شريط الأخبار

مجرد التطلع والتمني.. عقلة عرسان

06:35 - 29 حزيران / مايو 2009

مجرد التطلع والتمني..

عقلة عرسان

 

قال سياسيون وكتاب صهاينة إن نتياهو قابل في واشنطن "إدارة لا تنطوي عليها الحيل المعروفة"، ووجد في واشنطن ما لم يكن يتوقعه، ".. وجد أمامه أمريكا مختلفة، ورئيساً لم تشهد إسرائيل له مثيلا من قبل.. رئيساً يحظى بشعبية كبيرة وقوة كبيرة، ومحبوباً جداً من قبل الجمهور اليهودي.. رئيساً أمريكياً ليس واضحاً كم تعني إسرائيل له، رئيساً لا يتعامل معنا بالضرورة كذخر استراتيجي، رئيساً لا يؤثر عليه الإنجليكان واللوبي اليهودي وإيباك، رئيساً يريد فتح صفحة جديدة مع العرب ويأتي لزيارة مصر ولا يفكر حتى بزيارتنا." وذلك " لأول مرة في تاريخ إسرائيل". ووصل بعضهم حد القول ذي الدلالة التاريخية: ".. حصرية إسرائيل توشك على أن تتصدع إن لم يكن تتحطم.".

هذا كلام يبدو وقعه قاسياً أو مزلزلاً على من اعتادوا أن يصدروا الأوامر للإدارات الأميركية ولا يُرد لهم طلب، وأن يتدخلوا في رسم سياسة الدولة الأعظم فيما يسمى الشرق الأوسط، أو يمسكوا بذلك الملف حصرياً. لقد صدمهم قول في كواليس البيت الأبيض الجديد: " نتنياهو يريد أن "يبلفنا" ولن نقبل منه ذلك".. وهو قول ينم عن معرفة دقيقة بالرجل، ووعي بأضرار السير الأعمى وراء الصهاينة الذين يطلبون فتلبى طلباتهم، ويرتكبون الجرائم الكبرى ولا يحاسبون، ولا يفون بوعودهم والتزاماتهم وينكثون عهودهم ولا يسألون عما يرتكبون.. وقد أوصلوا سمعة الولايات المتحدة إلى الحضيض، وأدخلوها في مآزق تريد أن تخرج منها، وعلى رأسها "العدوان على العراق احتلاله" ذلك الذي كان في أصوله وفروعه مطلباً صهيونياً، و "المماهاة بين الإسلام والإرهاب" في حرب هدفت إلى المس بالثقافة والهوية العربية والإسلام وكل ما يتعلق بهما وبمقوماتهما، وأرادت تغيير الجغرافية السياسية والثقافة والتربية والقيم في العالم الإسلامي، وأحدثت اختراقات خطرة في هذا المجال.. ولكنها تطلعات تراجعت وأدت على يد المقاومة والممانعة وآلت إلى عكس ما أريد منها ولها. والصهاينة اليوم يطلبون تدمير إيران بأية وسيلة، وبتحالفات عربية ـ أميركية ـ غربية إن أمكن، بذريعة إمكان حصولها على سلاح نووي يملكونه ويطورون قدراتهم في مجالاته منذ عشرات السنين، ويبقى وضعهم وما يملكون قيد التعمية والغموض.؟

الولايات المتحدة تريد اليوم أن تستعيد ثقة مفقودة ومصداقية مزلزَلة في العالم الإسلامي ولو كان ذلك في حدوده الدنيا، وتريد أن تنهي هذه المواجهة الغبية العقيمة.. وهذا أمر طيب، وهو يقع في مصلحتها أولاً وفي مصلحة الصهاينة على المدى البعيد، بوصفهم، من وجهة نظرها التي لم تتغير: الذخر الاستراتيجي، والحليف الأول الذي لا يُستغنى عنه، والدولة التي تضمن الولايات المتحدة الأميركية أمنها وازدهارها وتفوقها على العرب والمسلمين مجتمعين.

 إن المعطيات والتحركات الأميركية الراهنة معطيات هامة وذات خلفيات وضرورات سياسية واقتصادية ملحة.. صحيح أنها لا ترقى إلى مرتبة التحول الاستراتيجي الأميركي الشامل ولكنها تحمل مؤشرات ينبغي التوقف عندها والتفكير بها وبما قد تؤدي إليه من نتائج على المدى البعيد، وما يكون لها من وجوه وتوجهات إيجابية وسلبية.. سواء في الحد من التدخل الفج في شؤون سياسية وثقافية عربية وإسلامية أو في وضع حد للغطرسة وتشويه الصورة والتهديد وفرض أنوع الحصار تلك التي يقوم بها الغرب كله ومعه الصهاينة ويعاني منها العالم الإسلامي، أو في توجه سلبي نحو استقطاب وتوظيف طاقات وثروات إما لصراعات داخلية وإشعال فتن، أو لخدمة الاستراتيجيات والمصالح الأميركية وعلى رأسها الاقتصاد المزعزع.  

إدارة الرئيس أوباما تبدو جادة في بذل جهد للتوصل إلى حل للصراع العربي الصهيوني من دون مراجعة أو تراجع عما أعطته إدارات أميركية سابقة لإسرائيل لا سيما بشأن أمرين هامين " المستوطنات الكبيرة حول القدس، ويهودية الدولة بما تعنيه من عنصرية ومخاطر على حق العودة والعرب في الكيان لصهيوني منذ عام 1948 ولم لزم نفسها بمدة أو جدول زمني لإنجاز شيء محدد.. وقد أخذت هذه الإدارة أخذت تدرك أن معالجة موضوع لصراع العربي الصهيوني هو العامل الأكثر تأثيراً على سياسات ومواقف وخيارات عربية وإسلامية، وتدرك جيداً أهمية إنهائه بصورة مقبولة لفتح صفحة جديدة مع العرب والمسلمين الذين يعرفون مكانتها ودورها في هذا الموضوع، ويريدونها وسيطاً جاداً وحازماً ونزيهاً.. ولذا أصبحت ترى ذلك مصلحة قومية أميركية بوصفه مدخلاً للمصالحة مع العالم الإسلامي، ومقدمة لما تسميه عزلاً لتطرف أو مخاطر قد تأتي من تنظيمات وقوى وبلدان عربية وإسلامية، وتطميناً لأصدقاء أو "حلفاء" قدامى، يتخوفون من توجهاتها السياسية المرنة ويرون في حوارها مع بلدان عربية وإسلامية، " إيران وسورية على الخصوص"، خطراً على مواقعهم ومكانتهم لديها، وربما على ما هو أبعد من ذلك.

في لقاء الرئيس أوباما بنتنياهو وبعد ذلك اللقاء، وفي لقائه مع الرئيس محمود عباس، أكد هو ورموز إدارته على " وقف البناء في المستوطنات وتفكيك بؤر استيطانية، وتسهيل حركة الفلسطينيين في الضفة الغربية، والأخذ بحل الدولتين."، وتواكَب ذلك مع حدث هام ومدروس، هو تبني اجتماع وزراء خارجية دول العالم الإسلامي في دورته السادسة ولثلاثين التي عقدت في دمشق " أيار/ مايو 2009" للمبادرة العربية التي ذكرها أوباما ورموز إدارته أكثر من مرة. ويبدو أن المطالبة الأميركية الحازمة بوقف البناء في المستوطنات وعدم إقامة مستوطنات جديدة وتفكيك بؤر استيطانية، هو المقابل أو المدخل لمطالبة العالم الإسلامي بتطبيع علاقات عربي ـ إسلامي مع الكيان الصهيوني، قد يضيق مداه أو يتسع ولكنه يبقى "خطوة ضرورية لبناء الثقة"، حسب المنطق الأميركي ـ الصهيوني.؟ وفي هذا السياق لا يجوز أن نغفل مضمون رسالة "حوالي 330 من أعضاء مجلس النواب الأميركي إلى أوباما داعين إياه إلى الالتزام بالثوابت التي تحكمت بالدور الأميركي في عملية السلام في الماضي.. وأنه يتعين على الإدارة الأميركية أن تؤدي دور الوسيط الأمين مع بقائها صديقاً وفياً لإسرائيل.".

لم تذكر إدارة أوباما ولا من اتصلت بهم أو من اتصلوا بها، شيئاً عن حق العودة ولا عن رفض التوطين، بل ذهب من نطق بإيحاء منها إلى الكلام عن تعويض وتوطين للاجئين الفلسطينيين في البلدان التي يقيمون فيها، وعن تعديلات مطلوبة في المبادرة العربية مما يتصل بهذين الأمرين.. ونحن نعرف وهم يعرفون أن حق العودة ورفض التوطين هما في جوهر قضية فلسطين والصراع العربي الصهيوني، وأحد أهم الأسس في المبادرة العربية. كما لم تتخذ إدارة أوباما أي إجراء ولم تهدد باتخاذ أي إجراء فعلي يلجم  الكيان الصهيوني مثل وقف تمويلها لبناء المستوطنات الذي يستمر منذ عشرات السنين.. ويذهب الصهاينة إلى حد التندر أو التباهي "بانخداع" الأميركيين وهو انخداع تواطئي بامتياز مثل السكوت على مفاعل ديمونة في الخمسينات وعلى سواه مما طور من أسلحة نووية واستمر لاحقاً، فيقولون في موضوع المستوطنات " أمريكيون كثيرون جداً تجولوا هنا في الميدان. إزالة بؤرة استيطانية بيد وإصدار تراخيص لألف وحدة في مستوطنة أخرى باليد الثانية."؟، ونحصر هذه الملاحظة بتمويل الاستيطان حتى لا نذهب إلى مطالبة الإدارة الجديدة بإمكانية التلميح، مجرد التلميح، إلى التفكير بوقف المساعدات المالية والفنية والتقنية الأخرى المتعلقة بتطوير منظومة صواريخ "حيتس" مثلاً التي قدمت لها هذه الإدارة مبالغ جديدة، على الرغم من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها " إسرائيل" في عدوانها الأخير على غزة. 

ويلاحظ كل متابع أن هذا كله يترافق مع سكوت لافت على احتلال وممارسات عنصرية وجرائم، وعلى قوانين ومشاريع قوانين عنصرية مخجلة صدرت، أو تناقش في الكنيست تمهيداً لإصدارها، وهي من النوع الذي لو صدر أو اقترِح إصدار ما هو أقل منه بمليون مرة لأقام الأميركيون والأوربيون ومن ولاهم ويمثلهم في الثقافة والسياسة والإعلام في البلدان العربية، ضجيجاً باسم حقوق الإنسان والحريات لا يهدأ وقد لا ينتهي. ومما تضمنته أو نصت عليه تلك القوانين أو المشاريع نذكر الآتي:

1 ـ " أن يحظر الاحتفال بيوم النكبة، ومعاقبة من يخرق هذا الأمر بالسجن لثلاث سنوات.". وهو قانون موجه لمن يتذكر النكبة من فلسطينيي عام 1948 الذين التصقوا بوطنهم أو من يحيي ذكراها بأي شكل من الأشكال.

2 ـ " فرض عقوبة السجن لمدة سنة لمن ينشر دعوة ترفض وجود دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية.". ومن الجدير بالملاحظة هنا أن الأمر يتصل بحرية التعبير " ينشر دعوة..إلخ"، وبإملاء إرادة طغيانية " ديكتاتورية" مطلقة على من يجادل في " ديمقراطية" دولة أو إجراءات سلطة احتلال وعدوان فيها ما يقرب من ربع السكان من العرب هم مواطنون من الدرجة الثالثة أو الرابعة، ولا يتمتعون بأية حقوق؟ وهذا عجيب وغريب ولكن الأعجب الأغرب منه السكوت عليه من دول ومجتمعات تسمي نفسها " العالم الحر"، أو " المجتمع الدولي".!؟

4 ـ "طالب الجنسية سيلزم بتصريح بموجبه ملزم هو بأن يكون موال لدولة إسرائيل كدولة يهودية، صهيونية وديمقراطية، لقيمها ورموزها وأن يخدم الدولة، بقدر ما يطلب منه في الخدمة العسكرية أو في خدمة بديلة".

5 ـ " كل تعبير، عفوي أو مقصود، بقرب أو إلى جانب منزل الشخصية العامة، محظور.".

      ولا نعرف في أية اتفاقيات أو قوانين أو مواثيق دولية، أو دساتير وقوانين وضعية محلية، يمكن أن تندرج مثل هذه الإجراءات المتصلة بممارسة الديمقراطية في ما يسمى" واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط إسرائيل"؟، والمتعلقة "بالحريات والحقوق العامة للإنسان والمواطن.. أي إنسان وأي مواطن"؟

إن العرب والمسلمين الذين سيخاطبهم الرئيس أوباما من القاهرة في لرابع من حزيران 2009، مطالبون عند سماع خطاب الرئيس الأميركي والاستماع إلى رؤاه ومطالبه، بألا يفقدوا الذاكرة، وأن ينظروا إلى وقائع وحقائق ما زالت على الأرض منها وضع القدس وأهلها، وحصار غزة ومعاناة الغزاويين، والموقف من " عرب 1948"، والموقف في العراق وأفغانستان، وباكستان حيث يقدم الأميركي ملايين الدولار ليستمر الاقتتال ويخرب بلد إسلامي بذرائع شتى.. وأن يتذكروا بعض ما سجلوه على أنفسهم في " إعلان دمشق الأخير" ومنه عدم مكافأة "إسرائيل"، وعدم الاستجابة إلى من يطالب بمكافأتها على جرائمها واحتلالها وتدميرها لحياة الشعب الفلسطيني وهويته وثقافته ومقدساته وملاحقته بالإبادة.. عدم مكافأتها/ مكافأته.. بتقديم التطبيع المجاني والتنازلات التي تمس جوهر قضية فلسطين وحقوق شعبها. وهذا لا يعني دعوة للانغلاق، وعدم الاقبال على الحور، وتجاهل اليد الممدودة إلينا.. بل هو دعوة إلى اليقظة ومعرفة العدو وتحالفاته وثوابته ومناوراته، والتوقف عند جوهر قضايانا ومصالحنا وما يعاني منه شعبنا وما يتطلع إليه ويتمناه. 

لقد أصبحنا نتطلع إلى مجرد التذكر والتمني.. فهل نحصل على شيء من ذلك.؟

دمشق في 29/5/2009

                                            

 

 

 

انشر عبر