في ظل تعثر المساعي السياسية واستمرار التصعيد في قطاع غزة، كشفت مصادر مطلعة عن طرح حركة “حماس” مبادرة جديدة تحت عنوان “الرزمة الشاملة”، تهدف إلى التوصل إلى اتفاق شامل لوقف إطلاق النار، يتضمن إطلاق جميع الرهائن الإسرائيليين مقابل وقف دائم للعدوان، وانسحاب كامل لقوات الاحتلال من القطاع، إضافة إلى بدء عملية إعادة الإعمار ورفع الحصار المفروض منذ سنوات.
ووفق ما نقلته صحيفة الشرق الأوسط، فإن قيادة “حماس” تدارست خلال الأيام الماضية المقترح الإسرائيلي الذي تسلمته مؤخراً، إلى جانب عدد من الحلول التقريبية التي قدمها الوسطاء، غير أن مصادر داخل الحركة أكدت أن المقترح رُفض، لكونه يتضمن شروطاً تُعد “غير قابلة للقبول”، أبرزها نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، والإبقاء على وجود عسكري إسرائيلي في مناطق من غزة، دون ضمانات حقيقية لوقف دائم لإطلاق النار.
وفي هذا السياق، قال مسؤول إسرائيلي كبير لقناة 13 العبرية، الجمعة، إن “تل أبيب لم تتلقَ بعد رداً رسمياً من حركة حماس عبر الوسطاء”، مشيراً إلى أن المفاوضات لم تُعلق بشكل نهائي، رغم الإشارات غير المباشرة التي أطلقها قادة حماس، لا سيما خليل الحية، رئيس وفدها المفاوض، خلال خطاب مقتضب مساء الخميس.
عرض مقابل تعهدات دولية
وأشار الحية في كلمته إلى أن حركته منفتحة على خيار “الرزمة الشاملة”، موضحاً أن المبادرة تنص على إطلاق جميع المحتجزين الإسرائيليين دفعة واحدة، مقابل الإفراج عن عدد من الأسرى الفلسطينيين، ووقف شامل للحرب، وانسحاب إسرائيلي كامل من القطاع، مع الشروع الفوري في إعادة الإعمار ورفع الحصار المفروض على غزة.
وتستند المبادرة الجديدة، بحسب المصادر، إلى التصريحات الأخيرة للمبعوث الأميركي لشؤون الرهائن، آدم بوهلر، الذي أكد استعداد واشنطن لضمان وقف الحرب بشكل نهائي في حال أفرجت “حماس” عن جميع الرهائن دفعة واحدة. وأشارت المصادر إلى أن هذا الموقف الأميركي شكّل عنصراً أساسياً في بلورة رؤية حماس الجديدة، التي تمت مناقشتها مع الفصائل الفلسطينية، خلال اجتماعات داخلية مكثفة.
هدنة طويلة وإدارة مدنية مستقلة
وكشفت المصادر عن أن الحركة منفتحة على إبرام وقف إطلاق نار طويل الأمد يمتد لخمس سنوات، بضمانات إقليمية ودولية، إلى جانب إبرام صفقة تبادل شاملة للأسرى، مقابل انسحاب كامل من القطاع، وتوفير ضمانات لعدم استئناف العمليات العسكرية.
وفيما يخص “اليوم التالي” للحرب، لم يشر الحية في خطابه إلى موقف واضح بشأن من سيتولى الحكم في غزة، إلا أن المصادر أوضحت أن رؤية حماس تتضمن القبول بتشكيل لجنة فلسطينية من المستقلين والتكنوقراط لإدارة القطاع، وفق المقترح المصري للجنة الإسناد المجتمعي، وذلك في حال تم التوافق الوطني على ذلك.
وتسعى الحركة إلى التوافق مع الفصائل الفلسطينية على أساس الاتفاقات السابقة، بما فيها اتفاق بكين لعام 2024، فيما تشير بعض التقديرات إلى أن هذا الموقف قد يشكل تراجعاً عن تمسك “حماس” السابق بلجنة الإسناد، في ظل رفض السلطة الفلسطينية لهذا المقترح.
خلافات على الحكم… وتعقيد المشهد
وتؤكد المصادر أن الحركة قدمت مرونة كبيرة لتسهيل تشكيل اللجنة، بما في ذلك قبول تولي وزير من حكومة رام الله مسؤولية إدارتها، على أن يكون له نائب مستقل من داخل غزة، إلا أن السلطة رفضت هذه الصيغة، فيما أبدت “إسرائيل” هي الأخرى تحفظها على عودة السلطة الفلسطينية لإدارة القطاع، ما يزيد المشهد السياسي تعقيداً.
وتضيف المصادر أن قيادة “حماس” اجتمعت خلال الأسابيع الماضية، في القاهرة، مع شخصيات فلسطينية مستقلة وتكنوقراط، واقترحت بعض الأسماء للجانب المصري، تمهيداً لتشكيل لجنة انتقالية يمكن أن تدير القطاع في مرحلة ما بعد الحرب، في حال تم التوصل إلى اتفاق شامل يضمن وقف القتال وبدء مسار سياسي جديد.
وفي الوقت الذي تتعثر فيه الوساطات وتتباين المواقف، يبقى مصير المبادرة الجديدة مرهوناً بردود الأطراف المختلفة، وسط أجواء ميدانية وسياسية مشحونة، وتطلعات فلسطينية إلى إنهاء الحرب والبدء في مرحلة جديدة تُعيد للقطاع شيئاً من الاستقرار المفقود.