شريط الأخبار

من أجل حوار يدعم الفلسطينيين ولا يحبطهم ..بلال الحسن

11:44 - 12 كانون أول / يوليو 2009


ـ الشرق الأوسط 12/7/2009

أصبح الحوار الذي يدور في القاهرة تحت إشراف مصري، مسألة محيرة بالنسبة للمتابع العربي، فهو لا يستطيع أن يقبل الخلاف بين الفلسطينيين، وهو لا يستطيع أن يقبل عدم الاتفاق فيما بينهم. ومع استمرار الخلاف وعدم الاتفاق، تتوه الأوصاف والمعايير، ولا تعود هناك قاعدة للتمييز والتقييم، وربما تتجه المواقف بعد ذلك نحو اللامبالاة. ونحتاج حتى لا نصل إلى هذه الحالة، إلى توضيح الأسس التي تقوم عليها عملية تقييم موضوعية للوضع الفلسطيني، وإلا اختلط الحابل بالنابل، وأصبح الصواب والخطأ سيان، وانتقل الحوار من نطاق دعم الفلسطينيين إلى نطاق إحباطهم.

وحتى لا نغرق في جدل نظري بحت، يكون من الأفضل أن ننطلق من بعض الأفكار المعلنة أو السائدة.

الفكرة الأولى: تعتبر أن ما يجري في الساحة الفلسطينية هو انقسام بين رأي عربي ورأي آخر إيراني. الرأي العربي يسعى إلى المفاوضات وتمثله حركة فتح. والرأي الإيراني يسعى إلى المقاومة وتمثله حركة حماس. وأنا أعتبر أن هذين التقسيمين خاطئان. فحركة فتح وباعتبارها حركة شعبية كبيرة، ليست رأيا واحدا، وفي داخلها تيارات تدعو للتفاوض، وأخرى تدعو للمقاومة، وثالثة تدعو إلى الجمع بين النهجين. وفي داخلها أيضا تيارات تدعو للتحالف مع دول النظام العربي، وتيارات تدعو للانفكاك عن هذا النظام ومقاومته، وفيها أيضا من هو مع النهج الإيراني ومن هو ضده. إنما يرتفع من داخل حركة فتح صوت السلطة الفلسطينية وقد أصبحت تمثل تيارا يرفض المقاومة، ويريد التسوية السياسية بما هو ممكن، ويتحالف مع دول عربية توافق على ذلك، ويلقى الدعم من دول غربية تتحمس لهذا النهج.

وفي المقابل الفلسطيني تقف حركة حماس، تؤمن بالمقاومة ولكنها لا تسد الطريق على حلول مطروحة. ولها تحالفات وثيقة مع دول عربية كبيرة وقوية، ولها أيضا علاقات عادية أو فاترة مع دول عربية أخرى، ولها أيضا علاقات مستجدة مع إيران. فهل يصح القول إن حركة حماس إيرانية الهوى؟ لقد نشأت حركة حماس علنا عام 1987 (عام الانتفاضة الأولى)، ولم تكن نشأتها بفعل إيراني، ولم يطرح موضوع إيران نفسه في التحليل إلا بعد أحداث غزة (2007)، وبعد بروز موضوع التهديدات الأميركية لإيران بفعل الموضوع النووي. (أبرز شخصيات الثورة الإيرانية عند انتصارها، تدربوا على المقاومة المسلحة في معسكرات حركة فتح في لبنان، وليس في معسكرات حماس).

ولذلك، فإن أول شرط من شروط إدارة حوار صحي حول أسباب الاتفاق والاختلاف في الوضع الفلسطيني، هو أن ننحي هذه التهمة جانبا، لأنها تهمة لا أساس لها من الصحة، وهي في الترجمة العلنية لا تعني شيئا.

الفكرة الثانية: «إن التضامن مع القضية الفلسطينية بدأ يخف ويتراجع عربيا ودوليا، والسبب أن أصحاب القضية انقسموا، وأصبح ضحايا اقتتالهم أكثر من ضحايا الاحتلال الإسرائيلي، ولأنه لا يمكن الكفاح والنضال من أجل شعب فقد قادته البوصلة الموجهة للعمل السياسي والعسكري».

إن الانقسام في أي عمل سياسي، وفي أي بلدٍ كان، هو أمر سلبي يضر أصحابه، ولا يخرج الانقسام الفلسطيني عن هذه القاعدة، وهو أمر سلبي ومضر. ولكن طرح الأمور بصورة مثالية لا تقبل وجود اختلاف، أو تطرح قضية الاختلاف الفلسطيني عند بحث أية مسألة، أو تعود بالتراجعات إن وجدت إلى الاختلاف الفلسطيني وحده، وتفسر التشدد والتعنت الإسرائيلي الدائم بسبب الاختلاف الفلسطيني، كلها أمور لا تجوز لأنها تشكل تعديا على موضوعية البحث، ولأن هذه الطريقة في التحليل والشرح والفهم طريقة غير مفيدة. وليس هذا دفاعا عن الاختلاف،، وإنما لأن الاختلاف جزء أساسي من العمل السياسي في كل أنحاء العالم، وداخل الدول كما هو داخل حركات التحرر، كما هو داخل الأحزاب. ليس هناك عمل سياسي من دون اختلاف. ويحدث أيضا أن يصل الاختلاف إلى درجة الافتراق أو الانقسام، كما يحدث الآن في الساحة الفلسطينية.

المهم في هذه الاختلافات أن نبحث عن أسبابها الحقيقية، وأن نحاول إيجاد حلول لها، لا يفيد أن نكتفي بنقدها أو بشتمها. ولا يفيد هنا بشكل خاص القول بأن العدو الإسرائيلي لا يقبل أن يوافق على مطالب الفلسطينيين (المتواضعة) لأن حركته السياسية منقسمة، لا يفيد هذا القول أبدا، لأنه يمثل تبرئة مجانية للاحتلال الإسرائيلي، وهو الذي رفض أن يقدم كل ما هو منطقي ومقبول طوال عشرين عاما، وحين كانت القيادة السياسية الفلسطينية موحدة ومتماسكة. الاحتلال الإسرائيلي لا يريد منح الفلسطينيين أبسط حقوقهم لأنه يريد الأرض الفلسطينية، وليس لأن الحركات السياسية الفلسطينية مختلفة. ومن المفيد أن نتوقف عن ترديد هذا التحليل، حتى لا نواصل تقديم التبرير للمحتل نفسه.

قضية ثالثة ترد في الجدال الدائر، تبشرنا بأن الأجيال الجديدة في الشرق الأوسط (لاحظ في الشرق الأوسط) أصيبت بالإرهاق من القضية الفلسطينية، وجاءت أجيال جعلت من قضية مستويات المعيشة والتقدم الاقتصادي قضية لا تقل أهمية عن القضية الفلسطينية، وفي أحيان كثيرة تتفوق عليها.

لا أحد يجادل حول أهمية وأولوية مستويات المعيشة والتقدم الاقتصادي. لا أحد يفكر بأن دعم القضية الفلسطينية يعني وقف التقدم الاقتصادي. العكس تماما هو الصحيح، فمن أجل دعم القضية الفلسطينية لا بد أولا من دفع التنمية الاقتصادية العربية إلى الأمام. ألم تقع حرب 1967 لأن العرب سعوا إلى الدفاع عن مياههم ومنع إسرائيل من الاستيلاء عليها؟

يفترض هذا الكلام مسألتين: يفترض أولا أن العرب ـ دولا وشعوبا وأفرادا ـ معنيون بالقضية الفلسطينية، معنيون بها كقضية تخصهم، تؤثر عليهم، وليسوا معنيين بها كنوع من التضامن مع شعب مضطهد آخر. إن القضية الفلسطينية هي في مصر قضية مصرية، وفي العراق قضية عراقية، ليس انفعالا ولا حماسا ولا إنسانية، بل لأنها تؤثر فعلا على حياتهم وعلى مستوى تقدمهم ومستقبلهم. ويفترض هذا الموقف أيضا مسألة ثانية، وهي أن ما يسمى القضية الفلسطينية هو الوجه الآخر للقضية الإسرائيلية. وحين نقول إن هناك أجيالا تشعر بالإرهاق من القضية الفلسطينية، فإن ما يجب أن نفهمه فعليا وعمليا هو أن أجيالا بدأت تشعر بالإرهاق من التهديد الإسرائيلي. وإذا لم نفعل ذلك، فإن طرح الموضوع من دون هذه الخلفية يكون دعوة صريحة للأجيال الناشئة بأن تتخلى عن قضية فلسطين. وهنا لا بد أن نقول إن طريق مواجهة إسرائيل عربيا هو التنمية والتقدم الاقتصادي، أما تهديد إسرائيل للدول العربية دولة دولة، فهو أقصر طريق لفرض التقهقر الاقتصادي على العرب. التقهقر الاقتصادي يأتي من تهديد إسرائيل وليس من الاهتمام بالقضية الفلسطينية.

نسجل هنا ملاحظتين: الأولى أنه وبعد ثلاثة عقود من اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، فإن الجيش المصري يجري مناوراته السنوية كل عام، حسب قاعدة أن التهديد يأتي من ناحية سيناء وغزة، وتحتج إسرائيل سنويا، ولو بالإعلام، على هذا التوجه، وتعتبره عدائيا، ولكن اتفاقية السلام، لم تستطع أن تدفع الجيش المصري لنسيان الحقائق الاستراتيجية التي تحدد مواقع التهديد للأمن القومي المصري. الملاحظة الثانية أن الفلسطينيين آمنوا دائما أن قضية فلسطين هي قضية عربية، وأن الجهد الفلسطيني فيها هو مجرد التحريك إلى أن يحين وقت الفعل العربي المناسب، سواء كان المناسب فعلا سياسيا أو اقتصاديا أو عسكريا. وقد برز رغم ذلك تيار سياسي عربي، يدفع بالقضية الفلسطينية لتبقى في أحضان الفلسطينيين وحدهم، وهو ما يعني إعفاء العرب الآخرين من مسؤولية المشاركة في الحل. وولدت داخل إطار هذا المنهج أفكار التنازل والتفريط، وهناك من يريد الترويج لذلك. وهذا ما يجب أن نحاربه بالكلمة والرأي والتنظيم والتنمية. وهذا ما يجب أن نحاربه أولا بتجاوز الانقسام والتمسك بالوحدة، إنما الوحدة التي تدفع القضية الوطنية إلى الأمام.

 


انشر عبر