شريط الأخبار

حرب 1967.. دروس منسية ..نبيل شبيب

09:18 - 07 حزيران / يونيو 2009

الذاكرة التاريخية تحفظ الأحداث ونتائجها، وتبني على ما سبقها في صناعة ما يليها، فسنن التاريخ باقية سارية المفعول، يسير معها من يعيها ويتفاعل مع نتائجها ويتحرك بموجبها، وينفصل عن التاريخ فيتجاوزه مَن يفصل نفسه عنها ويغفل عن مغزى أحداثه على وتيرتها. فالذاكرة الفردية والجماعية البشرية مخيرة بين أن تربط نفسها بالذاكرة التاريخية فلا تتكرر الهزائم، ولا تضيع الإنجازات، أو أن تضل عنها فتتحول دروس التاريخ إلى مجرد أيام للذكرى، بأمجادها أو نكباتها، والاحتفاء بها أو تجاهلها.

ما بعد النكبة

 

الذاكرة التاريخية تصنع الوعي بالواقع وتستشرف المستقبل، وبدونها يُصطنع وعي آخر يتناسى صاحبه ما مضى لمرارته، أو يشيد بإنجازات مضت ولا يستفيد منها، فأين نقف بذاكرتنا البشرية بعد 42 عاما من نكبة 1967؟..

 

ما الذي صنعناه بما لا يحصى من كتب ودراسات ومقالات واجتهادات عن أسباب الهزيمة التي غيرت مجرى تاريخ المنطقة؟..

 

ما الذي انتقل من الجيل الذي صنع تلك النكبة إلى الجيل الذي يرجى له أن يضع حدا لصناعة النكبات؟..

 

لا ريب أن ما شاع وصفه بالصحوة الإسلامية، وأن الانتفاضات الفلسطينية، وأن مسيرة الصمود والمقاومة، قد ربطت جميعا بين ما وقع عام 1967، وبين ما ينبغي صنعه كيلا تتكرر مأساة الهزيمة، فظهرت على طريق قضية فلسطين مشاعل لم يعد في الإمكان تجاهلها وتجاوزها، ولكن بقي جميع ذلك محصورا أو محاصرا، وتحوّلت المنطقة بمجموعها أو بالنسبة الأعظم من دولها ونخبها ومجتمعاتها -وهي المنكوبة بنتائج حرب 1967- إلى صناعة العقبات على طريق القضية، والمقدمات لنكبات أخرى، بدلا من التحرك في علاج الأسباب وتغيير النتائج.

 

كانت قضية فلسطين قبل 1967 قضية عربية مشتركة مصيرية، تحمل المسئولية عنها الحكومات العربية، وتقدم طاقات العمل إليها الشعوب العربية، من "المحيط الهادر إلى الخليج الثائر" وكشفت حرب 1967 الغطاء عما كان يتردد في بقية هذا الشعار بعبارة "لبيك عبد الناصر".. رمزا إلى الطريق الذي سلكه الزعيم العربي الأول في تلك الحقبة، وسيان ما يقال عنه وعنها، تبقى الحصيلة التاريخية الواضحة للعيان، أن الطريق التي سلكها أوصلت إلى نكبة 1967، وأن الأخطاء التي ارتُكبت آنذاك، كانت من الأسباب الذاتية الأولى للنكبة والتي مكنت من أن تفعل الأسباب الخارجية فعلها.

 

وبدلا من الاستفادة من دروس النكبة، كان التوجيه مقصودا وموجها لتصبح قضية فلسطين بعد 1967 مسألة نزاع عربي-إسرائيلي على "تطبيع" إفرازاتها، ومسألة نزاع فلسطيني-إسرائيلي على "حصيلة النكبة" المصنوعة عربيا وليس فلسطينيا فقط، وقيل آنذاك إن المسئولية وضعت في أيدي الفلسطينيين عبر من جعلته الدول العربية دون الرجوع بصورة مشروعة إلى الإرادة الشعبية الفلسطينية، وبمعزل عن إرادة الشعوب الشقيقة العربية، "ممثلا شرعيا وحيدا" لشعب فلسطين، وبدا كما لو أن الحكومات العربية تخلت عن القضية، وما تخلت عنها، إنما تحركت، أو تحرك معظمها، ولكن في اتجاه "حصار القضية" داخل دائرة فلسطينية، والحيلولة بمختلف وسائل التضليل والقمع، دون أن تتجدد العلاقة المصيرية الطبيعية المشتركة بين شعب فلسطين من جهة والشعوب الشقيقة الأخرى من جهة ثانية، ثم بين طاقات الانتفاضة والمقاومة التي فجّرها شعب فلسطين مجددا، وبين طاقات الصحوة التي انتشرت في ظلمات ما خلفته نكبة 1967 في واقع الشعوب الشقيقة.

 

تغييب الوعي التاريخي

 

كانت قضية فلسطين بندا لا يمكن تصوّر غيابه عن مناهج التدريس والتعليم والتوعية والإعلام والسياسة والاقتصاد والفكر والفن والثقافة والتأليف وحتى ألعاب الأطفال وأناشيدهم وما ترسم أناملهم من صور وتتخيل أحلامهم من معالم المستقبل.. لا يمكن تصور غيابه عن الوجدان وأحاسيسه والعقل واجتهاداته، وبالتالي عن الوعي الحي التاريخي في الحاضر المعاصر، فبدأ تغييب ذلك كله عن تلك المناهج جميعا، إما بإعطاء "الأولوية" لما صنعته "سايكس بيكو" وأخواتها من أقطار متمزقة متفرقة ومتنازعة متناحرة وعلى أفضل تقدير متباعدة منفصلة عن بعضها بعضا، أو من خلال تزييف تاريخ القضية وحاضرها ومصطلحاتها، وبالتالي ما تعنيه مفردات الصمود والمقاومة والتحرير والتضامن والمقاطعة والتصدي وعبارات الحق والعدالة والشرعية.

 

لم تكن النكبة الكبرى في تاريخ المنطقة نكبة الهزيمة عام 1967، فما من أمة إلا وشهد تاريخها من الهزائم العسكرية ما هو أكبر منها أو أصغر، وأشد بعواقبه أو أخف وطأة، إنما كانت النكبة الكبرى في تاريخ المنطقة هي ما صنعته الأنظمة التي اعتبرت نفسها -رغم النكسة- منتصرة لمجرد بقائها، وشاركتها فيه أنظمة سبق أن نأت بنفسها عن مقتضيات المصير المشترك وأرادت الحفاظ على بقائها، فبدأت جميعا تصنع عمدا كل ما من شأنه أن يستبعد القضية عن الذاكرة التاريخية المشتركة، حصارا للقضية المختزلة في صراع فلسطيني-إسرائيلي خارج إطارها، واستبعادا للقضية عن الوعي المشترك، والعمل المشترك، والتضامن المتبادل، وواجب العمل المفروض، ووجهة الهدف المشروع، فكان جميع ذلك مصانع لمزيد من النكبات، عقدا بعد عقد بعد عقد، ابتداءً بتحويل الهدف الطبيعي للوحدة في حياة أي أمة من الأمم، إلى أضغاث أحلام وأوهام بعيدة عن واقعية التراجع والتنازل والتسليم والتطبيع.. انتهاء بتحويل حياة الأمة إلى الانشغال بصرف طاقاتها في صراع مع الفقر القاتل أو الترف القاتل وفي الاستخذاء بتبعية قاتلة أو الخنوع لهيمنة قاتلة.

 

وليس الخروج من النكبة الكبرى بأسبابها الذاتية والخارجية، وبنتائج صنعِها ذاتيا وخارجيا، هدفا مستحيلا، فقد فرضت مسيرة الصمود والمقاومة والصحوة الحديث عنه مجددا، وبدأ حراك صنعه التطلع إلى ذلك الهدف من وراء العقبات الكبرى المنصوبة على طريقه، على أن ما لا ينبغي أن يغيب عن الأنظار أن هذا الحراك قد تشعبت به السبل، ويكاد يفضي بدوره إلى نتائج خطيرة تكرر صناعة النكبات بدلا من الخروج منها.

 

لقد حفظت الذاكرة التاريخية عند من لا يزالون يذكرون مقدمات نكبة 1967 ومسبباتها الذاتية بغض النظر عن الأسباب الخارجية -فهي لا تنقطع ولن تنقطع- أن العالم العربي حكمته آنذاك نزاعات كبرى محورها أنظمة وصفت بالرجعية المرتبطة بالدول الغربية لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، وأنظمة وصفت بالعروبية والتقدمية والاشتراكية وارتبطت بالمعسكر الشرقي.. ووقعت النكبة!..

 

وعادت الدول العربية في هذه الحقبة إلى سياسة المحاور المتنازعة، والأخطر من ذلك أن كثيرا من فئات المعارضة أيضا عاد أيضا إلى إحياء الاتجاهات المتصارعة، والجميع لا ينطلق مما تعبر عنه إرادة الشعوب، حيثما انفسح المجال للتعبير عنها وعن تنامي وعيها رغم حقبة غسيل الدماغ الجماعي الذي تعرضت له لعدة عقود.

 

حتى مسيرة العمل الفدائي الفلسطينية التي ولدت قبل نكبة عام 1967، وانحرفت عبر محطات كامب ديفيد ومدريد وأوسلو، تشهد هذه الأيام كيف تحول فريق ممن انحرف بها، إلى المشاركة في حصار الولادة الثانية للعمل الفدائي فيما ظهر من صمود ومقاومة وانتفاضات فلسطينية. ومهما قيل عن الاتجاه الذي مثله الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، أو كانت تمثله الأنظمة التي دخلت في نزاع معه، فالذاكرة التاريخية تقول إنه مضى ومضوا، مع جميع ما صنع وصنعوا، سلبا وإيجابا، وإن أرضية الواقع الدولي التي انطلقوا منها قد تبدلت جذريا، فلم يعد فيها اليوم سوى مخلفات تاريخية تذكّر بها فحسب، ولا يمكن بالاعتماد عليها أن يُصنع حاضر كريم ولا مستقبل مجيد.

 

المستقبل رهن الوعي بالحاضر

 

الخروج من النكبات وما صنعت لا يمكن أن يتحقق من خلال نسخ تتطابق أو تتشابه مع ما كان قبل 1967 وأدّى إليها، بل يتحقق من خلال ظهور قيادات على المستوى العربي (والإسلامي) تتجاوز ما مضى، بأن تنبثق عن الإرادة الشعبية المتلاقية مع الصمود والمقاومة في أكثر من مكان، ومع الانتفاضات الفلسطينية وقياداتها التي حققت من الإنجازات ما يبدو أشبه بالمعجزات، بمراعاة ما تواجهه من حصار وقمع، يشارك فيه الأقربون بطعنات في الظهور أخطر مفعولا مما تصنعه القوى المعادية من خارج المنطقة.

 

إن الذكرى التاريخية لنكبة 1967 تفرض أن نجدد في ذاكرتنا البشرية، الفردية والجماعية، ما كان من أسبابها ومقدماتها، وأن نعمل لتجنبها، وأن نجدد في وعينا ما أوصلت إليه سياسات المحاور، والانحرافات، وصراع التيارات المتعددة، والانفصام بين التصورات التي حكمت ذلك كله وبين الإرادة الشعبية، والوعي الشعبي، والذاكرة التاريخية الصادقة، لنتجنب تكراره.

 

يجب أن نخرج أولا من النكبة وما سبّبها وأن نخرج ممّا صنعته في الواقع القائم حولنا، فذاك شرط أولي وأساسي لا غنى عنه لشق طريق الخروج من عصر النكبات، وإعداد العدة المشتركة في قضية مصيرية مشتركة، وتحويل شعلة الصمود والمقاومة والانتفاضات المتتابعة وسط الحصار، إلى شعلة عمل مشترك يترفع على الخلافات والنزاعات ويتكامل عبر تعدد التصورات والمنطلقات.

 

إن الذين لا يصنعون ذلك ولا يشاركون فيه يعيشون بذاكرتهم وواقعهم في عام 1967 ولا يمكن أن يصنعوا سوى شبيه ما شهده ذلك العام وما بعده، وإنهم ليعزلون بذلك أنفسهم هم عن مسيرة الشعوب، فهي التي فجرت طاقات الصمود والمقاومة، وسوف تتجاوزهم، آجلا أو عاجلا، فإما أن يلحقوا بها، أو يتحولوا كسواهم، إلى بقع سوداء في مسلسل ذكريات تاريخية مأساوية.. وتستمر مسيرة التغيير دونهم.

 

وقد آن الأوان أن ندرك جميعا أن من المستحيل توظيف التعددية في حياة مشتركة تحقق النهوض والبناء، يوما ما، إذا استمر توظيف التعددية في نصب العراقيل والعقبات وصناعة النزاعات والصراعات في وجه كل خطوة مشتركة للخروج من النكبات.

 

 

------------------------

 

كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

انشر عبر