لم يعدْ فصل الشتاء، مُحبباً للكثيرين خاصةً من سكان قطاع غزة، الذي بات المطر بالنسبة لهم معركة بقاء في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيش جُلُهم في خيام مهترئة وممزقة، لتستمر الحرب بالنسبة لهم بنكهة المرار والكد والوجع وقسوة الحياة التي فرضتها حرب الإبادة الإسرائيلية.
فالنازحون في قطاع غزة، يستقبلون فصل الشتاء هذا العام وقد بدا طعمه علقم ولونه أسود ورائحته دم، فأكثر من 80 % من مباني المواطنين مدمرة، وجلهم يسكنون خياماً لا تقي من البرد، أما المستلزمات الشتوية فتكاد تكون معدومة.
ترميم المهترئ
في أحد مخيمات النازحين المنتشرة في مدينة دير البلح، يقف النازح أبو محمد الخوالدة، يحاول ترميم خيمته المهترئة استعداداً لفصل الشتاء، مستخدماً قطعاً من الشوادر الممزقة والتي استصلحها من خيمة أحد الجيران.
يقول الخوالدة لمراسلة "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية": بيتي قصف في جباليا ولم يعد لي مكان يأوينا، وعندما نزحت إلى دير البلح قبل سنتين، استقريت فيها وتعودت عليها، ولم أستطع العودة لمكاني في جباليا حيث باتت في المنطقة الصفراء لذا فضلت البقاء في المدينة، في هذه الخيمة التي تكاد تسترني وعائلتي المكونة من 9 أفراد".
"الحياة باتت صعبة، والبرد قاسي، عشنا أيام صعبة خلال العامين الماضيين، لذا أحاول بقدر الإمكان تشديد الخيمة وتأمينها بحيث لا تدخل المياه لداخلها، والحفاظ على الدفء فيها.
وحل وطين
النازح أحمد حبوب، عانى الشتاء الماضي من تسرب مياه الأمطار لخيمته المصنوعة من القماش، فحاول بقدر الإمكان اقتناء شوادر من البلاستيك لمنع حدوث ما جرى معه خلال العام الحالي.
يقول لمراسلة "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية": تسببت الأمطار الشتاء الماضي في غرق العديد من الخيام، من بينها خيمتي، فتحولت لبركة من الماء والطين، ومرض أطفالي بسبب البرد القارس، فالحياة في الخيمة خاصةً في الشتاء هو الموت بحد ذاته، خاصةً مع عدم وجود وسائل تدفئة.
ووفق حبوب، يعاني النازحون من نقص هائل في المستلزمات الشتوية كالملابس والأغطية، أما الملابس تحديداً فيرتفع سعرها، مع شح دخولها وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية، وتوفير الاحتياجات الهامة للمواطنين.
وتحذر المؤسسات المحلية والدولية الإنسانية والإغاثية من تدهور الأوضاع الإنسانية مع حلول الشتاء، وسط نقصٍ حاد في المساعدات والبطانيات ووسائل التدفئة، وتزايد أعداد المرضى من حالات البرد الحاد والالتهابات الصدرية، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن.
كارثة أكبر
المتحدث باسم الدفاع المدني بغزة محمود بصل، دق ناقوس الخطر، معتبراً أن الكارثة الإنسانية في القطاع أكبر بكثير مما يتحدث عنه عبر وسائل الإعلام.
وحذر من أن الكابوس الخطير الذي يُهدد حياة المواطنين هو فصل الشتاء لأن تساقط الأمطار ستحدث كارثة كبيرة لا تستطيع الكوادر التعامل معها في حال وقعت.
ودعا بصل، كل المنظمات الإنسانية والدولية الوقوف أمام مسؤولياتهم والتدخل لتوفير مستلزمات الإيواء والملابس والأغطية وكل ما يكفي المواطنين للتعامل مع البرد القارس والأمطار.
وقال بصل محذراً:" إذا بقي الوضع على ما هو عليه فإننا سنكون أمام كارثة حقيقية ستحل بالقطاع".
خيام بالية وكارثة مقبلة
بدوره أكد مركز غزة لحقوق الإنسان، أن الشتاء يُهدد حياة النازحين في غزة، ونحو مليوني فلسطيني يعيشون كارثة إنسانية تتفاقم مع اقتراب الفصل، وأن مئات آلاف النازحين يقيمون في خيام بالية لا تقيهم البرد أو المطر، ولم يتم تلبية سوى 23% من احتياجات المأوى الشتوي.
وبين، أن أكثر من 1.5 مليون شخص مهددون بالبرد والأمطار، و74% من الخيام غير صالحة للسكن بسبب التآكل وسوء الجودة.
ولفت المركز إلى أن المخيمات معرضة لخطر الغرق وانتشار الأمراض الموسمية، وندعو إلى توفير عاجل للكرفانات، الأغطية، والملابس الشتوية.
وارتكبت "إسرائيل" منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 -بدعم أميركي أوروبي- إبادة جماعية في قطاع غزة، شملت قتلا وتجويعا وتدميرا وتهجيرا واعتقالا، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر لمحكمة العدل الدولية بوقفها.
وخلفت الإبادة أكثر من 239 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين معظمهم أطفال، فضلا عن الدمار الشامل ومحو معظم مدن القطاع ومناطقه من على الخريطة.