شريط الأخبار

الوهم الفلسطيني واليقين الصهيوني ..سلامة كيلة

11:27 - 18 تموز / مايو 2009

ـ السفير 18/5/2009

تفاصيل الحوار الفلسطيني هي التي باتت تحظى بالتغطية الإعلامية، وكأن موضوع فلسطين قد أصبح هو هذا الحوار من أجل إعادة «توحيد» السلطة التي نشأت على أساس اتفاقات أوسلو. ويبدو أن كل طرف (السلطة وحماس) يحاول أن يؤكد شرعية سيطرته أكثر مما يفكر في مجمل الوضع الذي آلت إليه القضية الفلسطينية. ولهذا يتمحور «النضال الفلسطيني» اليوم حول هذا الحوار بـ«رعاية مصرية»، ومن أجل تفاهمات ليس ممكنا أن تتحقق لأن كل طرف يريدها أن تتحقق على أرضيته المصلحية، وليس على أرضية النضال من أجل فلسطين.

في المقابل تشكلت حكومة في الدولة الصهيونية هي أسوأ من تلك التي سبقتها، حيث إنها تضم القوى الأكثر وضوحا في التعبير عن المشروع الصهيوني. لهذا ركزت على الأمن والاستيطان، ورفضت الإشارة إلى حل الدولتين، وقفزت عن اتفاق أنابولس، منطلقة من أن على السلطة أن تنفذ النقطة الأولى في خارطة الطريق، تلك المتعلقة بمحاربة الإرهاب. كما تصر كسالفتها على الإقرار الفلسطيني بـ«يهودية الدولة». وهو الأمر الذي يعني أن من مهماتها أن تحرك ملف فلسطينيي الأرض المحتلة منذ البدء، من حيث السعي لإخراجهم من تكوين الدولة. لكن أيضا، وفي سياق سياستها التي ستبدو مكملة لسياسة الحكومة السابقة، سوف تكون أوضح في إكمال السيطرة على الأرض في الضفة الغربية، وإكمال جدار العزل، والتوسع في بناء المستوطنات، ولقد أقرت ذلك منذ الآن. وبالتالي فحتى لو عادت إلى الإشارة إلى حل الدولتين فلن يكون لذلك معنى كما في السابق.

ان كل التصريحات عن السلام والمفاوضات هو لتغطية ما يجري على الأرض. وبالتالي فنحن إزاء فكرة واضحة تمارس يوميا هي: أن فلسطين هي اسرائيل، وليس من الممكن أن تضم دولتين. لهذا لا أمل أن يحصل الفلسطينيون على «هدفهم» في «إقامة الدولة المستقلة»، وليس من الممكن أن تكون القدس عاصمة إلا للدولة الصهيونية.

ربما هناك من لا يستطيع تفسير التصريحات، والخطط الاستراتيجية، بشكل صحيح، وبالتالي يعتقد أنه يمكن، تحت الضغط، أن تتنازل الدولة الصهيونية عن الأرض المحتلة سنة 1967 على أساس «قرارات الشرعية الدولية»، لكن الوقائع لا تحتاج إلى فهم، ولا يمكن أن تلتبس على أحد. هل هناك شك في أن السيطرة على الأرض في تزايد؟ هذا ما توضحه الأرقام لمن أراد أن يعرف، وليس أن يفهم، كون الفهم مستوى أعلى من المعرفة. وكذلك التوسع الاستيطاني، هل من شك في ذلك؟ ان ميزانيات الدولة الصهيونية معلنة، وهي تلحظ باستمرار ميزانية الاستيطان. إذاً، هل نتبع التصريحات والأوهام أم نتحسس ما يجري تحت أقدامنا؟

إذاً، يمكن أن نقول إن «عملية السلام» لا تهدف إلى الوصول إلى دولة مستقلة للفلسطينيين، بل إن هدفها الذي باتت يتوضح أكثر فأكثر هو دمج فئة فلسطينية بالمنظومة الأمنية الصهيونية، وكما أشرنا للتو التعمية على ما يجري على الأرض. ولهذا نلمس التشابك الاقتصادي الذي يتحقق، والشراكات التي تحوّل فئة فلسطينية إلى كومبرادور في المنظومة الاقتصادية الصهيونية.

إن التفكير في ما آلت إليه القضية الفلسطينية يتلمس أننا بتنا إزاء قضايا هي ثانوية أو وهمية، حيث إن «الهدف» هو «إقامة الدولة والمستقلة وعاصمتها القدس» كما انحرفت إليه سياسة منظمات المقاومة السابقة، والتي تحددت في حدود سنة 1967، وانطلاقا من القرار 242، لكن ماذا بقي من هذه الأرض؟ وأين ستقام الدولة؟ أكثر من ذلك قاد الوهم بأن هناك سلطة آيلة للتحول إلى دولة، إلى الصراع على سلطة، هي تحت الاحتلال، الأمر الذي قسم السلطة إلى اثنين. ثم حق العودة، لكن إلى أين؟ وخصوصا أن «هدف» الدولة المستقلة فرض التخلي عن حق العودة إلى الأرض المحتلة سنة 1948 وفق الشروط التي تضعها الدولة الصهيونية، ووفق النظر إلى أن الحصول على دولة للفلسطينيين يفرض عليهم عدم «تهديد» الدولة الصهيونية بكتلة فلسطينية تلغي طابعها.

لهذا بات السؤال هو: أية قضية هي قضية الفلسطينيين؟ الدولة المستقلة أم سلطة الإدارة الذاتية؟ على فلسطين أم على حدود سنة 1967 أم على بضعة كانتونات مغلقة بإحكام؟ وما هو وضع اللاجئين؟ وهل قضيتهم هي قضية حقوقية تتعلق بتطبيق القرار 194 الصادر عن الأمم المتحدة؟ وفلسطينيو الأرض المحتلة سنة 1948 ما هو وضعهم ومصيرهم؟ هل هم فلسطينيون؟وبالتالي لقد طغت التفاصيل وضاعت القضية. حيث يجري تناول فروع لقضية أساسية انطلاقا من أنها قضايا مستقلة. وباتت تخضع لشرعية هي الداعم الأساس للدولة الصهيونية منذ أن قررت إعطاءها شرعية الوجود.

ربما يكون للقوى التي تتقاتل من أجل السلطة مصالح ضيقة تجعلها تنشد إلى مصالحها لا إلى القضية، لكن لا بد من وقفة للتأمل. فقد وصلنا إلى هذا المنحدر نتيجة تلك المصالح، التي كانت تجعل فئة قادت المقاومة الفلسطينية تنطلق من التحالف مع النظام العربي القائم، والذي كان يزداد تبعية للرأسمال الامبريالي، والأميركي خصوصا، ولهذا ارتأت بأن مصالحها لن تتحقق سوى عبر «التوافق العربي»، و«الشرعية الدولية». وهو الأمر الذي ما زال قائما. رغم حدود الممكنات في هذا الإطار، التي تبدو ضيقة.

لكن علينا أن نعيد طرح السؤال عن: ماهية القضية؟ بعد كل ما أصابها من تشوش، وانقلاب، وتفكيك. وأيضا أن نعيد طرح السؤال عن طبيعة المشروع الصهيوني والدولة الصهيونية؟ حيث ليس من فاصل بين هذا وذاك، رغم أن النظر الى كليهما ضروري من أجل فهم الاستراتيجية. وهنا يمكن أن نشير إلى الصيرورة التي أوصلت الوضع الفلسطيني والقضية الفلسطينية إلى هذه الهاوية. فأولا: كان الميل نحو الفلسطنة هو الذي يطغى، ربما نتيجة شعور بالعجز العربي، لكن هذا الميل كان يضع النضال الفلسطيني في مأزق لا خروج منه، سواء نتيجة أن تكوين الدولة الصهيونية ارتبط بكونها مرتكزا عسكرياً في مواجهة تطور الوطن العربي، أو لأن هذا النضال كان ينطلق من أرض عربية، وبالتالي يصطدم حتما بنظم قائمة. وهو الأمر الذي كان يؤسس لوعي بالعجز الفلسطيني عن المواجهة. وهذه هي الخطوة الأولى نحو أوسلو. وهذا ما حدث فعلا، حيث كانت صدامات المقاومة مع نظم وقوى عربية أكثر من صدامها مع الدولة الصهيونية.

وثانيا: كان «البرنامج المرحلي» والقبول بـ«دولة مستقلة» على جزء من فلسطين، وفي إطار النشاط الدبلوماسي و«السياسي»، وبالتوافق مع النظم العربية، وانطلاقا من «قرارات الشرعية الدولية»، يشير إلى سوء فهم فظيع لطبيعة الدولة الصهيونية، ولإمكانيات أن تقدم على تنازل ما، أو تهويل لدور «المجتمع الدولي» و«الشرعية الدولية»، وإمكانية أن يفرضا حلا ـ وفق قرارات صادرة عن الشرعية الدولية ذاتها ـ على الدولة الصهيونية.

وإذا كان السبب الأول يضعف إمكانية المقاومة، فقد كان السبب الثاني هو الطريق لتضييع القضية كلها. حيث جرت المراهنة على قوى هي التي أوجدت الدولة الصهيونية، ليس من أجل حل مشكلة يعاني منها اليهود، بل من أجل الإفادة من هذه المشكلة لتوظيف هؤلاء كجيش «مرتزق» في مشروع إمبريالي للسيطرة على الوطن العربي.

لقد نظرت الدول الامبريالية للوطن العربي كوطن واحد موحد، لهذا كان همها يتمحور حول كيفية تكريس تفككه، وتفكيكه أكثر، وأيضا إيجاد «دولة مرتكز» تعمل وفق مصالحه ورؤيته. وكانت هذه هي الدولة الصهيونية. لهذا هي لا تريد السلام بل تريد السيطرة، ولا تريد الحلول الوسط بل تريد الهيمنة، في إطار المشروع الامبريالي وكعنصر فيه. وهو الأمر الذي يعني أنها تريد الإخضاع لا التنازل، وتريد التوسع لا الوقوف عند حد، والعيش بـ«سلام».


انشر عبر