت برفقة والدتها، بعد أن خرجت من المنزل لتقدم واجب العزاء بارتقاء ابن شقيقتها في وقت سابق، ولم تكن تعلم أن تلك الخطوات كانت لنجاتها.

تقول الكاتبة آية: "لقد فقدت 150 شخصاً من عائلتي مرة واحدة، من ضمنهم أشقائي الخمسة بأزواجهم وأولادهم، وأولاد خالي جميعهم، وعمي وأولاده الستة، وعمتي وأولادها وزوجاتهم وأحفادها، وما يؤلمني أنهم ارتقوا وأنا ما زلت على قيد الحياة، أتوجع لفقدهم".

 في طريق توجهها لبيت شقيقتها لتعزيها بارتقاء نجلها، أتاها اتصال من إحدى قريباتها تُخبرها بالفاجعة التي تعرضت لها العائلة، وارتقاء كل من كان يقطن أو ينزح في المنزل الذي دمره صاروخ إسرائيلي حاقد.

مكالمة من ألم

تضيف: "هاتفتني زوجة أخي، وأخبرتني بصوت مُفزع، (كلهم ماتوا، كلهم استشهدوا) حكتلها مين، قالت لي إن جيش الاحتلال قصف البيت واستشهد كل من فيه"، قالت لها، طمنيني على أخواتي، قالت لي، إنهن أولى الشهيدات اللاتي تم انتشالهن، ويتم الآن البحث عن الآخرين".

بعد تلك الفاجعة، قررت الكاتب آية، أن تُخلد ذكرى شهداء عائلاتها، ضمن "كتاب"، إذ بدأت تستذكر كل لحظاتها معهم، وتسردها ضمن "تدوينات" على ورق الدفاتر، إلى حين أكملت الرواية.

تتابع: "قررت أن أخلد ذكرى شهداء عائلتي ضمن كتاب يحمل عنوان (في غزة.. نجا من مات ومات من نجا) يحمل وجع كل شخص عاش في الإبادة الجماعية طيلة عامين كاملين ويحمل أيضاً وجعي أنا الخاص من الفقد والألم والخوف والتعب".

وبعد أن فقدت كل شيء، أهلها، وبيتها، وأحلامها، لجأت أبو نصر بكتابة، يومياتها وتدويناتها، ولحظات من الفضفضة، إذ بدأت بكتابة "نجا من مات، ومات من نجا"، حتى تُخرج كل الوجع من خلال كلماتها.

تكمل: "جاءت فكرة تأليف الكتاب، بعدما خطت إحدى قريباتي على حائط بيتنا، ذلك العنوان، قبل ساعات من قصف المنزل، وتدميره بالكامل واستشهاد 150 فرداً من عائلتي، إلا إن ذلك الحائط بقي واقفاً وصامداً، لعله يرغب في إيصال رسالة الوجع إلى العالم".

وعن فكرة إصدار كتابها، قالت: إن بعضاً من أصدقائها قالوا لها إن هناك مكتبة ومطبعة في العاصمة الأردنية عمّان، تُصدر كتابات لمؤلفين وكتاب جدد، فلم تتردد في التواصل معهم، فوجدت منهم اهتماماً واحتضاناً لكتاباتها وتلقت تشجيعا كاملاً لاستكماله، من أجل تبنيه وطباعته.

وتضيف: "عندما تم إصدار كتابي، كنت أعيش أصعب مرحلة، بعدما كنت في طريقي نازحة من شمال غزة، إلى جنوب القطاع تحت انهمار الصواريخ، إذ خضعت لتجربة جديدة مؤلمة، إلا إن الكتاب وُلد في أصعب وقت في حياتي، وهو من هوّن جزء من آلامي".

وتتابع: "هذا أول انتاج أدبي، ولن يكون الأخير، إذ سأستمر في الدفاع عن قضية الشعب الفلسطيني بكتاباتي وأنشرها لعل صوت فلسطين يصل إلى العالم، كل العالم".

وختمت حديثها بتوصية إلى العالم: "أقول للعالم استمروا في الهتاف لفلسطين، لعدالة قضيتنا لكي تبقى خالدة وموجودة وما تغيب يوم عنكم، أنقذوا قضيتنا الفلسطينية".

 

 

 

 

 

كلمات دلالية