عاد رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو من زيارته إلى واشنطن دون أن يحقق أياً من أهدافه المعلنة، وسط سخط في الأوساط السياسية والإعلامية داخل الكيان الصهيوني، بعد أن فشل في إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإلغاء أو تخفيض الرسوم الجمركية المفروضة على البضائع "الإسرائيلية"، وتعرضه لما وصفه محللون بـ"الإحراج العلني" خلال مؤتمر صحفي مشترك.
وأجمع عدد من المحللين الصهاينة، الثلاثاء، على أن زيارة نتنياهو التي جاءت على عجل، تحولت إلى ما يشبه "الفشل الدبلوماسي" بعد أن اكتفى ترامب بإعلان نوايا لإجراء مفاوضات مباشرة مع إيران، على خلاف رغبات نتنياهو، وامتداحه العلني للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إضافة إلى عدم تقديم أي وعود بشأن الرهائن الإسرائيليين في غزة أو ملفات أخرى.
أسباب خفية وتجاهل متعمد
المحلل في صحيفة "يديعوت أحرونوت" إيتمار آيخنر اعتبر أن السبب الحقيقي لزيارة نتنياهو لم يكن اقتصادياً كما روّج في البداية، بل كان بهدف الحصول على معلومات مسبقة حول مفاوضات أمريكية مرتقبة مع إيران، ومنع أي مفاجآت أو تدخلات إسرائيلية محتملة، مشيراً إلى أن "الرسوم الجمركية لم تكن سوى ذريعة".
وقال آيخنر إن نتنياهو "استعجل من بودابست إلى واشنطن ليعود خالي الوفاض، بعد أن تلقى من ترامب رداً أكثر إذلالاً بشأن الرسوم الجمركية"، مضيفاً أن الأخير تجاهل مطالب نتنياهو وذكّر فقط بالمساعدات العسكرية الأمريكية التي تُقدَّر بـ4 مليارات دولار سنوياً.
الإحراج العلني على الهواء
من جانبها، وصفت المحللة السياسية في صحيفة "معاريف" آنا بارسكي اللقاء بين نتنياهو وترامب بأنه "حدث محرج جرى على الهواء مباشرة"، وأشارت إلى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية عاد إلى بلاده وسط علامات استفهام كثيرة وإجابات قليلة.
وكتبت بارسكي أن "البيان المشترك في المكتب البيضاوي كان بمثابة مفاجأة مهينة، بعد أن تحدث ترامب عن رغبته في حل دبلوماسي مع إيران، وأعرب عن صداقته مع الرئيس التركي، في حين جلس نتنياهو يهز رأسه بالموافقة على التهديدات العسكرية فقط".
وأضافت أن التوقعات التي رافقت زيارة نتنياهو، والتي روجت لاحتمال حصوله على تخفيض أو إلغاء للرسوم الجمركية، انهارت على أرض الواقع، مشيرة إلى أن واشنطن لم تقدم شيئاً ملموساً بشأن الرهائن في غزة أيضاً.
لا وعود ولا إنجازات
المحللة في "القناة 12" العبرية، كارين مارسيانو، أكدت أن ترامب لم يقدم أي وعود بإلغاء الرسوم، بل على العكس، ترك الأمور مفتوحة وألمح إلى أن الإدارة الأمريكية "تريد إنهاء الحرب في غزة قريباً"، دون توضيح أي آلية لذلك، أو الإشارة إلى تفاهمات جديدة بشأن الرهائن.
ويُذكر أن ترامب فرض مؤخراً رسومًا جمركية بنسبة 17% على المنتجات "الإسرائيلية"، ما أثار قلقًا واسعًا في تل أبيب بشأن تأثير ذلك على التبادل التجاري بين الجانبين، خصوصاً بعد أن أقدمت الحكومة الإسرائيلية على إلغاء الرسوم الجمركية على المنتجات الأمريكية قبل يوم واحد فقط، في خطوة استباقية لم تجدِ نفعًا.
تجاهل الخطة العربية وتمسك بمخطط التهجير
وفي ما يخص غزة، قال ترامب خلال المؤتمر الصحفي المشترك إن الحرب "ستنتهي في المستقبل القريب"، مشيراً إلى مخططه لجعل غزة "منطقة حرية" بعد إخلائها من سكانها الفلسطينيين، في إشارة واضحة إلى مشروع التهجير القسري الذي تدعمه إدارته وترفضه الدول العربية والمنظمات الدولية.
هذا الطرح الأمريكي يصطدم مباشرة بخطة عربية أُقرت في قمة طارئة في مارس الماضي لإعادة إعمار غزة على مدى خمس سنوات دون تهجير سكانها، بتكلفة تقدّر بنحو 53 مليار دولار، وهي الخطة التي رفضتها كل من الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي، في محاولة لفرض رؤيتهما الخاصة على مستقبل القطاع.
مفاوضات إيران على الطاولة و"إسرائيل" مغيبة
وفي السياق الإيراني، شدد ترامب على أن "التوصل إلى اتفاق مع إيران هو الخيار الأفضل للجميع"، كاشفاً عن لقاء وشيك مع الإيرانيين لم يوضح تفاصيله، فيما اكتفى بالإشارة إلى أن "نجاح هذه المحادثات سيكون في مصلحة إيران"، مؤكدًا أن أي اتفاق يجب أن يتضمن مراعاة مصالح "إسرائيل"، لكن دون أن تكون طرفًا مباشرًا فيه.
هذا التوجه الأمريكي أثار قلق نتنياهو، الذي لطالما دفع باتجاه سياسة أكثر تشدداً تجاه طهران، ويعتبر أن أي تسوية معها ستمنحها مجالاً للمناورة وتطوير برنامجها النووي الذي تتهمه تل أبيب وواشنطن بأنه موجه لأغراض عسكرية، في حين تؤكد طهران أنه سلمي بحت.
عزلة سياسية وتراجع تأثير
وبين تجاهل المطالب الاقتصادية، وإقصاء "إسرائيل" من صلب التفاهمات النووية مع إيران، وتضاؤل فرص صفقة لتحرير الرهائن، وانحياز أمريكي متجدد نحو تركيا، خرج نتنياهو من اللقاء مع ترامب بمحصلة توصف في الإعلام العبري بـ"الصفرية"، ما يعزز شعور العزلة السياسية والتراجع في التأثير الإسرائيلي على القرار الأمريكي، حتى في ظل العلاقات الوثيقة التي طالما جمعت نتنياهو بترامب.
ويبدو أن محاولة نتنياهو لاستثمار زيارته كوسيلة لترميم صورته أمام الداخل الإسرائيلي وتحقيق مكاسب سريعة، تحولت إلى ورطة دبلوماسية، ومؤشر على تراجع الدعم الأمريكي المطلق الذي اعتادت عليه "إسرائيل" في السنوات الأخيرة.