في خطوة أثارت موجة واسعة من الغضب والاستنكار في الشارع الفلسطيني، صادقت لجنة الأمن القومي في "الكنيست الإسرائيلي" مؤخّرًا على طرح مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين أمام الهيئة العامة للكنيست، تمهيدًا لمناقشته والتصويت عليه، تمثل هذه الخطوة تصعيدًا خطيرًا في نهج الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة ومحاولة لترسيخ سياسة الانتقام والعقاب الجماعي ضد الفلسطينيين، في ظل الحرب المستمرة على قطاع غزة وتصاعد التوتر في الضفة الغربية، وفقًا لمراقبين.
وأمس الاثنين، أقرّت لجنة الأمن القومي في الكنيست، بالقراءة التمهيدية، مشروع قانون يتيح تنفيذ حكم الإعدام بحق أسرى فلسطينيين ومَن تصفهم "إسرائيل" بـ"الإرهابيين"، وأحالته إلى الهيئة العامة للكنيست لمناقشته والتصويت عليه في المراحل التشريعية المقبلة يوم الأربعاء المقبل.
ويسعى اليمين المتطرف، بزعامة "وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير"، منذ تشكيل الحكومة الحالية إلى طرح هذا القانون باعتباره أحد أبرز وعوده الانتخابية. فهل سينجح في تمرير قانونه الذي يحاول من خلاله ترسيخ نهجه المتشدّد تجاه الأسرى الفلسطينيين وتعزيز شعبيته داخل أوساط اليمين الإسرائيلي، أم أن مصالح "إسرائيل" ستقف في وجه أحلامه المتطرفة؟
لــن يُـشرّع
الكاتب والمحلل السياسي راسم عبيدات، أكد أن قانون "إعدام الأسرى" لن يُشرّع ليس لأسباب قانونية وأخلاقية فحسب، وإنما لأن تطبيقه سيلحق ضررًا سياسيًا بدولة الاحتلال، التي لا تحتاج إلى المزيد من الاتهامات وتشويه صورةٍ مشوّهة أصلاً، في ظل اتهامات بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية.
وأوضح عبيدات في حديثٍ لـ"وكالة فلسطين اليوم الإخبارية" أن قانون الإعدام في دولة الاحتلال لم يُطبق فعليًا سوى في حالتين: الأولى بحق الضابط العسكري مئير توبيانسكي، الذي أُعدم عام 1948 رمياً بالرصاص بتهمة التجسّس، والثانية بحق الضابط الألماني أدولف أيخمان، الذي اختُطف من الأرجنتين إلى إسرائيل ثم أُعدم بواسطة الغاز لدوره في مذابح الهولوكوست ضد اليهود.
وبيّن أن قانون بن غفير يواجه تحديات كثيرة، منها ردود فعل المنظمات الحقوقية والإنسانية ودول العالم، وما كشَفَته المدعية العسكرية العامة الإسرائيلية يفعات تومر يروشالمي عبر نشرها مقطع فيديو يظهر قيام عدد من جنود الاحتلال في معتقل "سدَي تيمان" بتعذيب واغتصاب أسير فلسطيني. إضافةً إلى ذلك، يعرض بن غفير فيديوهات تُظهر تعذيب الأسرى وسياسة الإعدام الممارسة خارج إطار القانون، حيث استُشهد 81 أسيرًا فلسطينيًا حتى الآن في سجون الاحتلال منذ 7 أكتوبر 2023، ليس فقط بسبب سياسة الإهمال الطبي والتجويع، بل أيضًا نتيجة عمليات القمع والتنكيل العنيفة، ناهيك عن الموت البطيء.
"إسرائيل" ليست بحاجة إليه
وأشار عبيدات إلى أن الفيديو الذي نشرته المدعية العسكرية يؤكّد أن ردّة الفعل الإسرائيلية كانت على "الفضيحة الإعلامية" وليس على الجريمة ذاتها، مما يعكس مستوى الانحدار الأخلاقي في المؤسسة العسكرية، والتي لطالما وصفها نتنياهو بأنها "الأخلاقيّة الأكثر في العالم".
وأضاف " أن سلطات الاحتلال لم تلاحق الجناة الذين ارتكبوا جريمة التعذيب والاغتصاب بحق الأسير الفلسطيني، بل قامت بمحاسبة المدعية العسكرية العامة واعتقالها بعد كشفها للجريمة، في مشهد يجسّد التناقض والانهيار القيمي داخل المؤسسة العسكرية، بحسب المحلل عبيدات"
ويقبع في سجون الاحتلال أكثر من 9,500 معتقل، بينهم نحو 350 طفلًا و21 امرأة، فيما يبلغ عدد المعتقلين الإداريين نحو 3,405. كما تبلغ أعداد معتقلي غزة التي اعترفت بهم إدارة سجون الاحتلال نحو 1,555 معتقلاً، علماً أن هذا الرقم لا يشمل كافة معتقلي غزة، وتحديدًا من هم في المعسكرات التابعة لجيش الاحتلال، بحسب هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينيين.
إقراره يخدم المقاومة
بدوره، رأى الكاتب والمحلل السياسي فايز أبو شمالة أن إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين لن يخدم إسرائيل، بل سيفيد المقاومة الفلسطينية، وسيكون دعوة صريحة للفلسطينيين بعدم تسليم أنفسهم للعدو مهما عاقبهم.
وأوضح أن إدارة السجون الإسرائيلية حرصت خلال السنوات السابقة على إظهار الأسرى بصورةٍ مشرقة خلف القضبان، بأنهم يتلقّون ثلاث وجبات طعام وأن لهم حقوقًا تنظيمية وتعليمية، وأن السجون أشبه بـ«فنادق خمس نجوم»، وذلك لتشجيع الشباب الفلسطيني على تسليم أنفسهم وعدم القتال حتى الشهادة.
واعتبر أبو شمالة في حديثٍ لـ"وكالة فلسطين اليوم الإخبارية" أن إقرار قانون إعدام الأسرى بمثابة دعوة للشباب الفلسطيني إلى القتال حتى الشهادة دون التفكير في الاستسلام أو انتظار الأسر المهين، لأن الموت في ساحات المواجهة يُعدّ أرحم وأكثر تكريماً من الموت في غرف الإعدام أو التعرض للتشفي والإهانة، كما حدث مع الفلسطينيين الذين استسلموا للجيش وعرّضهم بن غفير لمقطع مهين للكرامة الإنسانية.
ويبقى مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين عنوانًا صارخًا لمرحلة جديدة في المشهد "الإسرائيلي"، تعكس تصاعد العنصرية والتطرف داخل منظومة الحكم، ومحاولة شرعنة ما يُمارَس فعليًا من قتل وتصفية خارج القانون، في وقتٍ تتآكل فيه صورة "إسرائيل" عالميًا تحت وطأة جرائمها في غزة والضفة الغربية.