خيام النازحين في صيف غزة: كتلة لهب تُحرق المجوعين والمكلومين

الساعة 08:21 ص|14 أغسطس 2025

فلسطين اليوم

لا تمثّل درجات الحرارة المرتفعة في صيف قطاع غزة مجرّد حالة مرتبطة بالمناخ الذي يسجّل احتراراً عالمياً، إنّما هي عامل إضافي يفاقم مأساة الفلسطينيين الذين شرّدهم الاحتلال الإسرائيلي في حربه الأخيرة فسكنوا الخيام.

تحت أشعة الشمس الحارقة، يعيش عشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين هجّرتهم آلة الحرب الإسرائيلية بقطاع غزة في خيام مهترئة لا تقيهم من الحرّ الشديد ولا تحفظ كرامتهم، نُصبت بمعظمها على الأرصفة ووسط الطرقات وكذلك في نطاق مخيمات لجوء. وتتحوّل تلك الخيام، بفعل درجات حرارة الصيف المرتفعة، إلى ما يُشبه الأفران، فيتصبّب فيها الأطفال عرقاً فيما تحاول الأمهات استجلاب بضع نسمات هواء من خلال تحريك قطع من الكرتون.

ووسط موجات الحرّ التي تضرب المنطقة ككلّ، يقاسي أهل القطاع الفلسطيني المحاصر والمستهدف منذ أكثر من 22 شهراً، علماً أنّ الحرارة قد تتراوح ما بين 38 و42 درجة مئوية، لتتخطّى ذلك في داخل الخيام بسبب طبيعة المواد المستخدمة في صناعتها التي تحبس اللهيب في داخلها ولا تسمح بمرور الهواء. ويؤدّي ذلك إلى شعور أهل غزة بالاختناق، خصوصاً في ساعات الظهيرة، في حين تنعدم التهوئة والكهرباء والمياه الباردة. وكلّ ذلك قد يزيد من مخاطر الإصابة بضربات شمس وتجفاف وإنهاك حراري، خصوصاً بين الأطفال وكبار السنّ والنساء الحوامل.

يُذكر أنّ هذا ليس فصل الصيف الأول الذي يمضيه الفلسطينيون المهجّرون في قطاع غزة في الخيام، فالحرب الإسرائيلية الأخيرة تتواصل منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وإن تخلّلتها هدنة هشّة لم تدم شهرَين في بداية العام الجاري إذ استأنف الاحتلال عدوانه في 18 مارس/ آذار 2025، بعد أيام من تشديده الحصار على أهل القطاع في الثاني من مارس الماضي.

ويقول الفلسطينيون النازحون الذين يقطنون الخيام اليوم بأنّهم يعيشون في داخلها "نار جهنّم". هذا ما يؤكده الفلسطيني نصر محمد أبو العيش الذي يعيش مع زوجته وأطفاله الأربعة في خيمة منذ أكثر من تسعة أشهر، وذلك بعد نزوحهم من مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين في شمال قطاع غزة الذي يُعَدّ أكبر مخيمات القطاع، واستقراره أخيراً في أحد مراكز الإيواء بحيّ النصر غربي مدينة غزة في الشمال.

يقول أبو العيش لـ"العربي الجديد" إنّ "هذه موجة حارة جداً ولا يمكن التعايش معها"، مشيراً إلى أنّ طفحاً جلدياً أصاب أجساد أولادي وكذلك أجسادنا، في حين لا تتوفّر مياه باردة وبالكاد أستطيع توفير غالون واحد من المياه". ويؤكد أنّ الحرّ "يصّعب الحياة علينا. فلا نستطيع البقاء في داخل الخيمة طوال اليوم نظراً إلى شدّته، ونضطرّ إلى الخروج والاستظلال بكلّ ما ينفع لذلك في أيّ من نواحي المدرسة (التي تحوّلت إلى مأوى للنازحين)".

بدورها، تصف أم المجد أبو زيد، النازحة منذ أربعة أشهر من مخيم جباليا، خيمتها التي نُصبت بالقرب من مكبّ للنفايات في مركز إيواء مستحدث بداخل مدرسة بأنّها "فرن". وتؤكد أم المجد لـ"العربي الجديد" أنّ "الحرّ لا يُطاق، والأطفال لا يعرفون النوم"، مضيفةً أنّ "الروائح الكريهة تنبعث في المكان والبعوض ينهش أجساد الصغار، فيما المياه الباردة حلم بعيد المنال". وتحكي أم المجد وهي تتصبّب عرقاً أنّ "الحياة في داخل الخيام صعبة وقاسية، ونحاول التأقلم على هذا الواقع المرير"، شارحةً "لا نستطيع النوم إلا بصعوبة كبيرة بسبب انعدام الهواء والظلّ، خصوصاً عند الظهيرة". وتشير إلى أنّ لكلّ هذا "انعكاسات صحية كبيرة، جسدية ونفسية، علينا وعلى أطفالنا الذين تستهدفهم الأمراض الجلدية".

ووسط الحرّ الشديد الذي يسيطر في هذه الأيام على قطاع غزة والمنطقة بأسرها، تتضاعف معاناة الشابة الفلسطينية براءة مصطفى بدوي، خصوصاً أنّها تشكو من ضيق دائم في التنفّس بالإضافة إلى إصابتها باعوجاج العمود الفقري. تقول براءة لـ"العربي الجديد": "أشعر بأنّني أختنق، فأبقى في خارج الخيمة طوال اليوم. لهيب الشمس يلسعنا منذ الصباح، ولا ندخل الخيمة إلا للصلاة". وتشدّد على أنّ "الحياة في داخل الخيمة لا تُطاق، خصوصاً في ظل ارتفاع درجات الحرارة في هذه الأيام"، خصوصاً مع حالتَيهاالصحيتَين المزمنتَين.

وتعاني النساء الحوامل والمرضعات خصوصاً وسط الحرّ الشديد، من بينهنّ أم إبراهيم صابر التي تخبر "العربي الجديد": "نستيقظ عند الخامسة فجراً بسبب انتشار الحشرات، ونقضي النهار في الخارج في الظلّ إن توفّر، لأنّ الخيمة تحصر كلّ حرارة الشمس". وإذ تقرّ بأنّها منهكة، تلفت إلى أنّ "أولادي يعانون من تسلخّات جلدية". تضيف أم إبراهيم أنّ وسط لهيب الشمس، لا تتوفّر مراوح ولا كهرباء لشحن البطاريات. ويصير النوم المبكر ضرورة للهروب من البعوض والحرّ". وتتابع أم إبراهيم أنّ "الخيمة التي أعيش فيها مع عائلتي مهترئة، وقد حملناها معنا مرّات عدّة في خلال النزوح، الأمر الذي يجعلها غير صالحة للعيش".

من جهته، نزح جهاد الخطيب قبل عشرة أشهر من جباليا، وبالتالي "انتقلنا من بيت من الباطون إلى خيمة مشمّعة" بحسب ما يخبر "العربي الجديد". ويقول إنّ "جلد طفلَيّ احترق، وظهرت لديهما تسلّخات وحبوب"، مضيفاً "نفسياً نحن منهكون، ولا مدارس للطفلَين. أحاول أن ألهيهما، لكنّهما يعرفان أنّ حياتهما تغيّرت للأسوأ". وينظر جهاد إلى طفلَيه اللذَين أنهكتهما الشمس الحارقة بعدما تسبّبت لهما في أمراض جلدية منذ بداية فصل الصيف، ويؤكد أنّ "الحرّ الشديد انعكس على حالتي النفسية بطريقة سلبية".

في سياق متصل، تعيش هناء العطل، التي نزحت إلى مواصي خانيونس في جنوب قطاع غزة، في خيمة. وتحكي لـ"العربي الجديد" كيف تستيقظ "قبل طلوع الشمس، حتى أجهّز المياه وأحاول تنظيف الخيمة قبل أن تتحوّل إلى جحيم"، مع اشتداد درجات الحرارة. تضيف هناء أنّ "ابني الصغير يعاني من حساسية جلدية، وكلّما ازداد الحرّ تفاقمت حالته"، وتشير إلى أنّ "في الليل، نفترش الأرض خارج الخيمة، لكنّ البعوض يلازمنا. وهكذا صرنا بين نارَين؛ الحرّ أو الحشرات".

في منطقة حيّ الرمال جنوبي مدينة غزة التي يهدّد الاحتلال بغزوها، يشكو نازحون كثر من الحرّ الشديد المسيطر. ميسرة أبو قمر من بين هؤلاء، وهو يعيش في خيمة بالمنطقة ويحكي عن تفاصيل معاناته لـ"العربي الجديد". يوضح أنّ "خيمتنا أشبه بصندوق مغلق، والحرارة فيها تخنقنا. فالطفلان يصرخان طول النهار من جرّاء الحرّ، في غياب أيّ قطرة مياه باردة نرويهما بها". ويسأل: "إلى متى سنبقى بلا مأوى ونمضي حياتنا في الخيام؟"، لافتاً إلى أنّ "الاحتلال الإسرائيلي هدم المنزل الذي كان يحتضنني مع عائلتي وطفلَيّ". ويكمل ميسرة، فيما يمسح العرق عن جبينه، أنّ "خيمتنا مهترئة، وأنا غير قادر على شراء أخرى بدلاً منها، بسبب ارتفاع الأسعار"، مشيراً إلى أنّ عجزه يأتي بسبب "تعطّله عن العمل منذ بداية الحرب على غزة". ويسأل من جديد: "إلى متى سنبقى رهينة هذه الحياة في داخل الخيام"، مشدّداً على أنّ "الوضع مأساوي ولا يُمكن العيش لحظة واحدة في داخل هذا الفرن"، في إشارة إلى الجوّ في داخل الخيمة من شدّة الحرّ.

ويواجه نحو 1.9 مليون فلسطيني في قطاع غزة المحاصر والمستهدف، أي ما نسبته 90% من إجمالي عدد السكان، أوضاعاً إنسانية كارثية بعدما أجبرهم الاحتلال على النزوح في ظلّ استمرار الحرب المدمّرة عليهم. وقد تفاقمت الأوضاع الإنسانية بقطاع غزة في خلال شهرَي يوليو/ تموز الماضي وأغسطس/ آب الجاري، إذ يجد النازحون أنفسهم في عجز شبه كامل عن مواجهة الحرّ ونقص حاد في الغذاء والمأوى والرعاية الصحية، وفقاً لما بات يُعرف بـ"أسوأ سيناريو تجويع" في أجزاء واسعة من القطاع.

وكان المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة قد أفاد بأنّ البرتوكول الإنساني، المتّفق عليه من ضمن اتفاق التهدئة الذي جرى توقيعه بوساطة أميركية ومصرية وقطرية في 19 يناير/ كانون الثاني 2025، ينصّ على إدخال 60 ألف كرفان و200 ألف خيمة للإيواء المؤقّت إلى قطاع غزة من ضمن المرحلة الأولى لاتفاق وقف النار الذي لم يدم شهرَين. تجدر الإشارة إلى أنّ ثمّة 135 ألف خيمة منصوبة في قطاع غزة راهناً، اهترأت منها أكثر من 120 ألفاً، أي ما نسبته 81% من إجمالي عددها.

ومع استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وكذلك الحصار الخانق الذي تفرضه عليه مانعةً حتى إدخال إمدادات منقذة للحياة، تبقى الحلول المؤقتة غير كافية. وتبدو المطالب بسيطة؛ وقف الحرب وإدخال كرفانات أو توفير مساكن لائقة وإن مؤقتة بالإضافة إلى توفير المياه والكهرباء.