صفاء عطا الحسنات
لم يكن الشاب ريان ريان من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، يتمنى شيئاً أكثر من أن تُكحل عينه برؤية خاله وسام راضي المعتقل في سجون الاحتلال الإسرائيلي وأن يضمه شوقاً وحباً، إلا أن حرب الإبادة حرمته تحقيق مراده، فريان عانق الأرض شهيداً قبل أن يرى خاله حراً طليقاً، لكن "تطبيق الكتروني" احتضن آلامهما وجمعهما في صورةٍ لملمت قلوب مُحبيهم المُنكسرة.
اُستشهد ريان البالغ من العمر (31 عاماً) في الثامن من يونيو 2024، وكان يحلم بلقاء خاله وسام البالغ من العمر (51 عاماً) القابع في سجون الاحتلال والمحكوم مؤبد مدى الحياة، ولكن حرب الإبادة حرمته من تحقيق حلمه، فخرج وسام حراً لكن الموت سرق ريان..
ترند جمع الصور "احضن الماضي"، أداة يدمج فيها الذكاء الاصطناعي الصور، حيث يتم فيه جمع صور بين الحاضر والماضي ليُعيد صور الطفولة وهم يتعانقون بلحظاتٍ حميميةٍ جميلة، أما في قطاع غزة فتحوَل لدمج صور الأحياء والشهداء خاصةً ممن فقدوا أحبائهم، يحاولون من خلاله أن يجمعوا ما فرقته صواريخ الاحتلال "الإسرائيلي"، باحثين عن لحظات "حب وحنان" طبيعية من الحياة مليئة بالمشاعر التي حرمتهم الحرب منها، فكان لأحاسيسهم وصمتهم أمامها حديثٌ آخر.
صورة من الفرح والخسارة
تقول رباب شقيقة ريان: "كان أخي قبل استشهاده يتمنى رؤية خالي حراً طليقاً، وكانت الفرحة بتحرر خالي من سجون الاحتلال منقوصة، ومشاعرنا في العائلة مختلطة، فكل الوجوه تحتضن وسام إلا ريان".
تضيف رباب:" لجأت إلى التطبيق لأحقق رغبة شقيقي الذي رحل عنا، فجمعته في صورة مع خالي، وكنت أشعر أنني أحقق جزء من رغبة وسعادة أخي وحلمه في لقاءٍ لم يتحقق، حيث حرمته منه الحرب، فكان لقاء جميلاً لكنه مُعلقاً بين السماء والأرض.
وتشير إلى أنها سبق وحققت أمنية ابن شقيقها الشهيد أحمد البالغ من العمر 10 سنوات الذي كان يتمنى أن يحتضن والده، فتحقق مراده بصورة عبر التطبيق، خلدت لحظة لقاء ظل عالقاً في ذهنه ولم يتحقق.
أُمنية في حفل التخرج
الطفلة ليان رمضان ذات الخمس سنوات، كانت تجلس في زاوية من زوايا إحدى رياض الأطفال بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، والتي تدرس فيها في صف البستان، تستعد لإنهاء عامها الدراسي، لكنها بدت حزينة تُبحلق بعينيها في الفضاء، تنظر لوجوه زملائها خِلسةً، تُحاول جاهدةً أن تُخفي ما يعجز لسانها عن البَوح به..
فبالرغم من صغر سنها، كانت ليان لا تُخفي اشتياقها لوالديها وشقيقتها وجديها الذين قتلهم جيش الاحتلال بلا رحمة بعد أن قصف منزلهم، في الخامس عشر من أكتوبر 2023، وبقيت هي الناجية الوحيدة، وعند سؤال معلمتها في الروضة عن أمنيتها في يوم تخرجها باحت بما لا يقوى أحد على تحمله وهو أن تحتض والدها وهي ترتدي "روب التخرج"..
فلم يكنْ من مُدرستها نيفين جمعة، سوى أن تُحقق لليان رغبتها عبر تطبيق دمج الصور، وقد تَصادف ذلك مع الذكرى الثانية لاستشهاد عائلتها بالكامل، فكانت فرحة الطفلة ليان مشهد لا يمكن أن تنساه مُعلمتها، ولا تنفك عن حمل الجوال لتشاهد صورتها مع والدها وهي تلبس روب التخرج.
تقول جمعة:" ليان طفلة بريئة صغيرة كانت تعيش مع عائلتها فرحة سعيدة يحاول أن يبني لها والداها مستقبلاً جميلاً، لكن آلة الحرب الإسرائيلية قتلت هذه الفرحة، بعد أن قصفت منزل عائلتها وارتقوا جميعاً، أما ليان فوجدها الجيران مُلقاة على سطح منزلهم، لتظل الناجية الوحيدة الشاهدة على مجزرة الاحتلال بحق عائلتها، وتعيش حالياً مع عائلة والدتها.
كانت عائلة ليان تتمنى أن تَتخرج من الروضة وتتميز في مدرستها وتعيش أجمل سنوات عمرها في الجامعة كأي طفل، لكن أحلامهم تدمرت بعد أن اُستشهدوا جميعاً، لتبقى ليان مع حلمها أن تراها عائلتها "بروب التخرج"، فتحقق جزء من حلمها عبر التطبيق، حيث رحلوا جميعاً وبقيت هي، مع وجع لا ينسى وقهر يتردد صداه في جنبات القلب.
وحسب احصائيات رسمية، حوَل الاحتلال الإسرائيلي خلال حربه على قطاع غزة خلال عامين في كل يوم 77 طفلاً إلى أيتام، و29 سيدة متزوجة إلى أرملة.
شوق وأمنيات
الجدة أم عبد الله سعيد، لم تكنْ تعلم أن صورةً صغيرةً جمعت زوجها الشهيد بحفيده ستُعيد لها بعضاً من فرحتها وضحكتها، فرؤية زوجها يحضن حفيده كان بالنسبة لها حُلماً في يوم ما، وعلى الرغم من قناعتها أن الأمر لا يعدو كونه تطبيق، إلا أن الصورة حققت بعضاً من حلم جميل قتله الحرب.
تقول سعيد:" كان زوجي يحلم بأن يرى أبنائه يكبرون أمامه ويعيشون الحياة بكل تفاصيلها ويبنون عائلة لهم ويتزوجون، ويصبح لديه أحفاد، لكن صواريخ الموت سبقت أمنياته واستشهد قبل أن يحقق حلمه، وعندما جاء الحفيد الأول كانت فرحتنا لا تُوصف لكن أمنية صغيرة كانت عالقة في قلبي".
تحققت أمنية الجدة في صورة جمعت زوجها وحفيدها، صنعتها زوجة ابنها فأطفأت شوقها وحنينها وهونت عليها وجع الفقد ولوعة الفراق، فنظرة واحدة لدقائق معدودة لصورة مليئة بالأمنيات والمشاعر كفيلةً أن تجعلها تبتسم ولو لثواني وسط حرب سرقت الأحلام والابتسامات.
بحث عن طمأنينة وحنان
بدورها، أوضحت الأخصائية النفسية نورا أبو عيطة، أن أكثر الفئات التي استخدمت هذا التطبيق هم أهالي الشهداء، وخاصةً الأمهات والأخوات ولاسيما الزوجة والأبناء والأخوة، بالإضافة للأصدقاء الذين فقدوا أصدقائهم، ومازالوا يبكون لحظات جمعتهم لن تعود مجدداً.
وبنظر الأخصائية أبو عيطة، فإن الدافع الأول والأساسي لكل هؤلاء هو الحنين والشوق لأحبائهم الذين فقدوهم سواء من قتلتهم حرب الإبادة، أو أسرهم الجنود الإسرائيليون.
" يبحث الناس في هذا التطبيق عن الطمأنينة والحنان وعن أي شي يُشعرهم بوجودهم وبالقرب منهم، ويشعرهم أن الحياة طبيعية مما يقلل شعورهم بالعجز والظلم والخسارة، فعادةً ما يتحدث الشخص الفاقد لأحبابه مع صور من فقدهم، فهي تُعيد الأحباب للحياة ولو لثواني وتنعش الأحاسيس واللحظات الجميلة". تقول أبو عيطة.
ونوهت الأخصائية نورا، إلى أن من يفقد شخص عزيز على قلبه يبقى كالمُغيب يرفض أن يتقبل فكرة فقدانه وأنه لم يعد حاضراً وقريباً، فيحاولون جاهدين تحقيق حضورهم من خلال الصور، فيستخدم هذا التطبيق لتعويض شعورهم بالحرمان من وجودهم، فيشعرون بالاطمئنان نوعاً ما .
وعلى الرغم من أن التطبيق حقق أمنيات اللقاء ولو صورياً، إلا أن الأخصائية النفسية أبو عيطة لم تُخف أن تطبيق "دمج الصور" يُعتبر سلاح ذو حدين، ففي الوقت الذي يشعر الشخص بالفرح عند رؤية الصورة المُدمجة لفقيده، فإنها في ذات الوقت تستدعي كل مشاعر الألم والقهر والحرمان، خاصةً أن هذا التطبيق يجعل الناس تسترجع ذكرياتهم الأليمة.