إبراهيم عبد الله صرصور
كفر قاسم/ الداخل الفلسطيني
من مِنّا في البلاد كلها لا يعرف الرجل الصالح والفنان العبقري المبدع خالد عبدالله عازم؟؟.. من منا لا يعرف الاستاذ ابا معاذ؟؟.. لا اعتقد أن أحدا من أبناء الحركة الإسلامية وغيرهم من عامة الناس إلا وسمع به، وتحدث إليه، وتوجه طلبا لمشورته، أفاد من علمه وخبرته ودرايته، وأفاد في صمته كما افاد في كلامه، فله منا سلام.
بحكم معرفتي به منذ اكثر من اربعين عاما، حيث كنت لصيقا بمدينة الطيبة منذ نهاية سبعينات القرن الماضي والى اليوم، عشنا في كنف حركتنا الاسلامية إخوة بالمعنى الكامل، وشركاء في صناعة المشهد على مستوييه الدعوي والفني على مدى سنوات طويلة... عرفته شابا يافعا رضع القيم الدينية من البيئة النقية الطاهرة التي كان فيها والداه المثل الاعلى في الالتزام بفرائض الاسلام وأخلاقه وقيمه، فكانت الطريق قصيرة إلى رحاب الحركة الاسلامية التي أسسها فضيلة الشيخ عبدالله نمر درويش – رحمه الله..
وجد (خالد) ضالته في تلك اللقاءات المميزة التي جمعته مع الشيخ المؤسس. لذلك كان حريصا على حضورها والاستعداد لها والاجتهاد في الاستفادة منها.. الحق، والحق أقول، لم يكن أحد يستطيع التنافس معه، لكنه كان من أكثر الناس حضًّا على المشاركة فيها.. كان اسبق أقرانه بحسه المرهف الذي حباه الله به مبكرا، إلى استيعاب اهمية هذه اللقاءات، فكان أكثر الناس استفادة منها وحرصا عليها، وقد انعكس ذلك عليه فيما بعد في تعمقه في ابواب المعرفة، وبرز شامخا فيما اعطاه الله سبحانه من المواهب الفنية التي التقطها الشيخ مؤسس الحركة الاسلامية، فجعله على رأس مؤسسة "جسور" التي وضعت الحركة فنيا في قلب الاهتمام المحلي والاقليمي والدولي.
هنا بدأت تظهر عبقرية (خالد) في مجال الفن الاسلامي الملتزم. لقد وعى حينها ان الشيخ عبدالله يريده لأمر جلل ويُعِدُّه لمهمة عظيمة.. التقط (خالد) الرسالة قبل ان نلتقطها بكثير، لذلك وقع اختيار الشيخ عبدالله عليه دون غيره ليكون عنوان الحركة الاسلامية الاوحد في صناعة الفن الاسلامي، واطلق يده ليصنع للحركة فنا ينافس صناع الفن الاخرين ولكن بنكهة الاسلام العظيم وقيمه الجليلة ومعاييره الوطنية الاصيلة... كان (خالد) رائد مشروعٍ حركيٍّ نوعيٍّ مميزٍّ هو فصل من خطة الشيخ المؤسس لبناء صرحٍ ما زال الى ذلك الوقت غريبا عن فضاء الحركة الاسلامية واهتماماتها، ليكون مؤثرا وفاعلا في توجيه بوصلة المجتمع، ومشاركا بقوة واحترافية مع غيره من التنظيمات التي سبقت بأشواط تجربةً وممارسةً من النواحي الفنية والسياسية والاجتماعية والثقافية...
كانت للشيخ المؤسس – رحمه الله – رؤية فنية بحث بين كوادر الحركة الاسمية المتخصصة عمن يتبناها ويعمل على تطويرها لتكون مدماكا اصيلا في بناء الحركة الاسلامية، ورافدا من روافده الابداعية المتقدمة... لطالما عَبَّرَ الشيخ المؤسس عن قناعته الراسخة ان العمل الفني يمثل منذ أقدم العصور شكلا من اشكال التحضر والرقي، وأداة للتعبير عن الجوانب الجمالية والمواهب الابداعية الكامنة في الفطرة الانسانية. كما ان المجال الفني في عالمنا المعاصر قد أصبح من بين أهم ساحات التدافع الثقافي ومجالات غرس القيم، مما يؤكد الحاجة الى العناية بالمسألة الفنية ابداعا وانتاجا، وتكوينا للطاقات ودعما للمواهب وابرازها، وانفتاحا على الاعمال الفنية البانية، خاصة ان تلك العناية تجد اصولها في مرجعيتنا الاسلامية، وترتكز على تجارب أصيلة في رصيدنا التاريخي والحضاري الذي كان يستلهم ابداعاته وتعبيراته الفنية والادبية من مصادر هذه المرجعية اي الكتاب والسنة..
لهذه الاعتبارات وغيرها احتل الاهتمام بالجانب الفني والاستجابة للحاجات الذوقية مكانة معتبرة في التصور الاسلامي، كما شكل أحد مجالات الابداع والتفوق في الحضارة الاسلامية التي لا تزال معالمها وآثارها شاهدة على ذلك الى اليوم.
كان الشيخ عبدالله داعية من الطراز الاول، وقائدا فذا لا يشق له غبار... بحسه المرهف ودرايته العميقة وحنكته التنظيمية، عرف ان الدعوة بحاجة إلى تخصصات من اهمها التربية يحترفها من حباهم الله بما يؤهلهم لمهمة القيام بأعبائها، فَيَسُدُّون بذلك ثغرة من اخطر الثغرات في بناء الدعوات الربانية، عليها المعول – بعد الله – في صناعة الرجال العاملين وإرفاد الحركة بالدعاة المخلصين الذين يعملون على فتح القلوب وتوجيه الارواح قبل القوالب والاجساد. ومنها العمل السياسي والاجتماعي وايضا الفني.
كان الاستاذ (خالد) هو العنوان الذي وجد فيه الشيخ المؤسس ضالته... لذلك لم يتردد لحظة في اختياره لهذه المهمة الكبرى والوظيفة العظمى! كان (خالد) على مدار سنوات طويلة والى ان توفاه الله سبحانه، عند حسن ظن الشيخ المؤسس، وعند ظن قيادة وكوادر وأنصار ومحبي ومؤيدي الحركة الاسلامية، بل رأى فيه مجتمعنا العربي الفلسطيني على امتداد الوطن من البحر الى النهر، رمزا وطنيا أضاف للفن الفلسطيني والعربي ما أصبح علامة فارقة ستظل راسخة في ذاكرة الاجيال ابد الدهر..
كانت البلاد بطولها وعرضها ميدانا لم يستطع استيعاب قدرات الاستاذ خالد عازم وطاقته وهمته... عرف كيف يجعل من الموقع الذي اختارته القيادة له ميدانا جمع اليه فيه كل المواهب الفنية في حركتنا الاسلامية وغيرها وفي جميع الفنون، فرسم لوحات فنية في المهرجانات الاسلامية السنوية، والأخرى الوطنية (منها بانوراما مجزرة كفر قاسم عام 2016، والتي تعتبر الوحيدة في المجتمع العربي، ومهرجان الذكرى الستين لمجزرة كفر قاسم، والذي كان من ورائع انتاج الأستاذ خالد عازم). كما وطور فرق الانشاد الاسلامية التي احتلت مكانتها وبجدارة بين الفرق العالمية، وترك بصمة ما زالت تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، هي في الحقيقة "صدقة جارية" تصب في ميزان اعماله، وتضخ في رصيد حسناته....
لقد سَكَنَتْ قضيتنا العربية والإسلامية قلبه، وعمرت صدرَه الحنون، وأثقلت – كما ظهر مع رحيله المكر - جسده، إلا انه كان وعلى مدى سنوات طويلة تجاوزت العقود الاربعة السند الذي لا يُبارى للحركة الإسلامية في الداخل، والفارس الذي لا يُشَقُّ له غبار... يصول ويجول في عطاء موصول دائم لا يفتر أبدا.. لقد رأى في الحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر خط الدفاع الأول عن الأرض والإنسان والمقدسات.. لقد قرأ ببصيرته الثاقبة صفحات المستقبل للقضية الفلسطينية، وعرف بحسه المرهف أن رحلة الخلاص طويلة، ولا بد من اجل النهوض بها والقيام لها من إعداد يُلْغى عنصر الزمن فيه، ولا يعترف إلا بالعمل والتضحيات بلا حدود، وتفويض الأمر بعد ذلك لله وحده في أن يُعَجِّلَ أو يُؤَجِّل، فتلك مشيئته وله وحده الخلق والأمر.
ما جلست معه، ولا تحدثت إليه - وعلى مدى أكثر من اربعة عقود - إلا وازددت حبا فيه، وإعجابا بخصاله، وخصوصا في المرحلة الأخيرة التي أصيب فيها بأنواع البلاء التي لو صُبَّ شيء منها على الأيام صِرْنَ لياليا، لكنه صبر واحتسب دون شكوى، إلى درجة ان احدا منا لم يكن يعرف حقيقة ما يعاني منه... في كل مرة كنت أتحدث إليه واسأل عن صحته واوضاعه كان يقول: "الحمد لله الذي لم يجعل مصيبتي في ديني"... لقد رأى في تلك الابتلاءات امتحانا لإيمانه، فحرص دائما على ألا يرى اللهُ منه إلا ما يُحِبُّ ... فما لانت له قناة ، وما غابت عن محياه ابتسامتُه وبشاشتُه، وما فقد أبدا روح الدعابة التي اشتهر بها حتى في أكثر الظروف صعوبة وشدة ... إلا انه وجد سلواه في كثير من الأحيان في خدمة دعوته ومدينته "الطيبة" خصوصا بعد ان تسلم ادارة فرعها لسنوات ملأها ابداعا وانجازا وتألقا، جعل الناس يزدادون فيه حبا وله احتراما وتقديرا...
زرته في بيته قبل مدة قصيرة من وفاته... لقد كان سعيدا بهذه الزيارة كعادته في كل زيارة... لم يخطر على بال أحد منا ان هذا اللقاء هو الاخير مع الاستاذ خالد، حيث كانت المفاجأة صاعقة حينما أبلغنا أن تدهورا خطيرا طرأ على وضعه الصحي، مما أدى إلى إدخاله إلى قسم العناية المكثفة، حيث وافته المنية ليلة الثلاثين من رمضان، ليلة العيد، بتاريخ 2.5.2022...
الموت حق، ولا راد لقضاء الله، إلا أنني للحظةٍ لم اصدق ما سمعت، فكيف يكون هذا وأنا الذي التقيته قبل أيام ... لم يكن هنالك ما يدعو إلى القلق حينها.. إلا أن الله سبحانه قد قدر له إنهاء رحلته في الدنيا، وبداية رحلته السعيدة - إن شاء الله - إلى جنانه في الآخرة....
نم قرير العين – اخي الحبيب خالد - حيث مثواك جنات الخلد، فقد أديت الأمانة على أشرف وأنبل معانيها، ولأنك لم تتنكر إلى القيم العظيمة التي سلكتها عبر طريق الرسالة الخالدة وأنت تكافح من اجل استئناف الحياة الإسلامية، واستعادة الأمجاد الربانية وهداية الخَلق ودلالتهم إلى الطرق الرحمانية.... فهنيئا لك بهذه الشهادة، ومباركَةٌ عليك جنات الخلد مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا....
مَرَّ عامان على فراقك ايها الحبيب خالد عازم... لكنك كلما ابتعدت اقتربت.. رغم مرور الوقت، ما زال العقل يرفض تصديق أنك رحلت عن هذه الدنيا الفانية الى الآخرة الباقية... لكننا على يقين إن كنت غبت عنا بجسدك، وانتقلت إلى رحاب الله وجناته ان شاء الله، فستظل باق بإرثك وبصماتك وميراثك الجليل والجميل الذي لن ينساه شعبنا أبدا...
كذا فليعظم الخطب وليفدح الامر ما لعينٍ لم يفض دمعها عذرُ
فتىً كلما فاضت عيون قبيلة دما دهشت منها الأحاديث والذكرُ
خالد، عليك سلامُ اللهِ وقفا فإنني رأيت الكريمَ الحرَّ ليس له عُمْرُ
كيف لنا ان نصبر على فراقك يا حبيبنا ابا معاذ؟! الا ان ما يواسينا، مصابنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يعزينا ان اللقاء بك وبمن نحب ممن سبقنا الى الله، مهما طال، فهو أقرب الينا من حبل الوريد..
لن تفي الكلمات والدموع جزءا من حق حبيبنا خالد عازم - رحمه الله ورضي عنه - ولا بعضا من الدَّين الذي طوق به اعناقنا.. لكنا على ثقة بأن ميراث "خالد" الذي أخذه عن شيخنا ومؤسس حركتنا الاسلامية فضيلة الشيخ عبدالله نمر درويش - رحمه الله ورضي عنه - سيظل المُلهم للأجيال فيظلوا على العهد، لا يحيدون عنه حتى تنفرج الغمة ان شاء الله.
رحم الله الأستاذ خالد عازم... عاش عابدا زاهدا، وقضى حياته مقبلا على الله غير مدبر، وطالبا من طلاب الأخرة، وعازفا عن الدنيا، ومات صابرا على ما ابتلاه الله من أمراض، فلم يفتر لسانه عن شكر الله سبحانه الذي اعطاه قلبا خاشعا ولسانا ذاكرا وجسدا على البلاء صابرا.. رحمه الله في الاولين والآخرين، وجمعنا معه ومع الشيخ المؤسس مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في مقعد صدق عند مليك مقتدر...