شريط الأخبار

خيار نتانياهو ... قهر الديموغرافيا الذي لا فكاك منه ..مازن النجار

11:51 - 04 كانون أول / يونيو 2009


خيار نتانياهو ... قهر الديموغرافيا الذي لا فكاك منه ..

مازن النجار

منذ أيام كتب باتريك بيوكنن، الكاتب والمؤلف الأميركي المحافظ والمترشح الرئاسي الجمهوري، عن قهر العامل السكاني، في أي مسار أو مآل تؤول إليه قضية فلسطين والاحتلال الإسرائيلي، لأي خيار تتخذه المؤسسة الصهيونية.

 

يُذكّر الكاتب الأميركي بتحذيرات الملك عبد الله الثاني، إذا لم تكن هناك محادثات سلام بين إسرائيل والفلسطينيين لاقامة دولة فلسطينية مستقلة، فالحرب أمر لا مفر منه في العام المقبل. فقد صرح العاهل الأردني مؤخراً لصحيفة "تايمز" اللندنية:  "إذا أخرنا مفاوضات السلام، إذاً سيكون هناك صراع آخر بين العرب والمسلمين وبين إسرائيل في غضون 12 إلى 18 شهراً."

 

وسواء صَحّ الجدول الزمني لتوقعات الملك، أو كانت حرباً باردة تندلع في مياه ساخنة، يبدو مصير إسرائيل من خلال ما إذا أصر بيبي (نتانياهو) على تعهده بعدم السماح مطلقاً بقيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية لنهر الأردن.

 

فقد كتب البروفسور جون ميرشَيْمر، مؤلف كتاب "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية"، منذ أسبوعين (18. 5. 2009) في مجلة “American Conservative” قائلاً: إذا لم تقم دولة فلسطينية، فهناك فقط ثلاثة بدائل مطروحة. وتؤدي كلها إلى قيام "إسرائيل الكبرى"، ...، حيث تسيطر إسرائيل، من الناحية الفعلية، على الضفة الغربية وقطاع غزة، أي أنها تحتل كامل ما يعرف بفلسطين تحت الانتداب البريطاني.

 

ولكن ما هي خيارات بيبي نتانياهو الثلاثة الباقية؟!

 

الخيار الأول: ضم الضفة الغربية. ولكن هذا من شأنه أن يجلب معه 2.4 مليون فلسطينياً داخل إسرائيل، مما يجعل 40  بالمائة من سكانها من العرب. ومع ارتفاع معدل مواليدهم، سيفوق عدد الفلسطينيين قريباً عدد اليهود، وسيصوتون في الانتخابات لصالح إلغاء نظام الدولة اليهودية، الأمر الذي سيؤول إلى قيام دولة ثنائية القومية.

 

وذلك يعني نهاية الحلم الصهيوني.

 

الخيار الثاني: هو حل مئير كاهانا. فقد دعا الحاخام الراحل إلى طرد الفلسطينيين من الأراضي المحتلة. ولكن التطهير العرقي لمئات الآلاف أو ملايين الفلسطينيين سيعني عدداً لا يحصى من الضحايا، وقطع كافة علاقات إسرائيل بالعالم العربي، والعزلة المعنوية، وإحداث قطيعة مع الولايات المتحدة. فأميركا لا يمكن أن تقف موقف المتفرج وتدع هذه الفظائع ضد حقوق الإنسان تحدث.

 

الخيار الثالث هو خيار نتنياهو: ليس الضم، ولا التطهير العرقي، وليس الدولة الفلسطينية، ولكنه السيطرة الدائمة على الضفة الغربية، لضمان أن "حماستان" في قطاع غزة لن تتكرر أبداً في الضفة الغربية.

 

لكن ما هو الخطأ في خيار بيبي (نتانياهو)؟

 

إنه خيار يحتاج إلى سيطرة دائمة على قطاع غزة، حيث تحتجز إسرائيل سكانه المليون ونصف المليون نسمة في ما يرقى إلى معسكر اعتقال عقابي واسع، وبدون إمكانية النفاذ إلى العالم الخارجي براً وبحراً وجواً، إلا بإذن من الجيش الاسرائيلي.

 

في الضفة الغربية، هذا الوضع يعني السيطرة الدائمة على مليونين وأربعمائة ألف عربياً، من خلال احتجازهم في جيوب معزولة يحدها من الغرب جدار الفصل الإسرائيلي، ويحدها من الشرق نهر الأردن، وتشطرها طرق تم تخصيصها لاستعمال الإسرائيلين حصرياً، وتنتشر خلالها وحولها نقاط التفتيش الإسرائيلية. والسفر داخل وخارج الضفة الغربية سيكون على مضض من قبل الجيش الإسرائيلي.

 

إنه هذا الأفق أو المآل الذي جعل لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت يزل ويبوح قائلاً: "إذا انهار حل الدولتين، فإن إسرائيل سوف تواجه نضالاً فلسطينياً على نمط نضال جنوب أفريقيا" (ضد نظام الفصل العنصري). وهو المآل الذي جعل الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر ينذر إسرائيل من أن تصبح دولة "نظام فصل عنصري".

 

هل هناك أي مقارنة أخرى (غير نظام الفصل العنصري) قد تتبادر إلى الذهن، إذا كان الأربعة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة محتجزين في مثل هذا البانتوستان (منطقة عزل عرقي مغلقة)، وليس هناك من بلاد تعتبر بلادهم، وكان اقتصادهم وحركتهم خاضعة لتحكم السلطات الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي؟

 

هناك عيب آخر قاتل في خيار بيبي نتانياهو.

 

فوفقاً لقسم السكان بهيئة الأمم المتحدة، سيصل عدد سكان الأراضي المحتلة منذ 1967 (الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية) حوالي 4.4 مليون فلسطينياً بحلول 2010، لكنهم سيكونون 10 ملايين بحلول الذكرى المئوية لقيام الدولة اليهودية في 2048. عند ذلك، سيكون عدد السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية فقط مساوياً لعدد سكان إسرائيل، في حين ستبلغ نسبة العرب بين سكان إسرائيل (10 ملايين) 30 بالمائة.

 

بحلول منتصف القرن الحالي، ستصبح نسبة الفلسطينيين إلى الإسرائيليين اليهود بين نهر الأردن والبحر الأبيض اثنين إلى واحد، أي ضعف اليهود. وسيكون هناك ستة ملايين فلسطينياً آخرين في الضفة الشرقية لنهر الأردن.

 

علاوة على ذلك، وبحسب البروفسور ميرشَيْمر ، منذ 2007، كان الذين غادروا إسرائيل من اليهود أكثر من الذين قدموا إليها. فما بين 700 ألف إلى مليون يهودياً إسرائيلياً قد غادروا إسرائيل، ويعيشون في الخارج. وفي استطلاع للرأي العام الإسرائيلي أجري في 2007، أفادت نتائجه بأن ما يقرب من نصف مليون من مجموع الشباب الإسرائيلي يفكرون في ترك إسرائيل.

 

بيد أن حجة نتانياهو لا ينقصها الإقناع تماماً: لقد تركنا غزة وجاءت حماس. ويستحيل أن نقبل بذلك تارة أخرى! وحماس ملتزمة بتدمير الدولة اليهودية، ولن نتفاوض أبداً مع حماس.

 

وهذا ما يعني أنه لا مفاوضات ولا سلام. ذلك أنه في أي انتخابات حرة، ستفوز حماس بنسبة تتراوح بين 35 و65 بالمائة، وسيمكنها السيطرة أو المشاركة في أي ائتلاف حكومي. وسيكون هناك احتمال دائماً بأن يتم التصويت لصالح دخول حماس إلى السلطة في الدولة الفلسطينية الجديدة.

 

يريد نتانياهو من أوباما التزاماً بالذهاب إلى الحرب إذا لزم الأمر لتجريد إيران نووياً، لكنه لا يستطيع دفع أوباما لخوض حرب لا يستطيع أن يريدها. أوباما يريد من نتانياهو القبول بدولة فلسطينية مع القدس الشرقية عاصمة لها، لكنه يفتقر إلى النفوذ الوازن في بلاده وفي الكونغرس لإجبار نتانياهو على الامتثال.

 

(سيستمر الأمر على حاله)، فحيث لا يوجد حل، لا توجد مشكلة.

 

في المدى القصير، علينا معرفة ما إذا كان ملك الأردن على حق في توقعاته.

 

في المدى البعيد، الديموغرافيا هي القدر. انتهى كلام بيوكنن.

 

لا تعليق!

 

 

 

انشر عبر