بأسلوبها الدموي وعدوانها الهمجي، وبغاراتها المكثفة والأحزمة النارية، تُجبر "إسرائيل" سكان مدينة غزة وشمالها على النزوح القسري من أشباه منازلهم التي أصروا على البقاء فيها، رغم دمارها وقصفها السابق.
فالعشرات من العائلات من شمال غزة وجنوبها، اضطرت إلى النزوح القسري جراء استمرار المجازر الدموية التي ترتكبها إسرائيل بحق السكان مخلفةً العشرات من الشهداء والجرحى والمفقودين، خلافاً للحصار الخانق والمجاعة التي تعصف بهم.
وعلى الطريق الساحلي لقطاع غزة، الواصل بين الشمال والجنوب، تتجه العوائل حاملةً أمتعتها في مشهد متكرر منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023، إلا أن الأمر يختلف هذه المرة أن المناطق التي يعتقد السكان أنها آمنة وتتعرض للقصف اليومي، مكتظة بالسكان، نظراً لنزوح سكان رفح سابقاً وأجزاء كبيرة من خانيونس.
وعبثاً يحاول البعض، البحث عن أن أماكن أكثر أمناً، داخل المدينة أو على الأطراف الغربية، نظراً لعدهم قدرتهم على النزوح إلى جنوب قطاع غزة، لأسباب عدة، إلا أن البعض يفضل الخروج بشكل نهائي، على خلفية التهديدات باحتلال مدينة غزة كاملاً.
ورغم تعلق السكان بآمال وأمنيات بحل قريب ينهي الحرب ويوقف احتلال مدينة غزة، إلا أن مايحدث على أرض الواقع من قصف ودمار يجعلهم يفكرون في النزوح رغم قساوته ومرارته..
فلا تتوقف تهديدات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو المتكررة لتوسيع العملية العسكرية في قطاع غزة، والاستمرار في العملية البرية، والتي تنذر بكارثة إنسانية جديدة في القطاع الفلسطيني المنكوب أصلاً.
وفي 8 أغسطس الماضي، أعلن مكتب نتنياهو، موافقة المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) على خطة إجرامية تشمل الاستعداد للسيطرة على مدينة غزة، مع ضمان تقديم المساعدات الإنسانية للسكان المدنيين خارج مناطق القتال.
يقول المواطن أبو أنس الخالدي من سكان مدينة غزة، الذي اختار أن يبحث عن مكان آمن له في مدينة دير البلح، قبل أن يتم اجتياح المدينة بالكامل: لقد سئمنا النزوح ولا نريده، لكن الخوف على الأبناء والأطفال والنساء هو ما يدفعنا للتفكير في النزوح، لكنني لا أجد فعلياً مكان للنزوح.
ويضيف: هذه المرة النزوح صعب في ظل ضعف الإمكانات، وغياب الأماكن المؤهلة التي يمكن أن تستوعب أعداد كبيرة من النازحين في المناطق الجنوبية خاصةً مع نزوح سكان رفح وخانيونس.
وأشار الخالدي، إلى ارتفاع تكلفة النزوح من مكان لآخر، حيث يكلف الشخص الواحد مع عائلة مايقارب 2000 شيكل، خلافاً لتكاليف بناء الخيمة وتجهيزها.
أما المواطنة أم سعيد منصور، فلم يكن أمامها سوى البحث عن مكان آمن لها ولأطفالها بعد استشهاد زوجها، فتحاول البحث عن أرض أو مخيم يمكن أن تنزح إليه وأطفالها، بحيث يكون آمن لأسرتها.
تقول منصور بحزن: نزحنا أكثر من 10 مرات منذ بداية الحرب، وقد استنزف ذلك طاقتنا المادية والمعنوية، ناهيك عن عدم استقرار الأطفال في مكان محدد ومحاولة التكيف على المكان الجديد.
وتشير منصور: للأسف النزوح من منطقة لمنطقة يكلف أكثر من 3000 دولار، خاصةً أن الوقت الحالي لم يكن كما السابق حيث كان هناك مؤسسات داعمة وخيام ، فهذه الأيام غزة تفتقر لأهم مكونات الحياة وهي الطعام والشراب، فكيف بمقتنيات أخرى تلزم للنزوح .
وحسب شهادات النازحين، فإن تكلفة الانتقال من مدينة غزة إلى الجنوب تصل إلى أكثر من 3,300 دولار للعائلة الواحدة، حيث أن الخيمة وحدها قد تصل كلفتها إلى 5,000 شيكل، بينما المواصلات تتجاوز 2,000 شيكل، وقد ترتفع إلى ألف دولار للأسرة الواحدة، إضافةً إلى تكاليف المياه الصالحة للشرب، والمراحيض المؤقتة، والمواد الأساسية التي تتضاعف أسعارها يوميًا، في ظل ظروف إنسانية واقتصادية صعبة، وفقر وصل لمستويات عالية.
بدوره، قال رئيس بلدية دير البلح: لا توجد بقعة واحدة في دير البلح قادرة على استيعاب أي خيمة نزوح جديدة.
وأضاف، أن ساحل المدينة مكتظ والشرق تحت القصف والبنية التحتية منهارة ومحطة التحلية بالكاد تعمل.
وبين، أن الوضع في المدينة ينطبق على مناطق المحافظة الوسطى وينذر بكارثة إنسانية إذا استمر النزوح.