بين الخيمة والركام.. "نازحو غزة" يواجهون أصعب قرار بعد الحرب

الساعة 12:25 م|26 أكتوبر 2025

فلسطين اليوم

"والله ما إحنا عارفين، نبقى في الخيم نازحين أحسن، ولا نرجع على أماكن بيوتنا المدمرة وننصب خيم هناك؟".. بهذه الكلمات عبّرت السيدة أم أشرف عمر عن مخاوفها التي تتقاسمها مع مئات العائلات النازحة في جنوبي قطاع غزة من فكرة العودة إلى شمال القطاع، في ظل الخروقات الإسرائيلية المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار، والمماطلة الواضحة في تنفيذ بنوده، إضافةً إلى الخشية من استئناف الحرب مجددًا كما حدث في أعقاب اتفاقي وقف النار في ديسمبر 2023م ويناير 2025م.

وتعيش "أم أشرف"، التي فقدت زوجها خلال الاجتياح الأخير لحي الزيتون، حالة من القلق والحيرة بين خيارين أحلاهما مرّ: إما العودة إلى منزلها المدمر شمال القطاع، أو البقاء نازحة في مدينة دير البلح داخل خيمة مهترئة لا تقيها وأطفالها الثمانية برد الشتاء وعواصفه القادمة. وتقول بأسى إن الخيمة بالكاد تصمد أمام الرياح، بينما وعود الاحتلال بتنفيذ التهدئة وإدخال الخيام والمساعدات الإنسانية لم تتحقق بعد، رغم أن ذلك من بنود الاتفاق المعلَنة رسميًا.

 مخاوف العودة لشمال القطاع، لا تقتصر على "أم أشرف" وحدها، بل تمتد إلى مئات العائلات التي تنتظر بفارغ الصبر ضمانات حقيقية للأمان قبل العودة إلى مناطقها المدمرة في شمال غزة. وتخشى هذه العائلات من تكرار مشهد النزوح مرة أخرى إذا انهار اتفاق وقف إطلاق النار، خاصة في ظل غياب خطط واضحة لإعادة الإعمار، واستمرار الدمار الواسع في البنية التحتية والخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء.

لا حياة هناك

حال "أم أشرف" يشاركها به شقيقها الأصغر معتصم صاحب الـ30 عاماً، قائلاً لـمراسل "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية":" رحت مع الناس أول ما أعلنوا وقف إطلاق النار، بس ما في حياة هناك.. لا مياه، لا كهرباء، الدمار بحيطك من كل جهة، حتى ريحة الحياة معدومة. لمين نرجع؟ وشو نرجع نعمل؟

ويضيف وهو ينظر بعيدًا نحو الشمال "اليهود ما إلهم أمان.. اليوم بيأخذوا الأسرى، وبكرا الحرب بترجع. وحتى لو ما رجعت، راح ينغصوا علينا حياتنا بإغلاق المعابر ومنع الإعمار وتأخير إزالة الركام، صحيح المكان اللي إحنا نازحين فيه مش كامل، ما فيه كل مقومات الحياة، بس والله بظلّ أفضل من بيتنا المدمر ومنطقتنا المنكوبة."

وبحسب جهاز الدفاع المدني الفلسطيني، فإن أكثر من 500 ألف نازح عادوا إلى مناطقهم الأصلية شمال قطاع غزة منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في اكتوبر 2025، رغم التحذيرات من عدم استقرار الأوضاع الأمنية واستمرار وجود مخلفات حرب غير منفجرة في عدد من الأحياء.

رغم الركام ..إصرار على العودة

وفي الـ10 من أكتوبر الجاري، دخل اتفاق وقف اطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ بعد موافقة الطرف الفلسطيني "فصائل المقاومة" والطرف "الإسرائيلي" على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المعروفة بـ"خطة السلام" وأبرز بنودها فتح المعابر وإدخال المساعدات وإزالة الركام وبدء الاعمار وإيجاد بدائل سكنية للمواطنين.

حال السيدة "أم أشرف" وشقيقها يختلف كثيرًا عن حال الحاج أبو خليل، الذي انشغل مع أبنائه في إزالة بقايا خيمتهم استعدادًا للعودة إلى موقع منزلهم المدمر في حي الشيخ رضوان شمال غرب مدينة غزة، وكلمات الأمل لا تفارق الحاج الخمسيني رغم ما يراه من دمار، إذ يقول بابتسامة يغلبها الإصرار:" صحيح الحياة صعبة، والمكان ما عاد مثل قبل، بس بدنا نرجع.. البيت راح، بس الأرض إلنا، وما بنتركها مهما صار".

ثم يضيف وقد بدت ملامح التحدي على وجهه:" يمكن ما ظلّ حجر على حجر، بس هذا ترابنا، وهون انولدنا وهون بنعيش.. حتى لو ما ظل بيت، الأرض بتكفينا".

36972700-1738838539
 

وتشهد مناطق شمال قطاع غزة، أزمة مياه خانقة سواء تلك المخصصة للشرب أو للاستخدام اليومي، في ظل تدمير محطات التحلية وشبكات المياه ومنع الاحتلال "الإسرائيلي" ادخال المعدات لإعادة صيانتها وتشغيلها في انتهاك واضح وصريح لاتفاق وقف اطلاق النار

وبحسب المؤسسات الإنسانية، فإن الظروف المعيشية في شمال قطاع غزة ما زالت بالغة الصعوبة، حيث لا تتوفر مياه صالحة للشرب في معظم الأحياء، ولا كهرباء إلا لساعات محدودة عبر مولدات متنقلة، كما تعاني العائلات العائدة من انعدام المرافق الصحية والخدمات الأساسية، وسط تحذيرات من انتشار الأمراض نتيجة تكدس النفايات والجثامين العالقة تحت الأنقاض.

ورغم القلق والمخاوف، تبقى إرادة الصمود أقوى من الدمار، كما يجسدها كل من أم أشرف والحاج أبو خليل، اللذين يختلفان في الموقف لكنهما يتفقان على الإيمان بأن الأرض هي الحياة، وأن العودة إليها، مهما كانت الظروف، هي أولى خطوات البقاء والكرامة.

كلمات دلالية