شريط الأخبار

يخادعون ويُشهدِون كذاباً منهم ..علي عقلة عرسان

11:44 - 03 تموز / يوليو 2009

يخادعون ويُشهدِون كذاباً منهم ..

علي عقلة عرسان

 

الإسرائيليون يتذاكون بطريقة تكشف غباءهم وخداعهم، وفي أثناء ذلك يسخر مستمعوهم من خبثهم الذي يكشف أنهم غاية في السوء، وقد أصبحت الهزليات التي يروجونها في أسواق السياسة والإعلام مكشوفة للسذج، فكيف لمن عندهم ذكاء.؟

إيهود باراك في لقائه مع ميتشل قدم صياغة جديدة لمطالب نتنياهو في خطاب بارإيلان، وعدّ ذلك تنازلات إسرائيلية للفلسطينيين.. ونتنياهو في لقائه مع 27 سفيراً أوربياً في فلسطين المحتلة، طلب من الفلسطينيين بعض التنازل.. قال: "إسرائيليون كثيرون مستعدون لتقديم تنازلات كثيرة للفلسطينيين، ولكن شيئاً واحداً هم غير مستعدين له: أن يكونوا أضحوكة (Suckers).  وعليه إذا كان أحد يريد أن أجمد المستوطنات، فإني أتوقع من الفلسطينيين أن يعطوا المقابل". هذا الكلام بالذات يجعل منه ومن الصهاينة الذين على شاكلته أضحوكة بنظر المتابعين المدققين المنصفين والمسؤولين المعنيين بمعرفة دقيقة وعدالة سليمة وسلام مستقر.. فقد اغتصب هؤلاء الصهاينة من الفلسطينيين وطنهم، وطردوهم من أرضهم، ولاحقوهم بالتصفيات والاعتقالات والحصار وبمسلسلات الإبادة، وأقاموا المستوطنات على ما بقى من أرضهم.. وهم يطالبونهم لوقف الزحف على ما بقي من أرواحهم ومن أرضهم بأيديهم.. بمقابل؟.. وكأن كل ما نُهب واغتصب من وطنهم، وما قدموه من تنازلات في اتفاق أوسلو ومن بعده، وفي ظل خريطة الطريق، وعلى يد السلطة " الحنونة" الملتزمة من جانب واحد بالاتفاقيات مع الكيان الصهيوني.. لا يكفي، وهي تنازلات في ميزان القضية والوطن والحقوق، أكثر من جوهرية.!! وأي شيء بقي عند الفلسطينيين ليقدموه أصلاً، وفي مقابل ماذا يقدمون ما يطلب إليهم تقديمه.؟

وفي نكهة جديدة لمهزلة التذاكي الصهيونية المستمرة، أصبح مطلب التطبيع العربي هو في مقابل وقف مؤقت للبناء في المستوطنات.؟! فهل هناك مهزلة أكثر سخفاً من هذه المهزلة؟ وهل هناك بعد استخفافي في التذاكي الصهيوني والعنجهية والعنصرية أكثر من هذا البعد الذي يعبر عن نفسه بغطرسة هي غاية في التفاهة؟.. أقول لا.. لا.. ولكن..

لا يلام الذئب في عدوانه       إن يك الراعي عدو الغنم

ذلك أن الضعف العربي، والتنازل بعد التنازل للصهاينة، قد أغريا شايلوك بالمزيد من اللحم والدم، المال والأرض.. فذهب إلى مدى جديد في طمعه وجشعه، لينخدع به بعض العرب فيوصلهم بحقده إلى درك جديد من الاستخفاف بوجودهم وعقولهم وحقوقهم.؟ ويبدو بكل المقاييس، ومن خلال التجارب والسنوات الطويلة التي مرت في صراعنا مع هؤلاء العنصريين، أن عفن الفكر الصهيوني لا يغسله سوى انكسار عميق يصيب منهم مقتلاً في المادة والروح، وكسرِ قوي في العظم يؤدي إلى ألم موجع جداً ي البدن كله قد تعقبه صحوة ومعرفة.. ولكن هذا الدواء بالكي غير متوفر في الوطن العربي حتى الآن، لا إرادياً ولا مادياً.

يقول المثل العربي: " مجنون يحكي وعاقل يسمع"، فهل ذكر ميتشل أو تذكر، في أثناء كلام باراك معه، الخدع الكثيرة التي قامت بها " إسرائيل" في مجال الاستيطان والمستوطنات على الأقل، وهو الذي قدم تقريراً حول ذلك أدى إلى غضب اليهود منه ومعاداتهم له واتهامه بتهم التحيز .. التحيز للحق!؟ إنه ربما يكون يضحك في "عُبِّهِ" من منطق باراك، كما يشد الرئيس الفرنسي ساركوزي شعر رأسه كلما سمع منطق ليبرمان ـ هكذا قال ساركوزي لنتنياهو في أثناء لقائهما الأخير في باريس حين نصحه بتغيير وزير خارجيته ـ لأن ميتشل يعرف جيداً كما يعرف محاوره، أن تأجيل اللقاء مع نتنياهو تم لأن المطالب التي ذكرها في خطابه غير مقبولة وغير منطقية ولا محتملة.. فكيف يعيد باراك صياغة مطالب نتنياهو ويسوق لمنطقه باستغفال واستخفاف بالغين.؟! "قال باراك لميتشل في محادثاته معه: "إسرائيل تتوقع مقابلاً من جانب الفلسطينيين بما في ذلك التعهد باستئناف المفاوضات على التسوية الدائمة في ظل الإعراب عن الاستعدادات للاعتراف بإسرائيل كدولة الشعب اليهودي. وفي أن المفاوضات ستؤدي إلى "نهاية النزاع" و"نهاية كل المطالب" ـ يعني إسقاط الحقوق وعلى رأسها حق العودة ـ  واستعداد فلسطيني لإقامة "دولة فلسطينية مجردة من السلاح."؟!

وحين" أعرب عن استعداد إسرائيلي لتجميد مؤقت في بناء المستوطنات يشمل 2000 وحدة سكنية تقرر بناؤها مؤخراً.. طرح شرطاً: "خطوات تطبيع العلاقات من الدول العربية مع إسرائيل."؟! وهو الأمر الذي كانوا يريدون من الرئيس أوباما أن يطلبه صراحة في خطابه الموجه للعرب والمسلمين من القاهرة.. ولكنه اكتفى بالتلميح إليه لمعرفته بأنه مطلب منفِّر. لقد عمد باراك في لقائه مع ميتشل إلى التغاضي عن حقائق ما يتم على الأرض من استيطان في القدس والضفة الغربية، وأخفى مشروع "مصادرة أراض في البحر الميت"، لا سيما من الجهة الغربية، لمنع الفلسطينيين مستقبلاً من امتلاك شيء من أرضهم إلى الغرب منه.. والذريعة الصهيونية في ذينك الاستخفاف والاستغفال تقول: " أرض تراجع عنها البحر فعادت لإسرائيل."؟ كما أخفي باراك، بخداع وخبث مأثورين عن اليهود، قضية أكثر أهمية، هي خطوة من خطوات، يفاخر بها هو وكل رؤساء حكومات " إسرائيل"، في مسلسل تكثيف الاستيطان في القدس والضفة الغربية، والزحف المستمر على ما تبقى للفلسطينيين من أرض، وتعميق المشكلات الناتجة عن الاستيطان، وفرض أمر واقع على طاولة التفاوض يصعب، من وجهة نظرهم ونظر المتعاطفين معهم، القفز فوقه.. والقضية التي أخفاها باراك أو دار حولها، هي ما يعرف بقضية " ميغرون"، وهي قضية خمسين عائلة صهيونية ستنقل من "ميغرون" إلى مستوطنة "آدام" في الضفة الغربية، ويريدون لها أرضاً إضافية غير متوفرة إلا خارج المنطقة المأهولة في المستوطنة، وسوف تؤخذ الأرض المطلوبة بالمصادرة.. وهو توسيع صارخ للمستوطنات القائمة، ومصادرة أرض مما تبقى للفلسطينيين في الضفة الغربية من أرض، لتحقيق ذلك الغرض.. وهذا أمر ينخر صميم موقف إدارة الرئيس أوباما من الاستيطان.. ويبدو أنهم سيجدون لذلك حلاً، على الرغم من اعتراض الأميركيين المعلن على مصادرة الأرض وتساهلهم المضمر في التوسع داخل حدود المستوطنات، شاقولياً أو أفقياً، من دون مصادرة أراض جديدة.. وهو ما يُعتقَد أن محادثات باراك ـ ميتشل، قد قرَّبت وجهات النظر حوله.. مما ستكشفه زيارة ميتشل لفلسطين المحتلة ولقاءه مع نتنياهو خلال أسبوعين. ويؤكد ذلك زلمان شوفال الذي كتب في جريدة إسرائيل اليوم بتاريخ 1/7/2009 "في زيارتي الحالية لواشنطن، وفي لقاءات مع مسؤولين كبار في الإدارة في عاصمة الولايات المتحدة، انطبع في نفسي أنهم يبحثون أيضا عن طريقة للنزول عن الشجرة العالية الشائكة للبناء في المستوطنات وقضية "الزيادة الطبيعية". ثم في الإدارة من بدأ يدرك أن الموقف الصارم في هذه القضية لم يثمر ولن يثمر مكاسب من جهة أهداف أمريكا السياسة في المنطقة لأنه كما اعترف الرئيس اوباما نفسه، الزعماء العرب المعتدلون خوفهم من التهديد الإيراني أكبر من خوفهم من التهديد الإسرائيلي."

     في البيان الذي صدر عن اللقاء الأخير بين ميتشل وباراك " طلب الأميركيون من الإسرائيليين "تنفيذ أعمال بالنسبة للمستوطنات".. وبالتوازي دعت الولايات المتحدة الأميركية الفلسطينيين إلى "مكافحة الإرهاب والتحريض ضد إسرائيل"، كما دعت الدول العربية إلى "اتخاذ خطوات تطبيع تجاه إسرائيل". وفي الداخل الإسرائيلي يقولون لن يتوقف البناء في المستوطنات، والقدس عاصمتنا الأبدية التي لن تُقسَّم وهي قيد التهويد التام. ومصادرة الأرض مستمرة عملياً، والمساعدات الأميركية لبناء المستوطنات لم تتوقف ويبدو أنها لن تتوقف ولن تهتز.

أن ما يقدمه باراك وسواه من المسؤولين الصهاينة مجرد لعبة كلامية مكشوفة للاستخفاف والاستغفال وكسب الوقت، وليس أكثر من إعادة صياغة غبية لخطاب نتنياهو في بارإيلان الذي أكد بما لا يقبل الشك استحالة الوصول إلى سلام في المنطقة مع وجود منطق صهيوني عفن من هذا النوع، وطمع يهودي بلغ أقصى حدود الاستخفاف والخبث والجشع لدى ورثة شايلوك وأصحابه. ولن يكون هناك سخف أكثر من هذا لأي منطق عدواني عنصري من أي نوع، سوى أن يقبل عرب وفلسطينيون، لا قدر الله، بهذا المنطق، ويقدموا " تنازلات جديدة" بناء على هذه المطالب القديمة التي سيعرضها الأميركيون عليهم من دون شك، في إطار دعوة الرئيس أوباما للقيام بخطوات بناء الثقة من أجل التقدم نحو "السلام".؟

لقد خادع الصهاينة وكذبوا في كل ما يتصل بتاريخهم وعدوانهم وممارساتهم العنصرية وجرائمهم التي ارتكبوها، وتجلى خداعهم " اللذيذ" على قلوب الأميركيين والمثير لإعجابهم، في موضوعين كبيرين على الأقل هما تصنيع الأسلحة النووية، والاستيطان المكثف النشط.. وقد مالأهم في ذلك حلفاؤهم ومعتنقو عقيدتهم الصهيونية ومنهم أميركيون وأوربيون، ومتصهينون يعملون في مواقع حساسة في الغرب، وعملاء.. وعملاء، وعملاء.. والصهاينة اليوم يخادعون ويستشهدون بكذابين منهم، وقد استشهدوا مؤخراً، في موضوع التوسع الاستيطاني وتأييد إدارة الصهيوني بوش له بواحد من ألمعهم وأشهرهم في الخداع والكذب، متخذين منه سنداً وبرهاناً وحجة.. اسألوا إليوت إبراهمز؟ وكأنهم يذكرون صدِّيقاً "نبياً"؟! وإبراهمز هو الصهيوني مستشار الأمن القومي في عهد السيئ الذكر جورجW  بوش الذي ساهم مع غيره من الصهاينة في التسميم المخابراتي لمصلحة " إسرائيل" في موضوع العراق، وفي التضليل السياسي والفكري والإعلامي، وفي الحشد العسكري، من أجل احتلال العراق وتدميره.. وكان لهم ما أرادوا. يقولون اسألوا إليوت ابراهمز عن تفاهم بوش وشارون حول الاستيطان".. فهو الذي صدق أخيراً وجود التفاهمات، وفحواها أن إسرائيل سمح لها بالبناء داخل الخطوط الهيكلية للمستوطنات القائمة، بشرط ألا يصحب ذلك مصادرة أراض فلسطينية، ومنح المستوطنين حوافز اقتصادية."؟ فما الذي سيضيفه إبراهمز أكثر من تأكيده لما ساهم هو في صنعه من أجل التوسع الاستيطاني لصهيوني في فلسطين؟ .. المصادرة كانت واستمرت وهي مستمرة وسوف تستمر، والتوسع الاستيطاني تضاعف ويُكثَّف، والمستوطنون يتلقون مساعدات مالية مستمرة ويعتدون ويقتلون ويهددون تحت إشراف جيش الاحتلال وبمساعدته.. والفلسطينيون حوصروا وذاقوا الويل والذل، ولوحقوا بالقتل والإبادة الجماعية.. باستثناء من هم أدوات المحتل ضد شعبهم وقضيتهم، وهؤلاء لا يمثلون الشعب الفلسطيني ولا قضيته، ولا يعبرون عن إرادته ولا يصنعون مستقبله.. فهو يقاوم المحتل، ويرفض التنازل، ويدفع ثمن مواقفه دماً ومعاناة، ويتحدى بالمقاومة ليبقي قضيته حية أمام العالم وأمام أجيال الأمة العربية.. لكي يصل ولو بعد حين.. إلى تحرير أرضه واستعادة حقوقه.. إلى الحرية التي ينشدها ويتعلق بها ويناضل من أجلها.

يقول الصهاينة، أعداء الإنسانية والسلام والقيم والعدل، "السلام غير محتمل وغير باق في الشرق الأوسط من دون إسرائيل قوية. ومن دون إسرائيل قوية سيشتعل الشرق الأوسط لهيباً.".. ونؤكد أنه مع بقاء إسرائيل في الشرق الأوسط لن يكون هناك سلام، وسيبقى ما يسمونه "الشرق الأوسط" مشتعلاً. وعلى الأميركيين الذين يريدون هدوءاً واستقراراً وسلاماً في المنطقة، لأنه يخدم مصالحهم القومية، وعلى الغربيين والعرب الذين يؤيدونهم، أن يعالجوا العفن والعنصرية والجشع المزمن في الأنفس والعقول الصهيونية، وأن يعيدوا فلسطين إلى أهلها لكي تستعيد هويتها وعروبتها، ولكي يستعيد الفلسطينيون إنسانيتهم وكرامتهم التي سلبها الاحتلال وشوهها، ولكي يستقر أمن ويقوم سلام يستفيد من استتبابهما العالم كله.. فلا أمن ولا سلام ولا استقرار مع وجود الاحتلال والعدوان والاستيطان والعنصرية والخداع العفن الذي يمثله الصهاينة.

 

باريس في 3/7/2009

                    

 

 

انشر عبر