شريط الأخبار

خبير بيئي :القنابل الفسفورية حملت إشعاعات خطرة وحرقت الغطاء النباتي

09:15 - 24 تشرين أول / مايو 2009

الدكتور عبد الفتاح عبد ربه

تجريف الأراضي غيّر بنية النظم البيئية والملامح الطبيعية لأراضي القطاع

خبير بيئي :القنابل الفسفورية حملت إشعاعات خطرة وحرقت الغطاء النباتي

فلسطين اليوم- غزة

يُعتبر "التنوع الحيوي" أول المؤشرات الدالة على سلامة الوضع البيئي في أي منطقة من المناطق، فكلما ازداد التنوع الحيوي واستقر، دلّ ذلك على سلامة المنظومة البيئية في هذه المنطقة. وليس التنوع الحيوي من مطالب الترف البيئي، ولكنه ضرورة أساسية لاستمرار الوجود على الأرض وتواصل الحياة فيها.

 

أما قطاع غزة؛ فكان نصيبه الحرمان من تنوّع حيوي متميِّز عاش ملايين السنين في توازن بيئي وتناغم مع بيئته، فالاحتلال الإسرائيلي الذي يتخذ من القتل والتدمير منهجاً له، لم يألُ جهداً في القضاء على المنظومة البيئية وملامح الأرض الخضراء في غزة.

 

وبدأت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع والعشرين من كانون أول (ديسمبر) الماضي، وانتهت في الثامن عشر من كانون ثاني (يناير) الماضي، لتسجل 22 يوماً قضتها البيئة الفلسطينية في قطاع غزة في حالة تدهور لم يسبق له مثيل في تاريخ فلسطين الحديث. فقد استعمل الاحتلال خلال هذه الحرب صوراً شتى من الأسلحة الفتاكة بما فيها الأسلحة المحرمة دولياً، والتي شاهدها العالم بأسره على شاشات الفضائيات العالمية، ليذهب ضحيتها البشر والشجر والحجر.

 

ونجم عن الحرب على غزة دمار واسع طال كافة مناحي البيئة وعناصرها، فتلوثت المياه والتربة والهواء، ودُمِّرت البنية التحتية والفوقية شرّ تدمير، وتدهورت مجموعات الكائنات الحية (Biota) بشقيها الحيواني (Fauna) والنباتي (Flora) تدهوراً كبيراً وخطيراً، علماً بأنّ قطاع غزة الذي يرزح تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي منذ 1967 يزدهر بتنوّع لا بأس به في المجموعات النباتية والحيوانية، رغم الواقع البيئي الاستثنائي الذي يعيشه منذ عقود.

 

وتسلِّط "قدس برس" الضوء على الآثار البيئية التي خلفتها الحرب الإسرائيلية الأخيرة، على التنوع الحيوي، كأحد أهم عناصر البيئة الفلسطينية التي واجهت دماراً بفعل الآلة الحربية الإٍسرائيلية، والتقت الدكتور عبد الفتاح نظمي عبد ربه، أستاذ العلوم البيئية المساعد، في قسم الأحياء بالجامعة الإسلامية بغزة، فكان هذا الحوار ..

 

ـ ما هو المقصود بالتنوع الحيوي، وما هي طبيعة التنوع الموجود في فلسطين بشكل عام؟

 

* يُقصد بالتنوع الحيوي أو التنوع البيولوجي (Biodiversity) تباين عناصر الحياة على الأرض، ولعل أهم ما يجذب اهتمام المختصين هو التنوع في مستويات النوع (Species) والنظام البيئي (Ecosystem) وملامح الأرض الطبيعية (Landscape) الذي تعرّض كل منها للبطش والدمار، بفعل الآلة الحربية الصهيونية التي لم تُبقِ ولم تذر.

 

فلسطين رغم مساحتها الصغيرة، تزخر بتنوّع حيوي هائل على مستوى الملامح الطبيعية أو على مستوى النظم البيئية، نظراً لتنوّع المناخ والتضاريس والغطاء النباتي الذي يكسوها.

 

وتذكر التقارير والكتب العلمية أنّ فلسطين تأوي حوالي 3000 نوعاً نباتياً برياً بين أشجار وشجيرات ونباتات عشبية، كما أنها تأوي أكثر من 120 نوعاً ثديياً و530 من الطيور البرية و100 نوع من الزواحف و7 أنواع من البرمائيات، إضافة إلى ما بين 350 – 400 نوعاً من أسماك المياه العذبة والمالحة.

 

ـ وماذا عن التنوع الحيوي في قطاع غزة بشكل خاص؟

 

* قطاع غزة يزدهر بتنوع حيوي لا بأس به رغم المشاكل البيئية التي يعاني منها. وهناك دراسات علمية حديثة أوضحت أنّ حوالي 120 نوعاً نباتياً و20 نوعاً من الثدييات البرية و120 نوعاً من الطيور و20 نوعاً من الزواحف و 3 أنواع من البرمائيات و 100 نوع من الأسماك البحرية تتواجد في بيئات قطاع غزة المختلفة، سواء كانت يابسة أم بحرية.

 

ـ هل هناك تحديات يواجهها التنوع الحيوي في قطاع غزة، لا سيما عقب الحرب الإسرائيلية الأخيرة؟

 

* نعم، يواجه التنوع الحيوي في قطاع غزة تحديات جمّة تفتك به وتهدد عشائره، ومنها الازدحام السكاني وتناقص وتغيير المواطن البيئية والتلوث والاستغلال الجائر للموارد الطبيعية. وتُعدّ هذه التحديات كسراً هامشياً إذا ما قيست بمخاطر الاحتلال على كافة مناحي البيئة الفلسطينية، بما فيها التنوع الحيوي والتدمير الممنهج لها.

 

ـ حدثنا بشيء من التفصيل عن ما يُوصف بالتدمير الممنهج الذي نفذته الآلة الحربية الإسرائيلية بحق النظم البيئية وملامح الأرض الطبيعية والزراعية؟

 

* الزراعة بأنماطها المختلفة هي العمود الفقري للمجتمع الفلسطيني في قطاع غزة، وإذا كانت النظم البيئية الطبيعية نادرة الحدوث في قطاع غزة بسبب الازدحام السكاني والضغط على الموارد الطبيعية؛ فإنّ النظم البيئية الزراعية متعددة ومتنوِّعة، بل هي التي جابهت الحصار المفروض على قطاع غزة منذ سنوات من خلال توفير المحاصيل والمزروعات المختلفة للمجتمع الغزي.

 

الحرب الإسرائيلية المدروسة تكفلت بتدمير النظم البيئية الطبيعية منها والزراعية، لتزيد من وقع الحصار على سكان القطاع، فكان تجريف الأراضي الزراعية وتدمير تربتها ومحاصيلها ولاسيما الإستراتيجية منها؛ كالزيتون والحمضيات واللوزيات والحبوب والدفيئات.

 

وسائل الإعلام المختلفة أشارت إلى أنّ آلة الحرب الإسرائيلية الجوية والبرية والبحرية ألقت خلال الحرب عدة ملايين من الكيلوغرامات من القنابل والقذائف المعروفة وغير المعروفة، بما فيها القنابل الفسفورية والارتجاجية والفراغية والعنقودية، وربما التي تحمل إشعاعات خطرة على الصحة والبيئة، لتدمر البنيان وتمزجه بالتربة وتحرق النبات الطبيعي والمزروع.

 

كما لعبت الدبابات والجرافات الإسرائيلية أيضاً دوراً كبيراً في تدمير المساحات الطبيعية والزراعية، من خلال تجريف الأراضي وقلب التربة ومزجها بالملوثات المختلفة، مما يعني تغييراً متعمداً وواضحاً في هيكلية وبنية النظم البيئية والملامح الطبيعية للأرض.

 

ـ هل تنتظر التربة الفلسطينية في غزة مخاطر مستقبلية بفعل الأسلحة التي استخدمها الجيش الإسرائيلي خلال الحرب؟

 

* استخدمت القوات الإسرائيلية خلال الحرب أسلحة محرّمة، منها ما تطرّقت إليه وسائل الإعلام ومنها ما لم يُعرف بعد. الفسفور الأبيض قد تزول آثاره مع الوقت؛ أمّا الأسلحة الإشعاعية والمحتوية على يورانيوم مخضّب فتمكث مدداً تطول كثيراً، وبالتالي لو تأكد استخدامها تماماً فستكون لها آثار كبيرة على البيئة الفلسطينية وعلى صحة المواطن الفلسطيني والأجيال القادمة.

 

ـ إلى أي مدى أثّرت الحرب الإسرائيلية على المنظومة النباتية في غزة، لا سيما وأنّ التقارير العلمية تشير إلى أنّ مئات الآلاف من الأشجار المعمِّرة قد تم اجتثاثها وقلعها؟ وما هي تداعيات هذا الأمر؟

 

* خلال الحرب؛ لعبت القنابل الفسفورية دوراً في حرق الغطاء النباتي في المناطق التي تعرضت للقصف، وهذا ما أدلى به السكان المحليون في كافة أنحاء قطاع غزة، ولاسيما المناطق الشرقية المحاذية للحدود ومناطق شمال قطاع غزة. ولعلّ محافظة شمال غزة كانت هي الأكثر حظاً في الدمار.

 

وهناك أمر خطير، فكل من الحصار والحرب لعبا دوراً في تدمير الغطاء النباتي في كثير من مناطق قطاع غزة. هذا الأمر أدّى إلى لجوء العديد من السكان ولاسيما سكان المناطق الريفية والقريبة من المحرّرات (المستعمرات الإسرائيلية المخلاة) إلى قطع الأشجار المعمرة وأشكال أخرى من الغطاء النباتي لاستخدامه وقوداً أو علفاً لحيواناتهم بسبب نقص إمدادات الوقود وغاز الطهي. أدّت كل هذه المظاهر إلى تدمير الغطاء النباتي وتجزئته وتأخر نموِّه، وربما زيادة معدلات انجراف التربة وتعريتها.

 

إنّ تدمير الاحتلال أثناء الحرب وقبلها، للغطاء النباتي بكافة صوره وأشكاله في المناطق الشرقية والشمالية الغربية لقطاع غزة؛ أدّى وبدون أدنى شك إلى تجزئة النظم البيئية وتقليل محتواها البيولوجي، ولاسيما الطيور التي تختبئ أو تبني أعشاشها على الأشجار والشجيرات.

ـ هل كان للأنواع الحيوانية نصيب من هذا التدمير الذي لحق بالأنواع النباتية؟ وهل يؤثر الضرر الذي لحق بالقطاع النباتي على المنظومة الحيوانية بشكل أو بآخر؟

 

* يُعتبر الغطاء النباتي عاملاً مهماً في تقدير حجم العشائر والأنواع الحيوانية المختلفة المعتمدة على وجوده، ولاسيما الطيور البرية. تبعاً لذلك؛ فإنّ عمليات التدمير والتجريف التي نالت من الأشجار المعمرة وكافة أشكال الغطاء النباتي وخصوصاً في المناطق الشرقية لقطاع غزة؛ قد أثّرت بطريقة أو بأخرى على الأنواع الحيوانية السائدة أو العابرة للحدود صوب قطاع غزة.

 

إنّ الأثر طويل الأمد الذي يلعبه إزالة الغطاء النباتي يتمثل في تناقص عناصر التنوع الحيواني والعشائر الحيوانية، ولعل الأرنب البري (Lepus capensis) والقط البري (Felis silvestris) والطيور الجارحة (Raptors) التي تواجه تهديداً مستمراً منذ عقود في قطاع غزة؛ تُعتبر من بين عناصر التنوع الحيواني الأكثر تأثراً و تضرّراً.

 

ـ ما هي خصوصية المناطق الشرقية فيما يتعلق بالتنوع النباتي والحيواني؟

 

* المناطق الشرقية في قطاع غزة تشهد تنوّعاً حيوانياً أكثر من المناطق الغربية منه، بسبب قلة حركة السكان وقلة العمران وكثرة البساتين والأراضي الزراعية في المناطق الشرقية، إضافة إلى قرب المناطق الحدودية الشرقية من الغابات والأحراش المتواجدة في المناطق المحتلة شرق الحدود مع غزة.

 

ثم إنّ جُلّ عمليات صيد الحيوانات البرية التي يقوم بها بعض السكان تتركّز في المناطق الشرقية لقطاع غزة، وقد تم مراراً رصد قيام الصيادين بصيد الثدييات البرية مثل الأرانب البرية والثعالب الحمراء وقط الأدغال والقط البري وابن آوى والنمس المصري، وصيد الطيور البرية مثل الصقور والعقبان والشنار واليمام والعصافير المتنوعة؛ كالدوري والهرد والتفاحي والحسون الذهبي وطيور اللامي، وغيرها؛ بغرض أكلها كما في حالة الأرنب البري والشنار واليمام، أو تربيتها كما في حالة الصقور والحسون الذهبي، أو بيعها لبعض حدائق الحيوان المنتشرة في معظم محافظات قطاع غزة، كما في حالة معظم الثدييات الكبيرة نسبياً.

 

ـ هل تم رصد مظاهر أخرى لتعمد الجانب الإسرائيلي تدمير الأنواع الحيوانية النادرة المتواجدة في غزة؟

 

* قطاع غزة شهد في العامين الأخيرين ازدياداً ملحوظاً في عدد حدائق الحيوانات التي أُنشئت للترفيه، ولتعليم سكان القطاع، ولاسيما الأطفال، بعناصر التنوع الحيواني في بيئتهم الفلسطينية وفي بيئات الدول الأخرى. كما أنها تدرّ ربحاً لممتلكيها. الاحتلال الإسرائيلي عمد بتاريخ 24 أيار (مايو) 2004 إلى التدمير الكلي لحديقة حيوان رفح، وكرّر في حربه الأخيرة تدميره لحديقة حيوان غزة التي تأوي حيوانات جلّها من البيئة الفلسطينية. تشير وسائل الإعلام إلى أنّ 95 في المائة من حيوانات الحديقة لاقت حتفها دهساً بالآليات ورميا بالرصاص.

 

ـ كيف كان أثر تدمير مبنى المختبرات العلمية بالجامعة الإسلامية بغزة، والذي كان يحوي متحفاً للتاريخ الطبيعي (Museum) يضمّ مئات العينات و الأنواع المحنطة من حيوانات البيئة الفلسطينية؟

 

* قسم الأحياء في الجامعة الإسلامية تأسّس في مطلع الثمانينيات، وسنوياً تُضاف إلى متحفه الناشئ عشرات الحيوانات من البيئة الفلسطينية، منها عيِّنات نادرة مثل حيوان الكيب (Coypu or Nutria = Myocastor coypus ) الذي سُجِّل دخوله لقطاع غزة مرة واحدة عام 1997.

 

تدمير الاحتلال الإسرائيلي هذا المبنى الذي يحتوى متحفاً للتاريخ الطبيعي، يضمّ مئات العينات والأنواع المحنطة من حيوانات البيئة الفلسطينية؛ أحدث خللاً في تدريس المساقات العلمية التي تعنى بالتنوع الحيوي والبيئة. وكان هذا المتحف يُعدّ رغم صغره النسبي ذا أهمية في جذب طلبة العلم من الجامعات والكليات والمدارس من مختلف مناطق قطاع غزة، ليتعرّفوا على طبيعة حيوانات البيئة الفلسطينية، وهذا بدوره كان يساهم في إكسابهم الوعي تجاه الحفاظ على عناصر التنوع الحيوي محلياً.

 

ـ كيف تأثر "الهواء" سلبا خلال الحرب، وهل يمكن أن يؤثر ذلك على التنوع الحيوي في غزة؟

 

* الهواء تأثر كثيراً خلال فترة الحرب، حيث يُعتقد تلوُّثُه بمنتجات الأسلحة التي علمنا منها وما لم نعلم. التأثير على التنوع الحيوي لا يمكن حسمه إلاّ بالدراسات والبحوث العلمية.

 

ـ ماذا عن تأثير الحرب على الأحياء المائية في البحر؟

 

* الأحياء المائية في بحر غزة يجهلها علماء غزة قبل عامتها، ولكنّ سكب كميات هائلة من المياه العادمة غير المعالجة كما هو الحال في فترة الحصار والحرب في البيئة البحرية؛ يؤثر سلباً عليها من خلال السموم والمواد الكيميائية والكائنات الدقيقة الممرضة التي تحويها وأثرها على استنزاف الأوكسجين الذائب في المياه، إلى غير ذلك من التأثيرات. لا توجد بحوث علمية تؤكد ما يحدث بالفعل، ولكنّ التوقعات هي سيدة الموقف.

 

 

 

ـ وهل هناك خطر حيال انقراض أي نوع من الأنواع النباتية أو الحيوانية أو المائية بفعل الحرب والأسلحة التي تم استخدامها؟

 

* لا يمكن الجزم بذلك، ولا توجد دلائل علمية حالياً بشأن ذلك.

 

ـ برأيك ما هو المطلوب من المسئولين والمعنيين بهذه القطاعات، بعد هذا التدمير؟

 

* المطلوب فحص عيِّنات من التربة والكائنات والإنسان، للتأكد من نوعية الأسلحة ومخاطرها على البيئة والصحة، ويتم ذلك من خلال الاستعانة بالخبراء الأجانب الذين يتمتعون بالنزاهة.

 

ـ هل تؤيد رفع دعوى جنائية على الجانب الإسرائيلي لتدميره المنظومة البيئية وحرمان غزة من تنوع حيوي مميز؟

 

* هذا مطلب الكلّ ينادي به ويسعى له، لأنه بالفعل كانت الحرب بيئية بالدرجة الأولى، فقد نالت من كل معالم البيئة الفلسطينية في قطاع غزة ومناحيها. إنّ تدمير الغطاء الأخضر يصحبه عادة تدمير للغطاء الحيواني الذي يعتمد عليه، ولاسيما الطيور سيدة البيئة الطبيعية الفلسطينية. يجب على السلطات المسؤولة والمؤسسات العلمية، أن تأخذ على عاتقها رفع الدعاوى القضائية والتشهير بما اقترفه الاحتلال بحق بيئتنا الفلسطينية.

 

انشر عبر