تحكي قصة كمين حارة الدمج بمخيم جنين، حكاية شابان مقاومان أقسما بالثأر لرفاقهما الشهداء الذين سبقوهما للجنان، ولم يترددا للحظة عن مواجهة جنود الجيش الإسرائيلي المدجج بكافة أنواع الأسلحة المُصنعة أمريكياً أمام هؤلاء الفتية الذين يمتشقون سلاحاً وبضع رصاصات وإرادة وعزيمة تفوق إرادة المحتلين.
فـ"الحسم" و"الطربوش" بلقبيهما المشتهران بهما بين الناس بمخيم جنين الذي أنجب "كتيبة جنين" التابعة لسرايا القدس منذ العام 2021، والتي ما زالت على عهد مؤسسها جميل العموري وقائدها، محمد الزبيدي "الأبو الأيمن"، ففي الاجتياح الأخير للمخيم، الذي يُعتبر الأكثر شراسة منذ العام 2023، أوقع هذان الشابان جنود جيش الاحتلال في أقسى الكمائن بالمخيم ومن "نقطة صفر"، فقد استدرجا قوة خاصة من جيش الاحتلال بكمين الدمج؛ ما أسفر عن مقتل ضابط إسرائيلي وإصابة جنديين آخرين.
"قسم الثأر" حكاية الكمين
انضم كل من "الحسم" و"الطربوش"، إلى المقاومة في مخيم جنين منذ وقت بعيد، وتربيا في المخيم، وشاع لقبهما، فهذه الألقاب، قادمة من موروث اجتماعي يبرز عبر التنشئة في الحارات أو الأحياء الشعبية. وقد استل الشابان سلاحهما بعد دخول قوة خاصة "إسرائيلية" لطرف المخيم الشمالي الغربي، واغتيالها المقاومَين المطاردَين قسم جبارين، وعاصم ضبايا، قرب مشفى جنين الحكومي.
وكان قد أقسم المقاومان بألّا يستشهدا إلا بعد أن يثأرا لأصحابهما من العدو الإسرائيلي المجرم، فقد انتظرا دخول جيش الاحتلال في الحي الغربي لجنين حتى صباح الأربعاء، فجاءهما خبر ارتقاء كل من "الوهدان" و"الصوص" و"المنصور"، فواصلا الخميس وليلته بالكمين، وزاد من شهيتهما للثأر، الجمعة خبر، ارتقاء قائد كتائب عز الدين القسام، وقائد كتائب شهداء الأقصى، ومقاتل من كتيبة جنين.
توجه "الحسم" منفرداً لأحد البيوت وطرق بابه بعد انتصاف الليل، فإذا بسيدة تبلغ الخمسين من العمر، فطلب منها الاتصال بأحد معارفها بحارة الدمج، للتأكد من عدم توغل جيش العدو هناك، ففعلت ما طلب منها هؤلاء الأبطال، وبعد التأكد من عدم وجود العدو في المنطقة، شد الشابان الرحال فجراً، متسللين لحارة الدمج وما حولها، وكانا يخفيان أسلحتهما تحت "جاكيت" طويل، لتجنب رصدهما من طائرات الاحتلال المسيرة التي تملاً الأجواء.

دخول كمين الدمج
وصلا "حارة الدمج" الرابعة فجراً، وقاما بالنداء بشكل خفيت لسكان المنازل بالمنطقة، فغذا بأحد الشبان، يسمعهما فقد كان مستيقظاً يتابع الأخبار عبر مجموعات التواصل الاجتماعي عبر الانترنت، فأطل من النافذ عليهما. وسأله أحد الشابان: هل هناك جيش في هذه الحارة؟ قال: لا، فأجاباه: نشكرك، وسارا إلى أحد البيوت، فوجداه فارغاً فدخلاه، وصمتا كالأسد في مربضه ينتظر الفريسة.
وبينما يثبتان الكمين بحارة الدمج، لاحظتهما إحدى سيدات الحيّ، فاعتقدت أنهما قد تقطعت بهما السبل، وأنهما جائعان ويحتاجان لوجبة إفطار، فبعثت مع طفلتها الصغيرة "بالخبز بالزعتر"، وبعض المشروبات الغازية، وأوصت تلك الأم ابنتها أن تقول لهما أنها جاهزة للمساعدة؛ نظراً لتقدم جيش الاحتلال نحو الحيّ. إلا أنهما رفضا وواصلا المكوث في مكان الكمين المُنتظر.
اشتباك من نقطة صفر
بحسب المصادر الميدانية في مخيم جنين، فقد بدأت المسافة بينهما وبين جنود العدو الآخذين بالتوغل في عمق الحي بالتراجع مع تقدم الوقت، وسط إطلاق الجيش للنار بشكل مكثف بالإضافة للقذاف المحمولة على الكتف "الإنيرجا"، وبعد أن اقتربت قوة من جيش العدو في مرمى المقاومين وعلى مسافة صفر، دققا في عمق الهدف، ولا يغيب عن مخيلتهم الثأر لرفاقهما، ثم أطلقا الرصاص بغزارة، وأوقعا جنود الجيش المهزوم بين قتيل وجريح، رغم أن الاشتباك دام خمس دقائق فقد.
ووفق المصادر الميدانية ذاتها، فقد انسحب الشابان في أعقاب الكمين، في الاتجاه المعاكس. ولحسن الحظ، كان للبيت باب آخر، من الجهة الشرقية، فتمكنا من الانسحاب من المكان بسلام بالرغم من تحليق طائرات الاستطلاع.

شهداء على طريق القدس
ابتعد الشابان عن مكان كمين "الدمج" بحذر نحو الجهة الشرقية من الحيّ، ثم دخلا زقاق في اتجاه الجنوب لمسافة ثلاثين متراً، ثم انعطفا غرباً بقصد الوصول إلى "طلعة الغبس" التي تفصل المخيم عن المدينة من الجهة الشرقية، وقبل وصولهما تلك الطلعة التي يفصلهما عنها بيتان هما بيت "أبو خلدون" وبيت "أبو مراد"، استطاع قناصة من جيش الاحتلال اكتشافهما بعد أن كمنوا سابقاً في بيت "أبو خلدون"، لينالا الشهادة بعد أن أوفيا بعهدهما لرفاقهم الشهداء، وجددا بالدم القسم لـ"كتيبة جنين" والقدس وفلسطين.
