شريط الأخبار

مثل الوباء، مثل الموضة .. معاريف

12:08 - 23 حزيران / يونيو 2009

بقلم: يارون لندن

في الثاني والعشرين من آذار 1968 احتل طلاب كلية الاداب مكاتب جامعة نانتر، وهي بلدة بقرب باريس. هذه الحادثة حركت سلسلة من الاحداث رجت فرنسا. كنت حسن الحظ وأرسلت في تلك الايام حقا الى باريس لاعمل فيها مراسلا لشبكة الاذاعة. وجدت نفسي في أحد أزقة الربع الخامس بين سرية من الجندرمة السود البزات وعصابة من الطلاب رماة الحجارة. لوحت ببطاقة الصحفية دفاعا عن نفسي. أرسل إلي احد رجال العسكر من وراء الدرع البلاستيكية لخوذته نظرة غير مبالية، وضربني بعصاه المطاطية. وارتسم على مقعدتي خطان اسودان طويلان مدة عدة اسابيع.

قد تكون تلك العلامة على لحمي هي التي حثتني على ان أحقق سبب التمرد. ما الذي أحدث غضب طلاب الجامعات؟ لماذا تدحرجت حادثة ضئيلة الشأن مثل كرة ثلجية وأحدثت مظاهرات ضخمة، ومشاهد عنف مخيفة واضرابات أشلت الاقتصاد؟ اكثرت القراءة في ذلك. بينت الف تفسير لكن لم يوجد لي جواب محقق.

يقول باحثون إن طلاب الجامعات في نانتر غضبوا لاشياء تافهة مثل تحريم لقاء البنات والبنين في مساكنهم المستقلة، لكن وجد بين يدي ذلك قلق من المستقبل. خرجت الجامعات في فرنسا فائضا من الخريجين في الاداب والمجتمع وساد العالم مناخ تمرد. تمزقت الولايات المتحدة بسبب فيتنام، واشتعلت الجيتوات السوداء، وقتل مارتن لوثر كينغ. أما تشيكوسلوفاكيا الظامئة للحرية فداسها السوفييت.

هل هذه التفسيرات واشباهها تريحكم؟ خلصت الى الاستنتاج المعروف وهو أنه لن يمكن أبدا تقديم تفسيرات تامة لاحداث تاريخية واسعة النطاق.

واذا كان "الماضي ليس ما كان" (مثل انجليزي معروف جدا)، فماذا نقول في قراءة المستقبل؟ اليكم درسا في التواضع: في نهاية الاسبوع الماضي تنبأ رئيس الموساد بأن الاحداث في ايران ستفتر في غضون بضعة ايام. لقد ظهر وهمه. ان رئيس الموساد لم يعلم ان الخصومة ستقسم النخبة السياسية.

توجد نظرية جميلة تسوي بين تطور التمردات الجماعية وانتشار الوباء وسيادة الموضة واذاعة اشاعة. الفكرة مثل الفايروس: فهي تظل غافية في منطقة اعتادتها، وهو ضعيف وضرره قليل. وفجأة يحدث شيء ما يأتي به الى المركز حيث يجد سكانا مزدحمين لم يكتسبوا مناعة طبيعية منه. اذا لم يتم القضاء عليه من الفور فسينتشر بحسب متوالية هندسية ويفترس مضيفه.

هكذا حدثت أوبئة الطاعون في اوروبا في العصور الوسطى. وهكذا سلك فايروس الايدز. وهكذا احتل الهيب هوب مركز منصة الموسيقى الشعبية. جيء بفايروس الطاعون من وسط آسيا في فرو فئران سافرت في سفن اسطول البندقية. وعاش فيروس الايدز في اجسام قردة افريقية لامست بني البشر. وولد الهيب هوب في ضواحي مدن في الولايات المتحدة يسكنها سكان سود. لسنا نعلم ما الذي سبب نجاح هذه الموسيقى، لكن من شبه المحقق انها لولا ان وجدت مسارا لما بلغت المركز. وقد يكون المسار حادثة ضئيلة الاهمية مثل افتتاح خط قطار جديد أتى ببعض الراقصين السود الى ميدان التايمز.

المسار الذي مكن من التمرد في ايران هو الشبكات الاجتماعية في الانترنت. سيكون هذا موضوع البحث الرئيس لمؤرخي المستقبل.

ـ
الوضع السياسي (الداخلي والخارجي): تطورات مهمة.. ايزي ليبلار

دفع بنيامين نتنياهو الى موقف مشكل قبل أن خطب خطبته الكبيرة الاولى عن السياسة الخارجية الاسرائيلية. كان يجب عليه ان يرد على مطالب رئيس امريكي ذي شعبية يخلق انطباع أنه معني بتقريب الولايات المتحدة من العالم العربي بالابتعاد عن اسرائيل. بمقابلة ذلك دفعه المتطرفون في اليمين الى تجاهل مطالب الولايات المتحدة لانهم غير قادرين كما يبدو على فهم أن اسرائيل لا تستطيع أن تقف وحدها ازاء العالم كله.

من غير استخذاء أو اذعان في الشؤون المتعلقة بأمن اسرائيل، تبنى نتنياهو على نحو مدهش موقفا مهادنا ومنع شقاقا ذا شأن في العلاقات بين اسرائيل والولايات المتحدة. لقد بين ان نتنياهو الجديد نضج وطور مزايا سياسة وشجاعة يحتاجها الزعيم الاسرائيلي في هذه الازمان الصعبة.

في خطبة الرئيس أوباما العالم الاسلامي، والتي بنيت بناء عبقريا، احدث للاسف الشديد مقارنة اخلاقية بين المحرقة واللاجئين العرب. وتبنى في واقع الامر الرواية العربية عندما المح الى أن اقامة دولة يهودية كانت نوعا من التعويض من الكارثة التي سببت معاناة لفلسطينيين ابرياء. رفض نتنياهو هذه الرواية الكاذبة على نحو قاطع لكن على نحو دبلوماسي. فقد اكد الصلة العميقة للشعب اليهودي بارض اسرائيل المتصلة منذ 3500 سنة قبل المحرقة.

كان الجزء الاكثر حساسية من خطبة نتنياهو كامنا في التأييد الرسمي لاقامة دولة فلسطينية مع الخضوع لاربعة شروط: الاعتراف باسرائيل على انها دولة يهودية؛ ونزع سلاح تؤيده ضمانات دولية؛ ووقف التحريض المعادي للسامية في السلطة؛ والاعتراف بأن أبناء اللاجئين الفلسطينيين لن يعودوا الى اسرائيل.

مع الاخذ في الحسبان تاريخ النزاع العربي الاسرائيلي، يتوقع من البيت الابيض ان يعترف بأن مطالب اسرائيل منطقية. والى ذلك فانه من اجل اظهار ارادة خيرة، جمد نتنياهو اقامة مستوطنات جديدة، لكنه أصر على أنه يجب تمكين المستوطنين من أن يحيوا "حياة طبيعية" وألمح بذلك الى تأييد البناء على أساس الزيادة الطبيعية في الكتل الاستيطانية. وعبر ايضا عن التزام الحفاظ على القدس موحدة يضمن فيها حرية العبادة لابناء الديانات جميعها.

كان رد الفلسطينيين الاول تهديدات بأنهم سيعاودون استعمال الارهاب والعنف. اذا رفضوا مقترحات نتنياهو فانهم سيستعيدون السلوك العنيد لعرفات وعباس، اللذين رفضا مقترحات ايهود باراك وايهود اولمرت ان يسلماهم 97 في المائة من المناطق وراء الخط الاخضر. سيبرهنون مرة اخرى على أنه في حين يشتاق أكثر الاسرائيليين على نحو شبه يائس الى وقف التحكم بالفلسطينيين، يمنع الفلسطينيون – على نحو ساخر خاصة – أنفسهم دولة لان هدفهم الرئيس ما يزال القضاء على السيادة اليهودية في المنطقة.

كان رد البيت الابيض الاول أن الخطبة هي "خطوة مهمة الى الامام". لكن لا يحل لنا ان نوهم انفسنا. فقد أصبح يستعمل علينا ضغط لاحداث تنازلات اخرى بلا عوض. ان اقتراح ان تعود اسرائيل الى الحدود التي سماها حتى آبا ايفن "حدود اوشفيتس" اقتراح مزعزع. وكذلك طلب ان تنفذ اسرائيل تنازلات من طرف واحد مع حماس بغير صلة باطلاق غلعاد شليت طلب صعب.

يتبين من تصريحات هيلاري كلينتون ومتحدث البيت الابيض ان التفاهمات التي احرزت مع ادارة بوش، وفحواها ان مناطق مثل غوش عتسيون، ومعاليه ادوميم ومستوطنات مجاورة للقدس ستظل في سيادة اسرائيل، رفضت تماما. تحاول ادارة اوباما ايضا منع اليهود اقامة بيوتهم في هذه المناطق. لا تستطيع اي حكومة ان توافق على فرض قيود على اليهود أن يسكنوا القدس التي هي المدينة التي نشأت فيها ديانتهم وشعبهم.

من أجل ذلك نحتاج الان الى حكومة وحدة. أعلن رئيس الحكومة بسياسة تتمتع بتأييد كثرة كبيرة من مواطني الدولة. لا يوجد اليوم اي فرق جوهري بين سياسة كاديما والليكود. ان استمرار عناد تسيبي لفني في فترة حرجة كهذه في تجاهل المصلحة القومية من أجل تقديم مطامحها الشخصية يشهد على الهرب من المسؤولية.

الى ذلك من المهم تشجيع يهود امريكيين على تأييدنا تأييدا فعالا. قد يكون لتأييدهم الاخلاقي تأثير كبير، مع اعتبار ان 80 في المائة منهم صوتوا لاوباما بعد ان وعد بأنه لن يتخلى عن اسرائيل ابدا. يجب عليهم ان يؤكدوا أن محاولة الضغط على اسرائيل ومصالحة العرب لن تمس اسرائيل فقط بل سترتد آخر الامر مثل عصا مرتدة تصيب الولايات المتحدة أيضا.

انشر عبر